كريستوفر إف. روفو – رايان ثورب – وجوناثان تشوي
كانت الساعة الثالثة فجراً في حي تندرلوين بمدينة سان فرانسيسكو، في حين أن حفلة مفتوحة على المخدرات كانت مستمرة منذ ساعات طويلة. الأرصفة مغطاة بالقمامة والفضلات البشرية، والمشهد يبدو أقرب إلى منطقة منكوبة منه إلى أحد أشهر أحياء الولايات المتحدة.
في الأزقة الضيقة يتجمع المدمنون، يستنشقون أبخرة الفنتانيل عبر أنابيب بلاستيكية، في حين يرقد آخرون على الأرض في حالة شبه غيبوبة. وعلى امتداد الشوارع تنتشر مخيمات المشردين المؤقتة تذكيراً يومياً بحجم الأزمة التي تعيشها المدينة.
أما تجار المخدرات فهم في كل مكان. عند زوايا الشوارع يقف رجال يرتدون ملابس داكنة وأقنعة تخفي وجوههم، يمارسون تجارة المخدرات علناً ودون خوف يذكر.
هؤلاء هم ما يُعرفون محلياً باسم “الهوندوس”، وهم مهاجرون من هندوراس باتوا يسيطرون على تجارة المخدرات في سان فرانسيسكو. ليلة بعد أخرى يحولون حي تندرلوين إلى سوق مفتوحة ومربحة للمخدرات.

أمضينا ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ في الحي، تحدثنا خلالها مع مدمنين وصحفيين ورجال شرطة وحتى مع بعض التجار أنفسهم.
وخرجنا بانطباع واضح: السياسات التقدمية التي تبنتها المدينة خلال السنوات الماضية سمحت لعصابات مخدرات أجنبية بالسيطرة على حي كامل في قلب سان فرانسيسكو، ونشرت السموم بين الفئات الأكثر هشاشة، وأعادت مشاهد ترتبط عادة بدول العالم النامي إلى واحدة من أغنى المدن الأمريكية.
في تندرلوين، يفرض “الهوندوس” نفوذهم بصورة شبه كاملة.
وفي عام 2022، بدا أن رئيسة بلدية سان فرانسيسكو السابقة، لندن بريد، تعترف بهذه الحقيقة عندما صرحت خلال مقابلة إذاعية بأن “الكثير” من تجار المخدرات في المدينة من أصول هندوراسية.
أثارت تصريحاتها موجة غضب واسعة من بعض النشطاء اللاتينيين، ووصفتها إحدى المنظمات المحلية بأنها تصريحات “عنصرية ومعادية للأجانب”، ما دفعها لاحقاً إلى تقديم اعتذار علني.
لكننا نعتقد أنها كانت محقة في توصيفها.

فالعصابات التي يديرها مهاجرون، معظمهم من هندوراس ويتلقون الإمدادات من كارتلات المخدرات المكسيكية، تدير بالفعل تجارة الفنتانيل في سان فرانسيسكو. وقد أشارت تقارير صحفية سابقة إلى أن الهندوراسيين باتوا يهيمنون على بيع هذه المادة في الأسواق المفتوحة داخل المدينة، كما خلصت دراسات قانونية إلى أن الغالبية الساحقة من صغار تجار الفنتانيل والميثامفيتامين الذين خضعوا للملاحقة القضائية كانوا رجالاً من هندوراس ليس لهم وضع قانوني داخل الولايات المتحدة.
السؤال الأهم هو: كيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة؟
من وجهة نظرنا، يعود ذلك إلى سنوات من السياسات التي منحت الأولوية لقوانين “المدن الملاذ”، التي تجعل الترحيل أكثر صعوبة، وإلى التخفيف المستمر من إجراءات مكافحة المخدرات وتقليص عمليات توقيف التجار والمتعاطين، إضافة إلى تبني سياسة “السكن أولاً” التي جعلت إزالة مخيمات المشردين أو إلزام المدمنين بالعلاج أمراً شديد التعقيد.
هذه الأزمة لم تظهر من فراغ، بل كانت نتيجة متوقعة لسلسلة من القرارات السياسية المتعمدة.
وبعد حصولنا على وثائق رسمية من شرطة سان فرانسيسكو، تبين أن الضباط لا يُسمح لهم بالاستفسار عن الوضع القانوني للهجرة لدى الأفراد، كما لا يمكنهم مطالبة الأشخاص بإبراز وثائق تثبت وضعهم القانوني. وفي كثير من الحالات يُمنع عناصر الشرطة من التعاون مع سلطات الهجرة الفيدرالية أو الاستجابة لطلبات احتجاز المهاجرين غير النظاميين.
وفي الوقت نفسه، جرى مراراً إطلاق سراح مهاجرين غير نظاميين تمت ملاحقتهم قضائياً بتهم تتعلق بتجارة المخدرات، ليعودوا مجدداً إلى شوارع المدينة.
وكانت النتيجة، كما نراها، متوقعة. فالثقافة المتساهلة مع المخدرات، إلى جانب التسامح مع من يبيعون هذه المواد بصورة غير قانونية، أسهم في انفجار أعداد الوفيات الناتجة عن الجرعات الزائدة.
ففي عام 2023 تجاوز معدل الوفيات الناتجة عن الجرعات الزائدة في سان فرانسيسكو أكثر من ضعف المعدل الوطني الأمريكي. وخلال الفترة بين 2020 و2025 توفي أكثر من أربعة آلاف شخص بسبب الجرعات المفرطة، وتركزت نسبة كبيرة من هذه الوفيات في حي تندرلوين.
ومع تفاقم الأزمة، أعلنت رئيسة البلدية السابقة لندن بريد حالة الطوارئ وطلبت دعماً من الحكومة الفيدرالية.
وفي أغسطس 2023 أُطلقت مبادرة “الجميع على السطح”، وهي شراكة بين السلطات الفيدرالية والولائية والمحلية تهدف إلى مكافحة تجارة الفنتانيل. وشملت المبادرة ملاحقة تجار الشوارع في تندرلوين عبر القضاء الفيدرالي، مع اعتماد إجراءات قضائية سريعة تتيح تخفيف العقوبات مقابل الاعتراف المبكر بالتهم.
وكانت الفكرة الأساسية أن يؤدي ذلك إلى تجاوز القيود التي تفرضها قوانين المدينة الملاذ، بما يسمح بترحيل المجرمين غير النظاميين بسرعة كبرى.
لكن الواقع، في تقديرنا، لا يدعو إلى التفاؤل الكبير. فبعض المؤشرات توحي بأن الشبكات الإجرامية الهندوراسية تنظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها مجرد عقبة مؤقتة أو حتى بطاقة خروج سهلة من السجن، وليست تهديداً حقيقياً لاستمرار أعمالها.
عندما خاض دانيال لوري انتخابات رئاسة البلدية عام 2024، تعهد بإعادة النظام إلى مدينة أصبحت رمزاً عالمياً للفوضى والتراجع الحضري.
ومنذ توليه المنصب مطلع عام 2025، اتخذ خطوات أكثر صرامة في مجال إنفاذ القانون، وسعى إلى تقليص مظاهر التشرد العلنية وتعزيز التعاون بين السلطات المحلية والفيدرالية.
لكننا نرى أن هذه الإصلاحات، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية.
فإذا كانت المدينة جادة في استعادة السيطرة على شوارعها، فعليها إعادة النظر في سياسات المدينة الملاذ التي وفرت، من وجهة نظرنا، بيئة سمحت لعصابات المخدرات الأجنبية بالعمل دون رادع حقيقي.
وطالما بقيت سان فرانسيسكو مكاناً يمكن فيه بيع الفنتانيل مع الحد الأدنى من العواقب القانونية، فإن أسواق المخدرات المفتوحة في تندرلوين ستستمر، وسيستمر معها البؤس الإنساني الذي نشهده يومياً في شوارع الحي.
وبعد نشر هذه الآراء، أوضح متحدث باسم مكتب رئيس البلدية دانيال لوري أن عدد المشردين الذين يعيشون في الشوارع انخفض إلى أدنى مستوى له منذ خمسة عشر عاماً، وأن شهر أبريل الماضي سجل أقل عدد من وفيات الجرعات الزائدة منذ بدء تتبع هذه البيانات عام 2020.
نقلاً عن نيويورك بوست