أدانت منظمة “مساواة” النسوية الحقوقية الاعتداء الذي استهدف امرأة مهاجرة من دول إفريقيا جنوب الصحراء في تونس وهي في حالة حمل، واصفة الواقعة بأنها “جريمة عنصرية” تمس الكرامة الإنسانية وتستدعي تحركاً عاجلاً من السلطات.
وجاء موقف المنظمة عقب تداول مقاطع مصورة على منصات التواصل الاجتماعي توثق جانباً من الاعتداء، ما أثار موجة استنكار واسعة في أوساط حقوقية ومدنية، وأعاد إلى الواجهة ملف أوضاع المهاجرين غير النظاميين من دول إفريقيا جنوب الصحراء داخل تونس.
وطالبت منظمة “مساواة”، في بيان، بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الواقعة، ومحاسبة المتورطين في الاعتداء وكل من يثبت تورطه في التحريض عليه.
واعتبرت المنظمة أن الحادثة لا يمكن التعامل معها بوصفها واقعة معزولة، بل تأتي في سياق تصاعد خطاب الكراهية والتمييز ضد المهاجرين، محذرة من أن استمرار الإفلات من العقاب يسهم في تكرار مثل هذه الانتهاكات.
وأكدت المنظمة أن حماية المهاجرين، ومنهم النساء الحوامل والفئات الأكثر هشاشة، تمثل التزاماً حقوقياً وقانونياً، ولا يجوز التعامل معها فقط من زاوية أمنية أو سياسية.
توتر حول ملف المهاجرين
شهد وضع المهاجرين غير النظاميين من دول إفريقيا جنوب الصحراء في تونس تحولاً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقلت البلاد من كونها محطة عبور أو إقامة مؤقتة للعمل والدراسة إلى نقطة توتر سياسي واجتماعي متصاعد.
وتفاقم هذا التوتر منذ مطلع عام 2023، بعد تصاعد الخطاب الرسمي والسياسي تجاه المهاجرين غير النظاميين، وربط وجودهم بتهديدات ديموغرافية وأمنية.
وأدى ذلك، وفق منظمات حقوقية، إلى حالة من الاحتقان الشعبي وزيادة الاعتداءات اللفظية والجسدية في الشوارع وأماكن العمل.
وتقول منظمات مدنية إن المهاجرين أصبحوا في كثير من الحالات عرضة للتمييز والاستهداف، خاصة في ظل صعوبة الوصول إلى الحماية القانونية، أو الخوف من التوقيف والترحيل، أو فقدان السكن والعمل.
دور الفضاء الرقمي
أشارت منظمة “مساواة” إلى أن البيئة الرقمية أسهمت في تطبيع خطاب الكراهية ضد المهاجرين، من خلال حملات تحريض وتشويه تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتستخدم بعض الصفحات، بحسب منظمات حقوقية، أخباراً زائفة أو مضللة لتصوير المهاجرين باعتبارهم سبباً في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ما يحولهم إلى “كبش فداء” لمشكلات أعمق تتعلق بالبطالة والفقر وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويرى حقوقيون أن هذا الخطاب لا يبقى حبيس العالم الرقمي، بل ينتقل إلى الواقع في شكل اعتداءات وملاحقات وتهديدات، خاصة عندما لا تُواجَه الدعوات العنصرية بمساءلة قانونية واضحة.
ضغوط ومقاربة أمنية
يتقاطع ملف المهاجرين في تونس مع ضغوط أوروبية متزايدة لتعزيز مراقبة الحدود البحرية والحد من الهجرة غير النظامية نحو أوروبا.
وتقول منظمات حقوقية إن هذا الضغط أسهم في ترسيخ مقاربة أمنية تجاه الهجرة تركز على المنع والمراقبة والترحيل، أكثر من تركيزها على الحماية والحقوق والمساعدة الإنسانية.
وتحذر هذه المنظمات من أن السياسات الأمنية قد تدفع المهاجرين إلى مسارات أكثر خطورة، وتزيد تعرضهم للاستغلال والعنف، كما قد تضع تونس أمام اختبار صعب يتعلق بالتزاماتها الدولية في حماية المهاجرين وطالبي اللجوء.
اختبار للمجتمع المدني
أعاد الاعتداء الأخير على المرأة المهاجرة الحامل طرح سؤال أوسع حول قدرة المجتمع المدني التونسي على التصدي للعنصرية وحماية مبادئ حقوق الإنسان.
وبينما ترى منظمات حقوقية أن “معركة المساواة” ضد التمييز والعنصرية جزء من النضال من أجل دولة القانون، يواجه هذا الخطاب تحديات متزايدة في ظل انتشار روايات شعبوية تضع المهاجرين في مواجهة مباشرة مع قضايا السيادة والأمن والهوية.
ودعت منظمة “مساواة” القوى الديمقراطية والمدنية إلى التعبئة ضد التمييز والعنصرية، مؤكدة أن تونس يجب أن تظل ملتزمة بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وألا تتحول إلى حارس لحدود غيرها على حساب كرامة الإنسان.
