منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مناسبة للتذكر والمصالحة يومي 8 و 9 مايو

“أطلقوا حمامة السلام”.. الأمم المتحدة تحيي ذكرى ضحايا الحرب العالمية الثانية

09 مايو 2026

تحيي الجمعية العامة في الأمم المتحدة واحدة من أكثر صفحات التاريخ دموية، حيث خصصت يومي 8 و9 مايو وقتاً للتذكر والمصالحة إجلالاً لذكرى جميع ضحايا الحرب العالمية الثانية، في محاولة للحفاظ على ذاكرة الحرب بوصفها تحذيراً دائماً من كلفة النزاعات المسلحة على البشر.

وقد أعلنت الجمعية العامة، بموجب القرار 26/59 الصادر في 22 نوفمبر 2004، اعتبار يومي 8 و9 مايو مناسبة سنوية للتذكر والمصالحة، مع الدعوة إلى إحياء ذكرى جميع ضحايا الحرب العالمية الثانية، سواء عبر الدول الأعضاء أو مؤسسات منظومة الأمم المتحدة أو المنظمات غير الحكومية أو الأفراد.

ربطت الجمعية العامة بين هذه الذكرى وبين الظروف التاريخية التي قادت إلى إنشاء الأمم المتحدة، مؤكدة أن المنظمة الدولية أُنشئت أساساً لإنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب، ومنع تكرار المآسي التي شهدها العالم خلال النصف الأول من القرن العشرين.

دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة الدول الأعضاء إلى توحيد جهودها لمواجهة التهديدات والتحديات الجديدة، مع تأكيد ضرورة تسوية النزاعات بالوسائل السلمية ووفقاً لميثاق الأمم المتحدة، ما يحفظ السلام والأمن الدوليين.

استحضرت الأمم المتحدة نهاية الحرب العالمية الثانية بوصفها لحظة فاصلة في التاريخ الإنساني، إذ يبدأ إحياء الذكرى في الثامن من مايو، وهو اليوم الذي قبلت فيه القوات النازية الألمانية الاستسلام غير المشروط لقوات الحلفاء، إيذاناً بانتهاء الرايخ الثالث بقيادة أدولف هتلر.

أشارت الجمعية العامة في أكثر من قرار لاحق إلى أن الحرب العالمية الثانية لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كارثة إنسانية عالمية خلّفت أحزاناً “لا توصف للبشرية”، خصوصاً في أوروبا وآسيا وإفريقيا والمحيط الهادئ وأجزاء أخرى من العالم.

استعادت الأمم المتحدة، خلال إحياء الذكرى الخامسة والستين لانتهاء الحرب العالمية الثانية عام 2010، حجم الكلفة البشرية للحرب، عندما طلبت الجمعية العامة، بموجب القرار 257/64 الصادر في 2 مارس 2010، عقد جلسة رسمية استثنائية لإحياء ذكرى جميع الضحايا.

قال الأمين العام خلال الاحتفال إن الحرب العالمية الثانية كانت “واحدة من أكثر الصراعات ملحمية في التاريخ من أجل الحرية والتحرير”، مضيفاً أن تكلفتها “تجاوزت الحسابات”، بعدما قُتل 40 مليون مدني و20 مليون جندي، نصفهم تقريباً في الاتحاد السوفياتي وحده.

حوّلت الأمم المتحدة هذه الأرقام إلى جزء من الذاكرة العالمية الجماعية، باعتبارها تذكيراً دائماً بحجم الدمار الإنساني الذي يمكن أن تُنتجه الحروب، خصوصاً بحق المدنيين الذين دفعوا الثمن الأكبر.

شددت الجمعية العامة في القرار 69/267 على أن العالم حقق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تقدماً في تجاوز إرث الحرب، وتعزيز المصالحة والتعاون الدولي والإقليمي، إضافة إلى ترسيخ القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية.

ذاكرة الضحايا

ربطت الأمم المتحدة بين ذكرى الحرب العالمية الثانية وصعود منظومة حقوق الإنسان الدولية، باعتبار أن المآسي التي خلّفتها الحرب دفعت المجتمع الدولي إلى بناء أطر جديدة لحماية البشر من الإبادة الجماعية والعنف واسع النطاق والنزاعات المدمرة.

