منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أزمة تمويل حادة.. تسريحات في مفوضية شؤون اللاجئين تهدد الاستجابة لملايين النازحين

26 مايو 2026
تراجع التمويل يفاقم أزمات اللاجئين والنازحين
تراجع التمويل يفاقم أزمات اللاجئين والنازحين

تواجه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واحدة من أشد أزماتها المالية خلال السنوات الأخيرة، في وقت يتواصل فيه ارتفاع أعداد الفارين من الحروب والاضطهاد والكوارث؛ فبينما تتسع الاحتياجات في أوكرانيا والسودان وأفغانستان والشرق الأوسط ودول أخرى، حذّر المفوض السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح من أن الوكالة الأممية ستضطر إلى اتخاذ إجراءات عاجلة، تشمل تسريح مزيد من الموظفين وإعادة هيكلة داخلية، بسبب تراجع التمويل والمساعدات الخارجية.

وبحسب رسالة اطلعت عليها وكالة رويترز، أبلغ صالح الدول الأعضاء بأن المفوضية “ليس لديها خيار”، في ظل توقعات بأن تكون الأموال المتاحة هذا العام أقل بنحو 15% مقارنة بعام 2025، لتصل إلى ما يزيد قليلًا على 3 مليارات دولار فقط.

ويأتي ذلك بعد عام شهد أصلًا تراجعًا كبيرًا في التمويل، إذ انخفضت الموارد المتاحة للمفوضية في 2025 بنحو 30% مقارنة بعام 2024، بعد خفض الولايات المتحدة ومانحين آخرين مساهماتهم، وتحويل جزء من الموارد الدولية نحو الإنفاق الدفاعي.

تمويل يتراجع واحتياجات تتصاعد

تعتمد المفوضية إلى حد كبير على التبرعات الطوعية من الحكومات والقطاع الخاص، ما يجعل عملياتها عرضة بشدة لتقلبات أولويات المانحين، ومع تراجع التمويل، تجد الوكالة نفسها أمام معادلة صعبة: عدد متزايد من اللاجئين والنازحين يحتاجون إلى الحماية والمأوى والمساعدات النقدية والتعليم والرعاية الصحية، في مقابل موارد أقل وقيود أكبر على كيفية إنفاقها.

وتشير بيانات المفوضية إلى أن عدد الأشخاص النازحين قسرًا حول العالم ظل عند مستويات تاريخية، إذ كان 117.3 مليون شخص لا يزالون نازحين قسرًا حتى نهاية يونيو 2025 بسبب الاضطهاد والنزاعات والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان.

كما أظهر تقرير الاتجاهات العالمية للمفوضية أن عدد النازحين قسرًا بلغ 123.2 مليون شخص في نهاية 2024، وهو ما يعكس استمرار ضخامة الأزمة حتى قبل موجات النزوح الأحدث في عدد من مناطق النزاع.

تسريحات داخل المفوضية

قال برهم صالح، في رسالته، إن الوضع المالي المتوقع لعام 2026 يتطلب “خطوات عاجلة”، خصوصًا مع وجود خلل كبير بين عدد الموظفين الدوليين المتعاقدين وعدد الوظائف المتاحة فعليًا داخل المنظمة.

وبحسب الرسالة، يوجد لدى المفوضية نحو 3000 موظف دولي مقابل 1800 وظيفة فقط، ما يعني أن مئات الموظفين لا يشغلون مناصب فعلية رغم استمرار دفع رواتبهم. وقال صالح إن المفوضية ستضطر، “للأسف”، إلى إنهاء عقود الموظفين الذين لم يتمكنوا من الحصول على وظائف بحلول نهاية سبتمبر 2026.

وتقدر المفوضية أن استمرار هذا الخلل في التوزيع الوظيفي سيكبد المنظمة نحو 185 مليون دولار خلال الفترة بين 2026 و2028، وهو عبء تراه غير قابل للاستمرار ماليًا أو تشغيليًا في ظل الأزمة الحالية.

آلاف الوظائف أُلغيت سابقًا

ليست هذه الموجة الأولى من التخفيضات؛ فقد أعلنت المفوضية سابقًا إلغاء آلاف الوظائف، وخفضت عدد الوظائف المخصصة للموظفين الدوليين بنسبة 33% خلال العام الماضي.

وذكرت وكالة رويترز، أن المفوضية كانت قد شرعت بالفعل في خفض كبير للوظائف خلال 2025، في إطار محاولة لاحتواء تراجع التمويل.

وكان المفوض السامي السابق فيليبو غراندي قد حذّر في أكتوبر 2025 من أن فجوة التمويل قد تدفع إلى تخفيضات أعمق في مساعدات اللاجئين، مشيرًا إلى أن أزمة التمويل أدت بالفعل إلى فقدان نحو 5000 موظف في المفوضية وظائفهم وتقليص برامج إنسانية عدة.

أثر مباشر على النازحين

حذّرت المفوضية في بيانها من أنها “لا تزال تشعر بقلق بالغ” إزاء اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد، وما سيترتب على ذلك من تأثير شديد في ملايين النازحين بسبب الحرب والاضطهاد، وهذا يعني أن الأزمة لن تبقى إدارية داخل المنظمة، بل ستنعكس على الخدمات المقدمة للأشخاص الأكثر هشاشة.

فالتمويل الأقل قد يؤدي إلى خفض المساعدات النقدية، وتقليص برامج الحماية، وإبطاء عمليات التسجيل وإعادة التوطين، وتقليل دعم التعليم والصحة والمأوى.

وفي بعض الحالات، قد تضطر المفوضية إلى إعطاء الأولوية للحالات الأشد خطورة فقط، ما يترك قطاعات واسعة من اللاجئين والنازحين دون دعم كافٍ.

وتوضح المفوضية في النداء العالمي لعام 2026 أن استجابتها تستهدف حماية ومساعدة وتمكين أعداد قياسية من النازحين قسرًا وعديمي الجنسية، ومساعدتهم في الوصول إلى حلول أكثر استدامة.

التمويل المشروط يفاقم الأزمة

لم يقتصر تحذير برهم صالح على انخفاض التمويل فقط، بل شمل أيضًا طبيعة هذا التمويل؛ فقد أوضح أن الأزمة تفاقمت بسبب زيادة حصة التبرعات المشروطة أو المخصصة لأغراض محددة، بما يقلل من مرونة المفوضية في توجيه الموارد حسب الأولويات الطارئة.

وبحسب الرسالة، ارتفعت نسبة التمويل المشروط من 24% من الدخل عام 2024 إلى 44% عام 2025، ومن المتوقع أن تتجاوز 50% في عام 2026، وهذا يعني أن أكثر من نصف الموارد قد يكون مقيدًا ببرامج أو مناطق أو أنشطة محددة، حتى لو ظهرت أزمات عاجلة في أماكن أخرى.

ودعا صالح الدول المانحة إلى توفير تمويل أكثر مرونة، لأن المرونة المالية تتيح للمفوضية الاستجابة بسرعة للأزمات غير المتوقعة، وتغطية الفجوات في القطاعات الأقل جذبًا للتمويل، مثل الحماية القانونية والدعم النفسي والخدمات الأساسية في المناطق المنسية.

تعهدات مبكرة لا تكفي

رغم أن المانحين تعهدوا بأكثر من 1.161 مليار دولار لدعم عمليات المفوضية في 2026 خلال مؤتمر التعهدات الذي عُقد في ديسمبر 2025، فإن المفوضية حذّرت في ذلك الوقت من أن فجوات التمويل الآخذة في الاتساع تترك ملايين الأشخاص عرضة للخطر.

وتعكس هذه الفجوة خللًا أوسع في النظام الإنساني العالمي، حيث تتزايد الأزمات بوتيرة أسرع من قدرة المانحين على التمويل، فيما تؤدي التوترات الجيوسياسية والإنفاق العسكري والضغوط الاقتصادية الداخلية في الدول الغنية إلى تقليص المساعدات الخارجية.

لا تعاني المفوضية وحدها من خفض التمويل؛ فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها ستقلص عدد موظفيها بنحو الربع، أي أكثر من 2000 وظيفة، بحلول منتصف 2026 بعد انسحاب الولايات المتحدة، أكبر مانحيها.

غير أن مدير عام المنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس قال لاحقًا إن الوضع المالي بدأ يستقر، وأبلغ الدول الأعضاء بأنه تم تأمين تمويل نحو 90% من ميزانية المنظمة للسنتين المقبلتين، بحسب ما ورد في المادة التي نقلتها رويترز.

كما اضطرت وكالات أممية أخرى إلى تقليص نداءاتها أو برامجها بسبب تراجع الدعم الغربي، ففي نهاية 2025، أعلنت الأمم المتحدة خفض نداء مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2026 إلى 33 مليار دولار بدلًا من 47 مليارًا في 2025، بسبب انخفاض دعم المانحين، وهو ما يعني أن ملايين الأشخاص قد لا تصلهم المساعدات.

وتقول وكالة أسوشيتد برس، استنادًا إلى تقرير الاتجاهات العالمية للمفوضية، إن أكثر من 122 مليون شخص كانوا نازحين قسرًا حول العالم نتيجة الحرب والعنف والاضطهاد، وإن السودان تحول إلى أكبر أزمة نزوح في العالم بأكثر من 14 مليون نازح، متقدمًا على سوريا.

البعد الحقوقي للأزمة

تراجع تمويل المفوضية ليس مسألة إدارية أو مالية فقط، بل قضية حقوقية تمس الحق في الحماية، واللجوء، والسكن، والتعليم، والصحة، وعدم الإعادة القسرية.

وعندما تتقلص قدرات المفوضية، تتأثر قدرة اللاجئين على التسجيل والحصول على وثائق، وتتعطل آليات الحماية من الاستغلال والعنف، وتضعف خدمات المساعدة القانونية، وقد تزيد مخاطر العودة القسرية أو الترحيل.

كما أن خفض المساعدات النقدية والغذائية قد يدفع الأسر النازحة إلى استراتيجيات بقاء خطرة، مثل عمالة الأطفال، والزواج المبكر، والاقتراض القسري، والعيش في مساكن غير آمنة، أو العودة إلى مناطق لا تزال غير مستقرة.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية