منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بينهم نساء وأطفال.. مخلّفات الحرب في سوريا تقتل 873 مدنياً منذ ديسمبر 2024

08 يونيو 2026
مخلفات الحرب تواصل حصد أرواح الأبرياء في سوريا
مخلفات الحرب تواصل حصد أرواح الأبرياء في سوريا

رغم تراجع المعارك الواسعة بعد سقوط النظام السوري السابق، لم تنتهِ الحرب بالنسبة لكثير من المدنيين.. ففي القرى والحقول والطرقات ومحيط المنازل المدمرة، لا تزال الألغام والذخائر غير المنفجرة حاضرة كخطر صامت يلاحق العائدين إلى مناطقهم، ويحوّل محاولة استعادة الحياة الطبيعية إلى مغامرة قد تنتهي بالموت أو الإصابة أو الإعاقة الدائمة.

تكشف الحصيلة التي وثقها المرصد السوري لحقوق الإنسان حجم المأساة التي خلفتها سنوات الحرب. فالأجسام المتفجرة المنتشرة في مساحات واسعة من البلاد لا تميز بين مقاتل ومدني، ولا بين رجل يبحث عن رزقه وطفل يلهو قرب منزله وامرأة تحاول الوصول إلى أرضها أو بيتها.. وفي كل انفجار جديد، تتجدد الحرب بأبشع صورها داخل حياة أسر ظنت أن الخطر انتهى بانتهاء المعارك.

ومع عودة آلاف السوريين إلى مناطقهم، تظهر مخلفات الحرب كأحد أكبر العوائق أمام الاستقرار، فالأرض التي يفترض أن تكون مصدر أمان أو رزق، قد تخفي لغما أو قذيفة لم تنفجر. والبيت الذي يسعى أصحابه إلى ترميمه قد يكون محاطا بأجسام متفجرة تركتها سنوات القتال.

ولا تقتصر خطورة هذه المخلفات على القتل المباشر، بل تمتد إلى تعطيل الزراعة، ومنع الوصول إلى الأراضي، وإعاقة عودة المدارس والخدمات والأسواق، فالخوف من الألغام يجعل كثيرين عاجزين عن استثمار ممتلكاتهم أو التحرك بحرية داخل مناطقهم، ما يطيل أمد النزوح والفقر والاعتماد على المساعدات.

حصيلة ثقيلة لمخلفات الحرب

وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 873 مدنيا، بينهم 544 رجلا و275 طفلا و54 امرأة، منذ سقوط النظام السابق في 8 ديسمبر 2024 وحتى الآن، نتيجة انفجار أجسام من مخلفات الحرب.

وخلال الفترة الممتدة من سقوط النظام في ديسمبر 2024 وحتى نهاية العام نفسه، قُتل 80 مدنيا، بينهم 62 رجلا و12 طفلا و6 نساء، جراء انفجار الألغام والذخائر غير المنفجرة في مناطق متفرقة من البلاد.

وفي عام 2025، ارتفعت الحصيلة إلى 599 مدنيا، بينهم 366 رجلا و192 طفلا و41 امرأة، في مؤشر واضح على اتساع نطاق الخطر واستمرار سقوط الضحايا رغم توقف المعارك في العديد من المناطق.

أما خلال عام 2026 وحتى الآن، فقد وثّق المرصد مقتل 194 مدنيا جراء انفجار مخلفات الحرب، بينهم 116 رجلا و71 طفلا و7 نساء.

الأطفال في مواجهة مخلفات الحرب

تكشف الأرقام أن الأطفال يدفعون ثمنا باهظا لمخلفات الحرب. فقد قُتل 275 طفلا منذ ديسمبر 2024، وهو رقم يعكس هشاشتهم الخاصة أمام الأجسام المتفجرة.

وغالبا ما يكون الأطفال أكثر عرضة للخطر بسبب الفضول أو اللعب أو عدم القدرة على تمييز الأجسام القاتلة، فقذيفة صغيرة أو جسم معدني غريب قد يبدو بالنسبة لطفل لعبة أو قطعة خردة، لكنه في الحقيقة فخ قاتل تركته الحرب خلفها.

ولا تتوقف المأساة عند من يفقدون حياتهم؛ فالناجون من انفجارات الألغام قد يواجهون بتر أطراف، وإعاقات دائمة، وصدمات نفسية عميقة، في بلد أنهكته الحرب وتراجعت فيه قدرة القطاع الصحي على تقديم العلاج الطويل وإعادة التأهيل والدعم النفسي.

أثر يتجاوز الضحايا

كل انفجار لا يقتل فردا فقط، بل يضرب أسرة كاملة، فالضحية قد يكون المعيل الوحيد، أو طفلا كان يستعد للعودة إلى المدرسة، أو مزارعا يحاول إنقاذ موسم زراعي.

وبعد الانفجار، تبدأ معاناة أخرى مع العلاج، وفقدان الدخل، والخوف، والصدمة، وتغير مسار الحياة بالكامل.

وتؤثر مخلفات الحرب في المجتمعات المحلية اقتصاديا واجتماعيا. فالحقول الملوثة تعني تراجعا في الإنتاج الزراعي، والطرق غير الآمنة تعني صعوبة التنقل، والمنازل المحاطة بالخطر تعني عودة مؤجلة أو نزوحا ممتدا.. وهكذا تستمر الحرب في تعطيل التعافي حتى بعد توقف إطلاق النار.

وشدد المرصد السوري لحقوق الإنسان على ضرورة توسيع برامج إزالة الألغام وتسريع عمليات المسح والتطهير، إلى جانب تعزيز حملات التوعية المجتمعية بمخاطر هذه الأجسام، خصوصا بين الأطفال وسكان المناطق الريفية.

وتحتاج سوريا إلى خطط وطنية ودولية شاملة للتعامل مع إرث المتفجرات، تبدأ بتحديد المناطق الملوثة، ووضع إشارات تحذيرية واضحة، وتدريب المجتمعات المحلية على تجنب المخاطر، وتوفير الدعم الطبي والنفسي والمادي للضحايا والناجين.

كما أن حماية المدنيين لا تتحقق فقط بإزالة الخطر من الأرض، بل أيضا بتوثيق الضحايا والانتهاكات المرتبطة بمخلفات الحرب، وضمان عدم إهمال حقوق المتضررين في العلاج والتعويض وإعادة التأهيل.

حرب لا تزال كامنة

تكشف أرقام الضحايا أن مخلفات الحرب في سوريا لم تعد مجرد أثر جانبي للنزاع، بل أزمة إنسانية قائمة بذاتها، فالمعركة التي توقفت فوق الأرض لا تزال مستمرة تحتها، كامنة في لغم أو قذيفة أو جسم غير منفجر ينتظر خطوة عابرة.

وبين عائد يبحث عن بيته، وطفل يلعب قرب أنقاض الحرب، ومزارع يحاول الوصول إلى أرضه، يبقى الخطر مفتوحا ما لم تتحول إزالة الألغام إلى أولوية إنسانية عاجلة.

فالسوريون الذين نجوا من سنوات القصف والنزوح لا ينبغي أن يظلوا رهائن لموت مؤجل تركته الحرب في طرقاتهم وحقولهم ومنازلهم، فالأمان الحقيقي لا يبدأ فقط بانتهاء المعارك، بل بإزالة ما خلّفته من أدوات قتل صامتة، وبمنح المدنيين فرصة العودة إلى حياة لا يخافون فيها من الأرض التي يقفون عليها.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية