في ولاية بورنو شمال شرقي نيجيريا، تبدو معاناة ملايين السكان انعكاسا لأزمة أعمق من مجرد أرقام اقتصادية، حيث تسببت سنوات طويلة من العنف المسلح والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية في تغيير ملامح الحياة اليومية، فبينما يعيش المسلمون، الأغلبية السكانية، في شمال البلاد، تتراكم أمامهم تحديات الفقر والبطالة والجوع وضعف التعليم وانعدام الأمن، لتتحول المنطقة إلى واحدة من أكثر بؤر الهشاشة الإنسانية في القارة الإفريقية.
وتشير بيانات البنك الدولي الصادرة ضمن تقرير تحديث التنمية في نيجيريا لعام 2026 إلى أن نسبة الفقر في البلاد ارتفعت إلى نحو 63 بالمئة خلال عام 2025، مقارنة بنحو 61 بالمئة في عام 2024 و56 بالمئة في عام 2023، وهو ما يعني أن ما يقارب 140 مليون نيجيري يعيشون تحت خط الفقر، ويؤكد البنك الدولي أن ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم وتراجع القوة الشرائية للأسر أدى إلى تآكل الدخول الحقيقية، فيما تركزت الآثار الأشد وطأة في الولايات الشمالية الأقل نموا.
خريطة ديموغرافية واقتصادية غير متوازنة
تعد نيجيريا أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان، إذ يقترب عدد سكانها من 240 مليون نسمة وفق التقديرات السكانية لعامي 2025 و2026، ويقدر عدد المسلمين بأكثر من 100 مليون شخص، يعيش معظمهم في الولايات الشمالية مثل كانو وسوكوتو وكاتسينا وزمفارا ويوبي وبورنو، ورغم الثقل السكاني الكبير للمسلمين، فإن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تكشف تفاوتا تنمويا واضحا بين الشمال والجنوب.
ويشير البنك الدولي إلى أن معدلات الفقر والفقر المدقع تظل أعلى بصورة ملحوظة في شمال البلاد مقارنة بالمناطق الجنوبية التي استفادت تاريخيا من الاستثمارات والبنية التحتية والأنشطة الصناعية والتجارية المرتبطة بالموانئ وقطاع النفط.
إرث تاريخي من التفاوت
توضح الدراسات التاريخية الصادرة عن الجامعات النيجيرية ومراكز الدراسات الإفريقية أن جذور الفجوة التنموية تعود إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية، ففي الوقت الذي شهدت فيه مناطق الجنوب توسعا في التعليم الحديث والإدارة المدنية والاستثمارات الاقتصادية، حافظت مناطق واسعة من الشمال على أنظمة التعليم الديني التقليدي والمؤسسات الاجتماعية المحلية.
وبعد الاستقلال عام 1960 استمرت الفجوة التنموية بين المنطقتين، لتتفاقم لاحقا بفعل النمو السكاني السريع وضعف البنية التحتية وتراجع الاستثمارات واندلاع النزاعات المسلحة، ونتيجة لذلك أصبح ملايين المسلمين في شمال نيجيريا يواجهون تحديات تنموية تراكمية امتدت لعقود.
أزمة التعليم وصناعة الفقر
تؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن نيجيريا تضم واحدة من أكبر أزمات التعليم في العالم، ووفقاً لبيانات المنظمة، فإن واحدا من كل خمسة أطفال خارج المدرسة على مستوى العالم يعيش في نيجيريا، كما تشير المنظمة إلى أن نحو 10.5 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 5 و14 عاما خارج التعليم النظامي، بينما تنخفض نسبة الالتحاق الصافي بالتعليم في شمال البلاد إلى نحو 53 بالمئة فقط.
وتوضح يونيسف أن الفقر وانعدام الأمن والزواج المبكر للأطفال ونقص المدارس والمعلمين كلها عوامل تسهم في استمرار الأزمة التعليمية، خصوصا في الولايات الشمالية ذات الأغلبية المسلمة، ويؤدي هذا الواقع إلى إنتاج أجيال جديدة تواجه صعوبات كبيرة في الحصول على وظائف مستقرة أو الاندماج في الاقتصاد الحديث.
البطالة وانعدام الفرص
بحسب البنك الدولي، يدخل نحو 3.5 مليون شاب إلى سوق العمل النيجيري سنويا، بينما يعجز الاقتصاد عن توفير العدد الكافي من الوظائف الجديدة، وتبدو المشكلة أكثر حدة في الشمال حيث ترتفع معدلات الفقر وتنخفض مستويات الاستثمار الصناعي والتكنولوجي مقارنة بمناطق الجنوب.
وتشير بيانات المؤسسات الاقتصادية الدولية إلى أن ضعف خلق الوظائف وغياب التنمية المتوازنة يدفع أعدادا كبيرة من الشباب نحو الاقتصاد غير الرسمي، فيما يجد آخرون أنفسهم عرضة للاستقطاب من قبل الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية التي تستغل اليأس الاقتصادي وانعدام الفرص.
الإرهاب وتدمير الاقتصاد المحلي
تعد أزمة الأمن واحدة من أبرز العوامل التي عمقت معاناة سكان الشمال، فمنذ أكثر من عقد ونصف، تسببت هجمات جماعة بوكو حرام والتنظيمات المسلحة المرتبطة بها في تدمير قرى ومزارع وأسواق ومدارس ومراكز صحية في ولايات بورنو وآداماوا ويوبي.
وأكد برنامج الأغذية العالمي أن تصاعد الهجمات المسلحة أدى إلى انهيار مصادر الرزق التقليدية وتعطيل النشاط الزراعي والتجاري ودفع ملايين الأشخاص إلى النزوح، كما أسهمت حالة عدم الاستقرار في إضعاف الاستثمارات المحلية والأجنبية وزيادة معدلات الفقر في المناطق المتضررة.
الجوع يهدد الملايين
ووفقا لأحدث بيانات برنامج الأغذية العالمي لعام 2026، يواجه نحو 35 مليون شخص في نيجيريا مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما يتركز الجزء الأكبر من الأزمة في الشمال والشمال الشرقي، كما تشير المنظمة إلى أن ولايات بورنو وآداماوا ويوبي تمثل بؤرة الأزمة الغذائية الأكثر خطورة في البلاد.
ويحذر البرنامج من أن نحو 15 ألف شخص في ولاية بورنو يواجهون ظروفا كارثية تقترب من المجاعة، في حين تهدد أزمة التمويل الدولية استمرار برامج المساعدات الغذائية المنقذة للحياة.
النزوح المستمر
يؤكد برنامج الأغذية العالمي أن نحو 2.3 مليون شخص ما زالوا نازحين بسبب العنف وانعدام الأمن في شمال شرق نيجيريا. وتعيش أعداد كبيرة من هؤلاء في مخيمات أو مجتمعات مضيفة تعاني أصلا من ضعف الموارد والخدمات الأساسية.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن 7.8 مليون شخص في ولايات بورنو وآداماوا ويوبي يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما تواجه الوكالات الإنسانية تحديات كبيرة في توفير التمويل اللازم لتلبية الاحتياجات المتزايدة.
النساء والأطفال الأكثر تضررا
تؤكد يونيسف وبرنامج الأغذية العالمي أن النساء والأطفال يتحملون العبء الأكبر للأزمة الإنسانية، فالفتيات في العديد من المناطق الشمالية يواجهن مخاطر التسرب من التعليم والزواج المبكر، بينما ترتفع معدلات سوء التغذية بين الأطفال بصورة مقلقة.
ويشير برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 4.8 مليون طفل وامرأة يحتاجون إلى تدخلات غذائية وتغذوية سنوية في شمال شرق نيجيريا، كما تحذر الوكالات الأممية من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى تداعيات طويلة الأمد على الصحة والتعليم والتنمية البشرية.
رأي المنظمات الحقوقية
تطالب منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بصورة متكررة السلطات النيجيرية بتعزيز حماية المدنيين وتحسين وصول السكان إلى الخدمات الأساسية وضمان المساءلة عن الانتهاكات التي ترتكبها الجماعات المسلحة، كما دعت المنظمتان إلى معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات، وعلى رأسها الفقر والتهميش وضعف التنمية وغياب الفرص الاقتصادية.
وتؤكد المنظمات الحقوقية النيجيرية أن مكافحة التطرف والعنف لا يمكن أن تعتمد فقط على الحلول الأمنية، بل تحتاج إلى استثمارات واسعة في التعليم والصحة والبنية التحتية وفرص العمل.
الحق في التنمية
تنص المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الحق في العمل، فيما تؤكد المادة الثالثة عشرة الحق في التعليم، كما تلزم اتفاقية حقوق الطفل الدول بضمان حصول الأطفال على التعليم والحماية والرعاية الأساسية.
وبموجب هذه الالتزامات الدولية، تتحمل الحكومة النيجيرية مسؤولية اتخاذ التدابير اللازمة لضمان وصول السكان إلى الخدمات الأساسية وتقليص الفجوات التنموية ومعالجة أسباب الفقر المزمن، خاصة في المناطق الأكثر هشاشة.
هل توجد مؤشرات تحسن؟
رغم قتامة الصورة، تشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد النيجيري حقق معدلات نمو إيجابية خلال 2025 مع توقعات باستمرار النمو خلال 2026، إلا أن المؤسسة الدولية تؤكد أن ثمار النمو لم تصل بعد إلى ملايين الفقراء، وأن نجاح الإصلاحات الاقتصادية سيظل مرتبطا بقدرة الدولة على تحويل النمو إلى فرص عمل حقيقية وتحسين مستويات المعيشة والخدمات العامة.
وفي ظل استمرار النزاعات المسلحة وتفاقم آثار التغير المناخي وارتفاع أسعار الغذاء، يبقى مستقبل ملايين المسلمين في شمال نيجيريا مرتبطا بقدرة الحكومة والشركاء الدوليين على معالجة جذور الأزمة التنموية الممتدة منذ عقود، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها الإنسانية المتفاقمة.

