منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أكثر من 13 ألف شكوى تمييز.. العنصرية تتوسع في الحياة اليومية بألمانيا

03 يونيو 2026

سجلت ألمانيا ارتفاعاً حاداً في شكاوى التمييز العنصري خلال السنوات الأربع الماضية، وفق ما كشفه تقرير رسمي أُعلن في العاصمة برلين، الثلاثاء، في مؤشر يثير مخاوف متزايدة بشأن اتساع نطاق الظاهرة وتأثيرها على مختلف جوانب الحياة اليومية، وأظهر التقرير في عدد الشكاوى المسجلة لدى الجهات المختصة بلغ مستوى غير مسبوق خلال عام 2025، ما دفع مسؤولين وخبراء إلى التحذير من تفاقم المشكلة والمطالبة بإجراءات سياسية وقانونية أكثر فاعلية لمواجهتها.

وخلال مؤتمر صحفي عقد في برلين، أعلنت رئيسة دائرة مكافحة التمييز في ألمانيا فيردا آتامان، إلى جانب المديرة العامة لاتحاد مكافحة التمييز إيفا أندراديس، نتائج تقرير التمييز لعام 2025 الذي أظهر تضاعف عدد شكاوى العنصرية والتمييز المسجلة مقارنة بما كانت عليه قبل أربع سنوات، وبحسب التقرير الرسمي، ارتفع عدد الشكاوى إلى 13 ألفاً و67 شكوى خلال العام الماضي، مقابل 7 آلاف و750 شكوى فقط في عام 2021، ما يعكس نمواً لافتاً في البلاغات المرتبطة بالتمييز والعنصرية.

تصاعد مستمر في الأرقام

وكشفت البيانات الواردة في التقرير أن الزيادة لم تكن مفاجئة أو مرتبطة بعام واحد فقط، بل جاءت نتيجة مسار تصاعدي مستمر خلال السنوات الأخيرة، فقد بلغ عدد الشكاوى 8 آلاف و827 شكوى في عام 2022، ثم ارتفع إلى 10 آلاف و772 شكوى في عام 2023، قبل أن يصل إلى 11 ألفاً و405 شكاوى في عام 2024، وصولاً إلى الرقم القياسي المسجل في 2025.

وتعكس هذه الأرقام جانبين متوازيين؛ الأول يتمثل في استمرار انتشار ممارسات التمييز داخل المجتمع، والثاني في تنامي وعي المتضررين بحقوقهم واستعدادهم للتقدم بشكاوى رسمية للإبلاغ عن الانتهاكات التي يتعرضون لها.

العنصرية تتصدر المشهد

وأشار التقرير إلى أن الشكاوى المرتبطة بالعنصرية والأصل العرقي جاءت في صدارة الحالات المسجلة خلال عام 2025، بعدما بلغ عددها 4 آلاف و571 شكوى، ويعادل هذا الرقم أكثر من ضعف ما تم تسجيله في عام 2021، حين لم يتجاوز عدد الشكاوى ذات الصلة ألفين و54 حالة.

وأكدت فيردا آتامان أن العنصرية لم تعد تقتصر على حوادث فردية أو استثنائية، بل أصبحت تظهر بصورة متكررة في تفاصيل الحياة اليومية للكثير من الأشخاص، وأوضحت أن المتضررين يواجهون أشكالاً مختلفة من التمييز أثناء البحث عن السكن، أو خلال التسوق، أو داخل أماكن العمل، ما ينعكس بشكل مباشر على فرصهم الاجتماعية والاقتصادية.

معاناة أكبر من الأرقام المعلنة

ورغم الارتفاع الكبير في عدد الشكاوى المسجلة في ألمانيا، ترى آتامان أن الواقع قد يكون أكثر تعقيداً مما تعكسه الإحصاءات الرسمية، وأشارت إلى أن الأرقام المعلنة تمثل فقط الجزء الظاهر من المشكلة، في ظل وجود أعداد كبيرة من الضحايا الذين لا يتقدمون بشكاوى رسمية لأسباب متعددة.

وأضافت أن بعض المتضررين يخشون التعرض للانتقام أو فقدان فرص العمل والسكن، في حين يواجه آخرون صعوبات قانونية وإجرائية تحول دون قدرتهم على المطالبة بحقوقهم. واعتبرت أن هذه العوامل تجعل الحجم الحقيقي للتمييز أكبر مما يظهر في السجلات الرسمية.

انتقادات لضعف الدعم الحكومي

وأبدت رئيسة دائرة مكافحة التمييز استياءها من مستوى الدعم الذي تتلقاه المؤسسات المعنية بمكافحة العنصرية، معتبرة أن الموارد المالية والإدارية المتاحة لا تتناسب مع حجم التحديات القائمة، وأكدت أن استمرار ارتفاع عدد الشكاوى يتطلب تعزيز القدرات المؤسسية وتوفير أدوات أكثر فعالية لحماية الضحايا ومتابعة القضايا المطروحة.

كما شددت على ضرورة تطوير الأطر القانونية الحالية، ما يضمن تسهيل إجراءات التقاضي وتحسين فرص الوصول إلى العدالة بالنسبة للأشخاص الذين يتعرضون للتمييز في حياتهم اليومية.

دعوات لتحرك سياسي عاجل

من جانبها، أكدت إيفا أندراديس أن التمييز يمثل مشكلة حقيقية ومتجذرة داخل المجتمع الألماني، مشيرة إلى أن التعامل معها يتطلب إرادة سياسية واضحة وإجراءات عملية تتجاوز حدود التصريحات العامة.

ودعت أندراديس السياسيين وصناع القرار إلى اتخاذ خطوات أكثر صرامة في مواجهة جرائم الكراهية والسلوكيات العنصرية، مؤكدة أن الضحايا ومؤسسات الاستشارات المدنية يتحملون حالياً العبء الأكبر في التصدي لهذه الظاهرة دون الحصول على الدعم الكافي من الجهات الرسمية المختصة.

وأضافت أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تعميق مشاعر التهميش لدى الفئات المتضررة، ما يستدعي تحركاً سريعاً لتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة وترسيخ مبادئ المساواة وعدم التمييز.

تأسست دائرة مكافحة التمييز في ألمانيا عام 2006 بهدف تقديم الدعم القانوني والاستشاري للأشخاص الذين يتعرضون لمختلف أشكال التمييز، ومنها التمييز القائم على الأصل العرقي أو الدين أو الجنس أو الإعاقة أو العمر، وتعمل الدائرة على رصد الشكاوى وإعداد التقارير الدورية وتقديم التوصيات للحكومة والبرلمان، وخلال السنوات الأخيرة، شهدت ألمانيا نقاشات متزايدة حول قضايا العنصرية والاندماج الاجتماعي، خاصة في ظل التنوع السكاني المتنامي وتزايد أعداد المهاجرين واللاجئين، وتطالب منظمات حقوقية بصورة مستمرة بتوسيع صلاحيات مؤسسات مكافحة التمييز وتوفير موارد إضافية لها، ما يمكنها من التعامل مع الأعداد المتزايدة من الشكاوى وتعزيز حماية الفئات الأكثر عرضة للتمييز داخل المجتمع.