منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وسط تحذيرات أممية.. تراجع النزوح العالمي لأول مرة منذ عقد

11 يونيو 2026
النزوح في الصومال هربا من الصراع والجفاف
النزوح في الصومال هربا من الصراع والجفاف

قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن عدد النازحين قسرا بسبب النزاعات والاضطهاد تراجع في عام 2025 للمرة الأولى منذ عشر سنوات، لكن أعداد اللاجئين العالقين في نزوح طويل الأمد لا تزال مرتفعة بشكل غير مقبول، وسط تحذيرات من صعوبة أوضاع العائدين واستمرار أزمات جديدة في الشرق الأوسط.

وأعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أعداد النازحين قسرا حول العالم تراجعت في عام 2025 للمرة الأولى منذ عقد، في تطور وصفته بأنه إيجابي، لكنه لا يُخفي استمرار أزمة اللجوء طويلة الأمد وغياب الحلول المستدامة لملايين الأشخاص.

ووفق تقرير الاتجاهات العالمية الصادر عن المفوضية، بلغ عدد اللاجئين والأشخاص الذين يعيشون في أوضاع شبيهة بأوضاع اللاجئين 41.6 مليون شخص بنهاية عام 2025، بينهم نحو 6 ملايين لاجئ فلسطيني، كما تراجع العدد الإجمالي للاجئين عالميا بنسبة 3% مقارنة بنهاية عام 2024.

نزوح وعودة واسعة

قالت المفوضية إن عام 2025 شهد عودة نحو 14.7 مليون لاجئ ونازح داخليا إلى ديارهم، بزيادة بلغت 50% على العام السابق، وهو ثاني أعلى رقم مسجل منذ عام 1965.

وتركزت معظم حالات العودة في ست دول هي جمهورية الكونغو الديمقراطية، والسودان، وسوريا، وأفغانستان، وأوكرانيا، وميانمار.

ورغم أهمية هذه العودة في خفض الأرقام الإجمالية للنزوح، حذّرت المفوضية من أن كثيرا من العائدين رجعوا إلى ظروف صعبة، تشمل محدودية الخدمات الأساسية، ودمار البنية التحتية، واستمرار انعدام الأمن، ما يثير تساؤلات بشأن سلامة العودة واستدامتها.

عودة الأفغان

سجلت أفغانستان واحدة من أكبر موجات العودة خلال عام 2025، إذ عاد نحو 2.9 مليون أفغاني إلى بلادهم، بينهم 1.9 مليون لاجئ، وهو رقم يزيد خمسة أضعاف على العام السابق، مدفوعا بشكل رئيسي بسياسات أكثر صرامة في إيران وباكستان.

وأدى هذا الارتفاع الحاد إلى انخفاض عدد اللاجئين الأفغان عالميًا من 5.8 مليون في عام 2024 إلى 3.7 مليون في عام 2025.

غير أن المفوضية أشارت إلى أن كثيرا من العائدين قالوا إن خياراتهم كانت محدودة، ما يجعل هذه العودة مرتبطة بضغوط سياسية ومعيشية أكثر من كونها عودة مستقرة بالكامل.

سوريا بعد العودة

شهدت سوريا بدورها عودة نحو 1.3 مليون شخص في عام 2025، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف العدد المسجل في العام السابق، بعد سقوط حكومة بشار الأسد في ديسمبر 2024.

وأسهم ذلك في انخفاض عدد اللاجئين السوريين عالميًا من 6 ملايين إلى 4.9 مليون بنهاية عام 2025.

لكن تقرير المفوضية أكد أن كثيرين من العائدين إلى سوريا يواجهون تحديات كبيرة، من بينها انعدام الأمن، والدمار الواسع، والظروف الاقتصادية الضعيفة، ومحدودية الخدمات وفرص العمل، واستمرار العنف المتقطع في أجزاء من البلاد.

نزوح طويل الأمد

رغم انخفاض أعداد اللاجئين في عام 2025، شددت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على أن أزمة النزوح طويل الأمد لا تزال عميقة.

ويعيش 70% من اللاجئين خارج بلدانهم لمدة خمس سنوات أو أكثر، غالبا في دول مثل لبنان والأردن وتركيا وإيران.

وقال المفوض السامي لشؤون اللاجئين، برهم صالح، إن اللجوء والحماية “منقذان للحياة ولا مجال للنقاش فيهما”، لكنه شدد على أنه لا يمكن قبول مستقبل يبقى فيه ملايين اللاجئين عالقين لسنوات أو عقود دون آفاق واقعية لإعادة بناء حياتهم.

مبادرة حتى 2035

تسعى المفوضية إلى خفض عدد اللاجئين وغيرهم ممن يعانون نزوحا مطولا ويحتاجون إلى مساعدات إنسانية إلى النصف بحلول عام 2035، عبر دعم فرص العمل والتعليم، خصوصا في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل التي تستضيف معظم اللاجئين.

وتشمل المبادرة تشجيع العودة الطوعية عندما تكون آمنة وكريمة، إلى جانب تمكين اللاجئين من الحصول على التعليم والعمل في البلدان المضيفة، بما يقلل اعتمادهم على المساعدات الإنسانية ويفتح أمامهم مسارات أكثر استقرارا.

وأشار تقرير المفوضية إلى أن أزمات الشرق الأوسط بدأت تحدد بالفعل اتجاهات النزوح العالمية في عام 2026.

ونزح نحو 3.2 مليون شخص مؤقتا داخل إيران منذ الضربات الأمريكية الإسرائيلية في نهاية فبراير، كما أُجبر نحو مليون شخص على مغادرة منازلهم في لبنان منذ بدء الحرب هناك في 2 مارس تحت وطأة الضربات الإسرائيلية وإنذارات الإخلاء.

وتظهر هذه التطورات أن التراجع المسجل في عام 2025 قد يظل هشًّا إذا استمرت النزاعات الجديدة في إنتاج موجات نزوح واسعة، خصوصًا في مناطق تعاني أصلا من ضغوط إنسانية واقتصادية كبيرة.

تحدي الحلول

تؤكد المفوضية أن انخفاض أعداد النازحين لا يعني انتهاء الأزمة، لأن العودة لا تكون حلا دائما إلا إذا توافرت شروط الأمن، والخدمات، وفرص العيش، وإعادة الإدماج.

ويكشف التقرير أن العالم يقف أمام معادلة معقدة؛ أرقام النزوح قد تنخفض، لكن ملايين اللاجئين لا يزالون عالقين في أوضاع ممتدة، بلا عمل مستقر، أو تعليم كافٍ، أو فرصة حقيقية لبناء مستقبل آمن.

وترى المفوضية أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على الحلول طويلة الأمد، لا على إدارة الطوارئ فقط، حتى لا يتحول اللجوء من حماية مؤقتة إلى انتظار مفتوح يمتد لسنوات أو عقود.