منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

2025 عام الحروب الكبرى.. العالم يسجل أعلى عدد من النزاعات منذ الحرب العالمية

13 يونيو 2026
جانب من إنقاذ المدنيين في أوكرانيا
جانب من إنقاذ المدنيين في أوكرانيا

حروب متزامنة، وأزمات متفاقمة، وملايين المدنيين العالقين بين نيران الصراعات.. هكذا يصف تقرير دولي واقع العالم في 2025، بعدما سجل أعلى عدد من النزاعات المسلحة منذ نحو 80 عاماً، في مؤشر خطير على تراجع الأمن والاستقرار العالميين.

ووفق تقرير اتجاهات الصراع الصادر عن معهد أبحاث السلام في أوسلو خلال يونيو 2025، والمستند إلى بيانات برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات، سجل العالم 65 نزاعاً مسلحاً شاركت فيه حكومات أو جيوش نظامية خلال عام 2025، وهو أعلى رقم منذ بدء توثيق هذه البيانات عام 1946، أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كما ارتفع عدد النزاعات المباشرة بين الدول إلى ثمانية نزاعات، وهو أعلى مستوى خلال ثمانية عقود.

أرقام تكشف حجم الأزمة

أوضح معهد أبحاث السلام في أوسلو أن النزاعات المسلحة خلال عام 2025 أسفرت عن أكثر من 245 ألف قتيل نتيجة المعارك المباشرة وأعمال العنف السياسي، ويضع هذا الرقم العام الماضي في المرتبة الثالثة بين أكثر الأعوام دموية منذ نهاية الحرب الباردة.

وأظهرت بيانات المعهد ارتفاعاً غير مسبوق في استهداف المدنيين، فقد بلغ عدد ضحايا الهجمات الموجهة ضد المدنيين نحو 76 ألفاً و500 شخص خلال عام 2025، مقارنة بنحو 14 ألفاً و200 شخص في العام السابق، ما يعكس تراجعاً خطيراً في حماية المدنيين واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

وقالت الباحثة سيري آيس روستاد من معهد أبحاث السلام في أوسلو إن العالم يشهد منذ سنوات تراكماً متواصلاً للنزاعات الكبرى دون فترات تهدئة حقيقية، مشيرة إلى أن عام 2025 كان صادماً من حيث حجم العنف المسجل واتساع رقعته الجغرافية.

الكونغو الديمقراطية.. أزمة منسية تتفاقم

شهد شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال عام 2025 تصعيداً خطيراً في أعمال العنف بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة، وعلى رأسها حركة الثالث والعشرين من مارس، ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تسببت المعارك في موجات نزوح واسعة النطاق وزادت من معاناة ملايين المدنيين الذين يواجهون أوضاعاً إنسانية صعبة، كما حذرت الأمم المتحدة من تفاقم الانتهاكات ضد المدنيين، بما في ذلك أعمال القتل والعنف الجنسي وتجنيد الأطفال، في وقت تعاني فيه المناطق المتضررة من نقص حاد في الغذاء والخدمات الصحية، وتُصنف الأزمة في الكونغو الديمقراطية ضمن أكبر أزمات النزوح والحماية الإنسانية في إفريقيا، رغم أنها تحظى باهتمام دولي أقل مقارنة بصراعات أخرى حول العالم.

ميانمار.. حرب أهلية تتوسع

كما واصلت ميانمار خلال عام 2025 الانزلاق نحو مزيد من العنف، مع اتساع رقعة المواجهات بين الجيش والجماعات المسلحة المعارضة في عدة ولايات وأقاليم، ووفق الأمم المتحدة ومفوضية حقوق الإنسان، أدت العمليات العسكرية والغارات الجوية إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين ونزوح مئات الآلاف من السكان، كما وثقت منظمات حقوقية دولية انتهاكات واسعة شملت الاعتقالات التعسفية والهجمات على المناطق السكنية وتقييد وصول المساعدات الإنسانية، وترى الأمم المتحدة أن الأزمة في ميانمار باتت تمثل إحدى أكثر الأزمات تعقيداً في آسيا، مع استمرار تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية وتراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

غزة وأوكرانيا واستمرار النزيف

احتلت الحرب في قطاع غزة والحرب الروسية الأوكرانية موقعاً مركزياً في مشهد النزاعات العالمية خلال 2025.

وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن قطاع غزة يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية المعاصرة، مع تدمير واسع للبنية التحتية المدنية والمرافق الصحية والتعليمية.

وأشارت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين إلى أن غالبية سكان قطاع غزة تعرضوا للنزوح القسري مرة واحدة على الأقل منذ اندلاع الحرب، في حين يعتمد معظم السكان على المساعدات الإنسانية للبقاء.

أما في أوكرانيا فقد أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان استمرار سقوط الضحايا المدنيين نتيجة الهجمات المتبادلة، إضافة إلى الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية ومرافق الطاقة والخدمات العامة.

إفريقيا بؤرة النزاعات العالمية

أظهر تقرير معهد أبحاث السلام في أوسلو أن القارة الإفريقية ظلت المنطقة الأكثر تضرراً من النزاعات المسلحة المرتبطة بالدول خلال عام 2025، مع تسجيل 29 نزاعاً مسلحاً.

وشملت بؤر التوتر الرئيسية السودان ومنطقة الساحل الإفريقي وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال. كما شهدت عدة دول إفريقية تصاعداً في نشاط الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة.

وأكدت الأمم المتحدة أن استمرار النزاعات في إفريقيا يؤدي إلى تفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي وتراجع فرص التنمية، خاصة في المناطق الريفية والنائية.

أزمة نزوح غير مسبوقة

كشفت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن عدد الأشخاص الذين أجبروا على الفرار من منازلهم بسبب الحروب والعنف والاضطهاد بلغ أكثر من 122 مليون شخص خلال عام 2025.

وتضم هذه الأرقام أكثر من 43 مليون لاجئ، ونحو 68 مليون نازح داخل بلدانهم، إضافة إلى ملايين طالبي اللجوء والأشخاص المحتاجين إلى الحماية الدولية.

وأكدت المفوضية أن هذا الرقم يمثل استمراراً لاتجاه تصاعدي مستمر منذ أكثر من عقد، وسط عجز المجتمع الدولي عن معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات.

الأطفال يدفعون الثمن الأكبر

حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” من أن نحو 473 مليون طفل حول العالم يعيشون في مناطق متأثرة بالنزاعات المسلحة، وهو رقم غير مسبوق في التاريخ الحديث.

وأوضحت المنظمة أن الأطفال يواجهون مخاطر القتل والتشويه والتجنيد القسري والحرمان من التعليم والرعاية الصحية، كما يتعرض الملايين منهم للنزوح وفقدان الحماية الأسرية والاجتماعية.

وأكدت المنظمة أن تصاعد النزاعات خلال 2025 أدى إلى تفاقم الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال في عدد من بؤر الصراع الرئيسية.

الجوع كسلاح للحرب

أشارت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي إلى أن النزاعات المسلحة تظل المحرك الرئيسي لأزمات الجوع الحاد في العالم.

وأظهرت التقارير الأممية أن أكثر من 281 مليون شخص عانوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي خلال عام 2025، وأن الحروب تمثل السبب الأبرز وراء هذه الأزمة.

وفي السودان وغزة وأجزاء من الكونغو الديمقراطية واليمن، حذرت الأمم المتحدة من مخاطر المجاعة نتيجة تعطل الإمدادات الغذائية واستمرار الأعمال العسكرية.

تراجع الالتزام بالقانون الدولي

أعربت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن قلقها المتزايد إزاء تصاعد الانتهاكات المرتكبة ضد المدنيين والمنشآت المدنية في مناطق النزاع.

وأكدت اللجنة أن القانون الدولي الإنساني يفرض حماية المدنيين والمستشفيات والعاملين في المجال الإنساني، إلا أن العديد من النزاعات الحالية تشهد انتهاكات متكررة لهذه المبادئ الأساسية.

كما دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان جميع أطراف النزاعات إلى احترام التزاماتها القانونية وضمان المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة.

وطالبت منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش بإجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات الموثقة في عدة مناطق نزاع، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

شلل النظام الدولي

سلّط التقرير الضوء على التحديات التي تواجه النظام الدولي في التعامل مع الأزمات المتعددة والمتزامنة، وأكدت الباحثة سيري آيس روستاد أن مجلس الأمن الدولي يواجه صعوبات متزايدة في التوصل إلى توافقات سياسية فعالة بشأن النزاعات الكبرى، ما يحد من قدرته على التدخل وإنهاء الصراعات.

كما أشارت إلى أن تصاعد الاستقطاب السياسي بين القوى الكبرى يؤدي إلى إضعاف فرص التعاون الدولي ويزيد من تعقيد جهود الوساطة وحفظ السلام.

مؤشرات مقلقة لعام 2026

رغم أن عام 2026 لا يزال في بداياته، فإن المؤشرات الأولية لا توحي بانحسار النزاعات العالمية، وأكد مركز مراقبة النزوح الداخلي أن العالم سجل خلال عام 2025 أكثر من 32 مليون حالة نزوح داخلي جديدة مرتبطة بالنزاعات والعنف، وهو أعلى رقم يتم تسجيله منذ بدء الرصد الدولي.

كما حذرت الأمم المتحدة من أن أكثر من 305 ملايين شخص حول العالم سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وحماية خلال عام 2026، نتيجة استمرار النزاعات والكوارث والأزمات الاقتصادية.

شهد العالم بعد الحرب العالمية الثانية فترات متباينة من الاستقرار والتوتر، وخلال مرحلة الحرب الباردة تركزت الصراعات في حروب بالوكالة وأزمات إقليمية، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي انخفض عدد النزاعات بين الدول، لكن الحروب الأهلية والصراعات الداخلية استمرت في عدة مناطق، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً لافتاً مع عودة المواجهات المباشرة بين الدول وتزايد الصراعات متعددة الأطراف.

ويعتبر تقرير معهد أبحاث السلام في أوسلو أن عام 2025 يمثل نقطة تحول تاريخية بسبب الجمع بين العدد القياسي للنزاعات المسلحة وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين وتوسع أزمات النزوح والجوع، وتؤكد بيانات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية أن العالم يواجه اليوم واحدة من أخطر المراحل الإنسانية والأمنية منذ عقود، في ظل استمرار الحروب وتراجع فعالية الآليات الدولية المكلفة بحفظ السلم والأمن وحماية المدنيين.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية