منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أساطيل المساعدات.. هل تنجح صرخات الإنسانية في فك الحصار عن غزة؟

11 سبتمبر 2025

بينما يواصل المجتمع الدولي تقاعسه عن اتخاذ خطوات عملية لوقف الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، تبرز مبادرات مدنية عالمية عبر أساطيل إنسانية تحاول كسر الحصار البحري والبري المفروض على القطاع منذ سنوات، ولا تقتصر هذه الأساطيل، التي تضم نشطاء من شمال إفريقيا ودول الخليج وأوروبا وآسيا، على إيصال الغذاء والدواء والوقود فحسب، بل تمثل أيضاً شكلاً من أشكال المقاومة السلمية، ورسالة سياسية مفادها أن استمرار خنق أكثر من مليوني إنسان لم يعد مقبولاً.

أحدث هذه المبادرات وفق ما أوردته “هيومن رايتس ووتش”، اليوم الخميس، كان “أسطول الصمود العالمي” الذي انطلق في سبتمبر الجاري متحدياً المخاطر والتهديدات، غير أن القارب “فاميلي” التابع للأسطول تعرض لانفجار في المياه التونسية.

وقال المنظمون إن طائرة مسيّرة أسقطت جسماً أدى إلى اندلاع حريق على متنه، وبعد ساعات فقط تكرر الهجوم، ما أثار مخاوف من أن عمليات استهداف متعمد تهدد حياة المدنيين المشاركين في هذه الرحلات السلمية.

حصار وكارثة إنسانية

الواقع الإنساني في غزة يزداد سوءاً مع كل يوم يمر، فحسب بيانات منظمات الإغاثة، فإن 83 في المئة من المواد الغذائية الأساسية لم تصل إلى القطاع منذ مطلع العام، في حين تكدست مئات الشاحنات على المعابر بانتظار موافقة السلطات الإسرائيلية، والوضع لا يقتصر على الغذاء، إذ يمتد إلى نقص حاد في الأدوية، وتوقف معظم المستشفيات عن العمل بكامل طاقتها، وانقطاع الكهرباء والمياه في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية.

تقارير الأمم المتحدة تفيد بأن معظم سكان غزة نزحوا قسراً مرة واحدة على الأقل منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، ومع استمرار القصف الإسرائيلي واستهداف الأحياء السكنية، يعيش المدنيون تحت تهديد دائم، بلا غذاء كافٍ أو مياه صالحة للشرب، في ظروف وُصفت بأنها “أرض خصبة للمجاعة والأوبئة”.

القانون الدولي الإنساني واضح في هذا السياق، حيث تنص اتفاقيات جنيف على حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إليهم دون عوائق، كذلك أصدرت محكمة العدل الدولية أوامر متكررة لإسرائيل بضرورة السماح بتدفق الإمدادات الحيوية فوراً، وحذرت من أن الظروف القائمة قد ترقى إلى جريمة إبادة جماعية.

منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، إضافة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، عدّت الحصار الجماعي المفروض على قطاع غزة عقاباً جماعياً غير قانوني، وهذه المؤسسات طالبت مراراً بفتح ممرات إنسانية آمنة، وحماية العاملين في مجال الإغاثة، وضمان عدم استهداف قوافل المساعدات أو الأساطيل المدنية.

أمل في وجه الإحباط

على الرغم من المخاطر، فإن الأساطيل الإنسانية تجدد الأمل لسكان غزة، هي مبادرات صغيرة إذا قورنت بالاحتياجات الضخمة، لكنها تحمل رسائل رمزية قوية بأن العالم لم ينس غزة، وأن التضامن الشعبي قادر على كسر جدار الصمت، إلا أن هذه المبادرات لا يمكن أن تكون بديلاً عن واجب الحكومات والمنظمات الدولية في الضغط السياسي والاقتصادي لرفع الحصار بشكل كامل.

حادثة الهجوم على “مافي مرمرة” عام 2010، التي أسفرت عن مقتل تسعة نشطاء على يد القوات الإسرائيلية، ما زالت حاضرة في الذاكرة الجماعية، واليوم، تتكرر التهديدات نفسها، مع وصف وزير الأمن القومي الإسرائيلي للمشاركين في الأساطيل بأنهم “إرهابيون”، في محاولة لنزع الشرعية عن حركات تضامن سلمية.

النتائج المترتبة على استمرار الحصار الإسرائيلي تتجاوز حدود الأزمة الإنسانية المباشرة، فالأطفال محرومون من التعليم في ظل إغلاق المدارس أو تدميرها، والأسر تتنقل بلا استقرار بسبب القصف والنزوح المتكرر، النساء الحوامل والأطفال الرضع يواجهون خطراً مضاعفاً نتيجة نقص الرعاية الصحية، أما الاقتصاد المحلي، فقد انهار تماماً مع توقف حركة الاستيراد والتصدير وغياب فرص العمل.

تقرير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) يؤكد أن مراكزها الصحية والتعليمية تكاد لا تعمل، معظمها تضرر أو خرج من الخدمة، في حين تُدار بعض العيادات بشكل متنقل لإيصال الحد الأدنى من المساعدات إلى السكان.

الحاجة إلى تحرك دولي

وبحسب المنظمات الحقوقية فإن رفع الحصار عن غزة بات ضرورة إنسانية عاجلة لا تحتمل التأجيل، فالمطلوب ليس مجرد السماح بدخول قوافل مساعدات محدودة، بل فتح المعابر بشكل دائم، وضمان تدفق الغذاء والدواء والوقود بلا عوائق، كما يجب أن تترافق هذه الخطوات مع توفير حماية دولية للعاملين في مجال الإغاثة، ومساءلة كل من يعرقل وصول المساعدات أو يستهدف المدنيين.

الأساطيل الإنسانية تكشف حجم الأزمة وتعيدها إلى الواجهة العالمية، لكنها لن تكسر الحصار وحدها، الكرة اليوم في ملعب المجتمع الدولي الذي يُفترض أن يتحرك بما ينسجم مع القوانين الدولية والواجبات الإنسانية.

إن استمرار الحصار الإسرائيلي على غزة يحوّل الحياة اليومية لملايين البشر إلى معاناة لا تطاق، الأطفال يموتون من الجوع، المستشفيات تنهار، والناجون يعيشون في خوف دائم من الغارات والنزوح. أمام هذه الصورة القاتمة تصبح أساطيل المساعدات رموزاً مضيئة في بحر مظلم، ورسائل أمل وسط الصمت العالمي، غير أن الرسالة الأهم تتمثل في أن رفع الحصار ليس مطلباً سياسياً، بل واجب أخلاقي وإنساني وقانوني لا يمكن التهرب منه.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية