في مشهد يعكس قوة التضامن المجتمعي وروح التكافل، تواصل الجمعيات النسائية في فيتنام ابتكار مبادرات إنسانية وتنموية لمساعدة النساء الفقيرات والأطفال الأيتام على مواجهة ظروف الحياة الصعبة، عبر مشاريع بسيطة لكنها فعالة، نجحت في تحويل أعمال يومية صغيرة إلى مصدر دعم اقتصادي واجتماعي لآلاف الأسر المحتاجة.
وبحسب تقارير محلية صادرة عن اتحاد النساء في عدد من المقاطعات الفيتنامية، فإن الجمعيات النسائية تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تطوير نماذج مبتكرة لدعم النساء المحرومات اقتصادياً، منها مشروع “البيت الأخضر” لجمع الخردة وإعادة تدويرها، إلى جانب برامج الادخار الجماعي، ودعم تربية المواشي، وتمويل المشاريع الصغيرة، ورعاية الأطفال الأيتام، وهي مبادرات أسهمت في تحسين أوضاع آلاف النساء والأسر الفقيرة في فيتنام.
البيت الأخضر
في قرية هوي هين التابعة لبلدية ثو لونغ، تتحول عطلات نهاية الأسبوع إلى فرصة للعمل التطوعي والتكافل الاجتماعي، حيث تنشغل عضوات جمعية النساء بجمع المواد القابلة لإعادة التدوير ونقلها إلى ما يعرف بـ”البيت الأخضر”، وهو مركز صغير مخصص لتجميع الخردة وبيعها بهدف توفير موارد مالية لدعم الفئات الأكثر احتياجاً.
وتختلف قيمة العائدات المالية بحسب كمية المواد المجمعة، إذ تتراوح بين خمسين ألف دونغ فيتنامي -أي ما يعادل نحو دولارين أمريكيين- وأكثر من مئتي ألف دونغ -ما يقارب ثمانية دولارات أمريكية- في كل عملية بيع، في حين ترتفع الإيرادات خلال المناسبات والأعياد، خاصة عيد رأس السنة القمرية “تيت”، لتصل إلى ما بين مليون ومليون ونصف المليون دونغ فيتنامي، أي ما يعادل تقريباً ما بين 40 و60 دولاراً أمريكياً.
وتقول نغوين ثي ماي، رئيسة جمعية النساء في قرية هوي هين، إن المشروع لم يعد مجرد نشاط بيئي أو تطوعي، بل تحول إلى وسيلة حقيقية لدعم النساء والأطفال المحتاجين ومكافحة الفقر، وأضافت أن الجمعية تمكنت خلال أربع سنوات من بيع الخردة 38 مرة، واستخدمت جميع العائدات لتقديم مساعدات وهدايا لـ43 امرأة وطفلاً من ذوي الظروف الخاصة، الأمر الذي شجع كثيراً من السكان على المشاركة والتبرع بالمواد القابلة للتدوير.
صندوق إنساني دائم
وتندرج هذه المبادرة ضمن برنامج أوسع يحمل اسم “من جمع الخردة إلى ملايين الهدايا”، وهو مشروع أطلقه اتحاد نساء بلدية ثو لونغ بهدف إنشاء صندوق إنساني دائم لدعم الأسر الفقيرة.
ووفقاً للمسؤولات عن المشروع، فقد تم حتى الآن إنشاء 20 “بيتاً أخضر” موزعة على 26 فرعاً نسائياً في القرى المختلفة داخل فيتنام، حيث يتم جمع عائدات بيع الخردة وتخصيصها لتمويل الأنشطة الإنسانية، مثل شراء الهدايا للأسر المحتاجة، وتقديم الدعم للأيتام، والإسهام في الرعاية الصحية والتعليم.
وأكدت نغوين ثي ثوي، رئيسة اتحاد نساء بلدية ثو لونغ، أن جمع الخردة أصبح نشاطاً دورياً داخل الفروع النسائية، حتى في القرى التي لا تملك “بيتاً أخضر” بشكل رسمي، إذ خصصت أماكن صغيرة لتجميع المواد القابلة للبيع دعماً لصندوق التكافل.
وأضافت أن الاتحاد لا يقتصر دوره على جمع التبرعات، بل يعمل أيضاً على توفير القروض الصغيرة، وربط النساء بمصادر التمويل، وتقديم تدريبات تساعدهن على تطوير مشاريع اقتصادية منزلية وتحسين مستوى الدخل.
دعم اقتصادي واجتماعي
وتشير البيانات المحلية إلى أن اتحاد النساء في بلدية ثو لونغ تمكن خلال عام 2025 من مساعدة 17 أسرة فقيرة، إضافة إلى توفير رعاية وكفلاء لسبعة أطفال أيتام من أصل 11 طفلاً يتيماً في المنطقة.
وفي بلدية ثونغ شوان، تتبنى الجمعيات النسائية نموذجاً مشابهاً يعتمد على دراسة أوضاع النساء المحتاجات وتصنيفهن وفق طبيعة الصعوبات التي يواجهنها، بهدف تقديم دعم يتناسب مع احتياجات كل حالة.
وتوضح لي ثي سام، رئيسة اتحاد نساء بلدية ثونغ شوان، أن برامج الدعم تشمل القروض الصغيرة، والمساعدة في تطوير الإنتاج الزراعي، وتبادل الأيدي العاملة، وتربية المواشي، إضافة إلى تشجيع النساء على الادخار الجماعي وشراء بطاقات التأمين الصحي.
وأكدت أن هذه الجهود ساعدت خلال عام 2025 أكثر من 400 امرأة تعيش ظروفاً صعبة، بقيمة دعم إجمالية قاربت 600 مليون دونغ فيتنامي، كما أسهمت في انتشال ست أسر من دائرة الفقر وعشر أسر أخرى من خطر السقوط فيه.
خطة لمكافحة الفقر
وتسعى السلطات المحلية والاتحادات النسائية في فيتنام إلى توسيع هذه المبادرات ضمن خطة أشمل للحد من الفقر متعدد الأبعاد، وهو الهدف الذي نص عليه قرار المؤتمر النسائي الإقليمي للفترة بين 2025 و2030، والذي يهدف إلى مساعدة 1700 أسرة تقودها نساء للخروج من دائرة الفقر أو الاقتراب من الاستقرار الاقتصادي.
ولهذا الغرض، تعمل الاتحادات النسائية على مراجعة أوضاع الأسر المحتاجة، ودراسة أسباب الفقر، ثم وضع خطط دعم عملية تعتمد على التمويل الصغير، والمشاريع المنزلية، والتكافل المجتمعي، والتدريب المهني.
نماذج تضامن مبتكرة
وخلال السنوات الأخيرة، نجحت النساء في العديد من المناطق الفيتنامية في تطوير نماذج تضامن متنوعة، منها برامج “الادخار في الحصالات”، و”الأم الروحية” لرعاية الأطفال الأيتام، ومجموعات تبادل العمل الزراعي، إضافة إلى بناء “ملاجئ المحبة” للأسر الفقيرة.
وتكشف الإحصاءات المحلية أن اتحادات النساء على مختلف المستويات قدمت خلال عام 2025 مساعدات لأكثر من 8500 أسرة فقيرة أو مهددة بالفقر، من خلال توفير المواشي والشتلات والأسمدة وفرص العمل، بقيمة تجاوزت ثمانية مليارات دونغ فيتنامي.
كما أسهمت هذه المبادرات في بناء 45 مسكناً للأسر المحتاجة، ورعاية أكثر من 2300 طفل يتيم، إلى جانب توزيع ما يقرب من 30 ألف هدية إنسانية ضمن مشروع “من جمع الخردة إلى ملايين الهدايا”، بقيمة تجاوزت عشرة مليارات دونغ فيتنامي.
تعد الاتحادات النسائية في فيتنام من أبرز المنظمات الاجتماعية التي تلعب دوراً مهماً في برامج التنمية المحلية ومكافحة الفقر، خاصة في المناطق الريفية، وتعمل هذه الجمعيات تحت مظلة الاتحاد النسائي الفيتنامي الذي يركز على تمكين النساء اقتصادياً وتعزيز دورهن الاجتماعي، وخلال السنوات الماضية، توسعت المبادرات المجتمعية القائمة على إعادة التدوير والادخار الجماعي والمشاريع الصغيرة، في إطار توجه حكومي ومجتمعي يهدف إلى تحقيق تنمية أكثر شمولاً وتقليل معدلات الفقر، خصوصاً بين النساء والأطفال في المناطق الأقل دخلاً.