أكدت الجمعية العامة أن الأمم المتحدة لعبت دوراً محورياً في ترسيخ التعاون الدولي بعد الحرب، إلى جانب إنشاء منظمات إقليمية ودون إقليمية هدفت إلى منع تكرار الكارثة الإنسانية التي عاشها العالم.

وسعت المنظمة الدولية إلى تحويل الذكرى من مناسبة تاريخية إلى رسالة سياسية وإنسانية مستمرة، تقوم على فكرة أن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل التزام جماعي بحماية البشر من تكرار المآسي.

أطلقت الأمم المتحدة في هذه المناسبة شعار “أطلق سراح حمامة السلام”، في ربط مباشر بين استذكار الضحايا والدعوة إلى تعزيز ثقافة السلام والحلول السلمية للنزاعات.

أعادت الجمعية العامة التذكير، عبر قراراتها المختلفة، بأن الدول الأعضاء تحتفظ بحقها في اختيار أيام الاحتفال بالنصر أو التحرير وفقاً لتاريخها الوطني، لكنها دعت في الوقت ذاته إلى توحيد الجهود لإحياء ذكرى جميع الضحايا دون تمييز.

وسّعت المنظمة مفهوم التذكر ليشمل المدنيين والعسكريين وكل من تضرروا من الحرب، في محاولة لإبراز البعد الإنساني للحرب العالمية الثانية بعيداً عن السرديات العسكرية والسياسية التقليدية.

ربطت الأمم المتحدة بين المصالحة بعد الحرب وبين بناء عالم قائم على القانون الدولي والتعاون متعدد الأطراف، معتبرة أن تجاوز آثار الحرب لم يكن ممكناً دون إنشاء آليات دولية مشتركة.

من الحرب إلى السلام

دفعت أهوال الحرب العالمية الثانية المجتمع الدولي إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن العالمي، بعدما أظهرت الحرب أن غياب التعاون الدولي يمكن أن يقود إلى دمار واسع النطاق يتجاوز حدود الدول والقارات.

أبرزت الأمم المتحدة، عبر قراراتها الخاصة بالمناسبة، أن ملايين الضحايا الذين سقطوا خلال الحرب لا يمثلون مجرد أرقام في التاريخ، بل شهادة على فشل البشرية في منع العنف الجماعي قبل تأسيس النظام الدولي الحديث.

دعت المنظمة الدولية إلى استخدام الذكرى وسيلة لتعزيز التسامح والتفاهم والتعاون بين الشعوب، في مواجهة التهديدات الجديدة التي يشهدها العالم.

أهابت الجمعية العامة بالدول الأعضاء أن تبذل “كافة الجهود” لتسوية نزاعاتها بالوسائل السلمية، مع تأكيد أن أي نزاع يجب ألا يهدد السلام والأمن الدوليين.

استحضرت الأمم المتحدة، في كل مناسبة لإحياء الذكرى، العلاقة المباشرة بين حماية السلام العالمي وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، باعتبار أن الحروب الكبرى غالباً ما تبدأ بانتهاكات ممنهجة للحقوق والكرامة الإنسانية.

حوّلت المنظمة ذكرى الحرب العالمية الثانية إلى مناسبة عالمية للتأمل في كلفة النزاعات المسلحة، ليس فقط من منظور عسكري أو سياسي، بل من زاوية إنسانية ترتبط بحق البشر في الحياة والأمن والسلام.

واصلت الجمعية العامة تأكيد أن التقدم الذي تحقق بعد الحرب في مجالات المصالحة والتعاون وحقوق الإنسان لا ينبغي اعتباره أمراً مضموناً، بل مسؤولية جماعية تتطلب حماية مستمرة.

اختتمت الأمم المتحدة رسالتها السنوية بتأكيد أن إحياء ذكرى ضحايا الحرب العالمية الثانية ليس مجرد استدعاء للماضي، بل دعوة مفتوحة لحماية الأجيال المقبلة من تكرار واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية دموية في التاريخ الحديث.