منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق في الترجمة أمام القضاء.. اللغة بوابة الوصول إلى العدالة

10 يونيو 2026
الترجمة القضائية أصبحت إحدى الركائز الأساسية لضمان الحق في الدفاع والمساواة
الترجمة القضائية أصبحت إحدى الركائز الأساسية لضمان الحق في الدفاع والمساواة

يقوم الحق في المحاكمة العادلة على مجموعة من الضمانات التي تكفل للمتقاضين فهم الإجراءات القانونية والمشاركة فيها بصورة فعلية، غير أن هذه الضمانات قد تفقد جزءا من معناها عندما يجد شخص نفسه أمام محكمة لا يفهم اللغة المستخدمة فيها، أو يعجز عن التعبير عن أقواله بدقة أثناء التحقيق أو المحاكمة.

وفي عالم يشهد تزايدا مستمرا في حركة الهجرة واللجوء والتنقل عبر الحدود، لم تعد الترجمة القضائية مجرد خدمة مساندة داخل المحاكم، بل أصبحت إحدى الركائز الأساسية لضمان الحق في الدفاع والمساواة أمام القانون والوصول الفعلي إلى العدالة.

ويركز هذا التقرير على أوروبا وتركيا بوصفهما نموذجين يعكسان التحديات التي تطرحها التعددية اللغوية داخل الأنظمة القضائية، ففي أوروبا أدى ارتفاع أعداد المهاجرين واللاجئين واتساع حرية التنقل بين الدول إلى زيادة الحاجة إلى خدمات الترجمة القانونية، بينما اكتسبت المسألة في تركيا أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي واستضافتها أعدادا كبيرة من اللاجئين والأجانب، إضافة إلى القضايا المرتبطة بالأقليات اللغوية.

ويكشف النموذجان كيف يمكن للغة أن تتحول من أداة تواصل إلى عنصر مؤثر في ممارسة الحقوق الأساسية داخل المحاكم.

الترجمة كحق قانوني

مع اتساع التنقل داخل الاتحاد الأوروبي وارتفاع أعداد المهاجرين واللاجئين، اعتمد الاتحاد الأوروبي عام 2010 التوجيه الخاص بالحق في الترجمة والترجمة الفورية في الإجراءات الجنائية.

وينص التوجيه على ضرورة توفير الترجمة مجانا لكل مشتبه به أو متهم لا يفهم لغة الإجراءات القضائية، بما يشمل جلسات التحقيق والمحاكمات والاجتماعات الأساسية مع المحامين، إضافة إلى ترجمة الوثائق الجوهرية مثل قرارات الاحتجاز وأوامر الاتهام والأحكام القضائية.

وتؤكد دراسات قانونية أوروبية أن جودة الترجمة لا تقل أهمية عن وجودها، لأن الأخطاء اللغوية قد تؤثر بصورة مباشرة على فهم المتهم لحقوقه أو على تفسير أقواله أمام المحكمة.

وتوضح أبحاث منشورة في المجلة الدولية لعلم العلامات في القانون ودراسات الترجمة والترجمة الفورية أن امتلاك معرفة محدودة بلغة البلد لا يعني بالضرورة القدرة على فهم المصطلحات القانونية أو الإجراءات القضائية المعقدة، وهو ما قد يؤدي إلى حرمان المتقاضين فعليا من المشاركة الكاملة في الدفاع عن أنفسهم.

اللغة بين العدالة والهوية

في تركيا، اكتسب موضوع الترجمة القضائية أهمية متزايدة في القضايا التي تشمل أجانب ولاجئين، إضافة إلى بعض القضايا المرتبطة بالأقليات اللغوية.

وأثارت عدة أحكام صادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان نقاشا واسعا حول مدى كفاية الترجمة أثناء التحقيقات والمحاكمات.

ومن أبرز هذه القضايا قضية “بايتار ضد تركيا”، التي رأت فيها المحكمة الأوروبية أن المتهمة لم تحصل على ضمانات لغوية كافية أثناء التحقيق، وأن عدم توفير مترجم بصورة مناسبة أثر على فهمها لحقوقها القانونية أثناء الاستجواب.

وأكد الحكم أن الحق في الترجمة لا يبدأ داخل المحكمة فقط، بل يشمل أيضا مراحل التحقيق الأولى التي قد تحدد مسار القضية بالكامل.

ويرى خبراء قانونيون أن هذه القضايا كشفت أن الترجمة ليست مسألة إدارية بسيطة، بل عنصرا أساسيا في حماية حق الدفاع ومنع وقوع أخطاء قد تؤدي إلى أحكام غير عادلة.

عندما تؤثر الترجمة في مسار العدالة

تشير دراسات أكاديمية حديثة، من بينها دراسة ليا كاتشينكا “التفسير القانوني وحقوق المحاكمة العادلة” الصادرة عام 2014، إلى أن الترجمة القانونية غير الدقيقة قد تؤدي إلى سوء فهم التهم أو الشهادات أو حتى الاعترافات.

وحذرت أبحاث متخصصة من الاعتماد المفرط على الترجمة الآلية في القضايا القضائية المعقدة، لأن الأنظمة الرقمية الحالية ما تزال عاجزة عن نقل المعاني القانونية الدقيقة بصورة تضمن العدالة الكاملة.

ويؤكد البروفيسور إيريك هيرتوج، أحد أبرز الباحثين الأوروبيين في الترجمة القانونية، أن الخطأ في ترجمة مصطلح قانوني واحد قد يؤدي إلى سوء فهم التهم أو الحقوق الإجرائية، ما ينعكس بصورة مباشرة على نتيجة القضية.

وتكشف هذه التحذيرات أن الترجمة القانونية لا تتعلق فقط بنقل الكلمات من لغة إلى أخرى، بل بنقل المعاني القانونية الدقيقة التي قد يترتب عليها حرمان شخص من حريته أو حصوله على حقوقه.

الترجمة كضمانة للمحاكمة العادلة

يرى خبراء حقوق الإنسان أن ضمان الترجمة القضائية ليس مسألة تقنية، بل جزءا من الحق في الوصول إلى العدالة، فالمتهم الذي لا يفهم ما يقال ضده، أو الشاهد الذي لا يستطيع التعبير بدقة عن أقواله، يواجه خطر التهميش داخل العملية القضائية نفسها.

ولهذا؛ أكدت التشريعات الأوروبية الحديثة ضرورة تدريب المترجمين القانونيين ووضع معايير تضمن جودة الترجمة داخل المحاكم، مع اعتبار أي قصور جوهري في هذا الجانب مساسا بحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.

وتبنت لجنة وزراء مجلس أوروبا هذا التوجه، مشيرة إلى أن عدم فهم اللغة المستخدمة أمام المحكمة قد يحرم الشخص عمليا من ممارسة حقوقه القانونية الأساسية حتى لو كانت تلك الحقوق مكفولة نظريا.

وتنص المادة السادسة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على حق كل شخص في الحصول على مساعدة مترجم مجانا إذا كان لا يفهم اللغة المستخدمة أمام المحكمة، باعتبار ذلك جزءا من ضمانات المحاكمة العادلة.

وأكدت المواثيق الأوروبية والدولية أن العدالة لا تقتصر على وجود محكمة وقاض، بل تشمل قدرة الفرد على فهم الإجراءات القانونية والمشاركة فيها بصورة حقيقية.

وفي هذا السياق يرى لودوفيك هينسلر، أستاذ القانون وحقوق الإنسان بجامعة إيكس مرسيليا في فرنسا، أن العدالة تصبح شكلية عندما لا يفهم المتقاضي لغة الإجراءات، مؤكدا أن الحق في الترجمة جزء من الحق في الوصول الفعلي إلى العدالة وليس مجرد إجراء تقني.

العدالة لا تكتمل دون فهم

تكشف التجارب الأوروبية والتركية أن المحاكمة العادلة لا تتحقق بمجرد إتاحة الوصول إلى المحكمة، بل تتطلب أيضا تمكين الأفراد من فهم ما يجري داخلها والمشاركة الفعلية في الدفاع عن حقوقهم.

وعندما تتحول اللغة إلى حاجز يحول دون معرفة الحقوق أو ممارستها، يصبح الخلل مرتبطا بجوهر العدالة نفسها لا بإجراءاتها فقط، ولهذا لم تعد الترجمة القضائية مجرد وسيلة مساعدة داخل المحاكم، بل غدت ضمانة قانونية أساسية تكفل المساواة أمام القانون وتحمي حق الأفراد في الدفاع والوصول إلى العدالة، في عالم يزداد تنوعا لغويا وثقافيا يوما بعد يوم.