منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

140 ألفاً غادروا خلال ثلاث سنوات.. هجرة الشباب والأكاديميين تتسارع في إسرائيل

03 يونيو 2026
حركة المسافرين في أحد مطارات إسرائيل
حركة المسافرين في أحد مطارات إسرائيل

تشير أحدث البيانات الصادرة في إسرائيل إلى تنامي ظاهرة الهجرة الخارجية بوتيرة تثير اهتمام الأوساط السياسية والأكاديمية، بعد أن كشف تقرير رسمي مغادرة عشرات الآلاف من الإسرائيليين البلاد خلال السنوات الأخيرة، وتأتي هذه المعطيات في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات ديموغرافية واقتصادية متزايدة، وسط نقاشات داخلية بشأن تأثير الهجرة في سوق العمل وقطاع البحث العلمي ومستقبل الكفاءات البشرية.

وبحسب تقرير صادر عن مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست الإسرائيلي، بلغ صافي الهجرة من إسرائيل خلال الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2024 نحو 140 ألف شخص، في واحدة من أعلى المعدلات المسجلة خلال السنوات الأخيرة، ويعكس هذا الرقم الفجوة المتزايدة بين أعداد المغادرين والعائدين، ويثير تساؤلات بشأن العوامل التي تدفع أعداداً متزايدة من المواطنين إلى الاستقرار خارج البلاد.

تصاعد وتيرة المغادرة

تكشف البيانات الواردة في التقرير عن ارتفاع ملحوظ في أعداد المغادرين خلال الأعوام الأخيرة مقارنة بالسنوات السابقة. فقبل عام 2021، كان متوسط عدد المغادرين سنوياً يبلغ نحو 40 ألفاً و500 شخص، إلا أن هذا الرقم ارتفع إلى 59 ألفاً و400 شخص في عام 2022، ثم قفز إلى 82 ألفاً و800 شخص خلال عام 2023، قبل أن يتراجع نسبياً إلى 69 ألفاً و500 شخص في عام 2024.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الهجرة من إسرائيل لم تعد ظاهرة هامشية أو مرتبطة بظروف استثنائية قصيرة الأمد، بل أصبحت اتجاهاً مستمراً يستدعي المتابعة، خاصة مع استمرار ارتفاع أعداد المغادرين مقارنة بالمعدلات التي كانت سائدة قبل سنوات قليلة.

الشباب في مقدمة المغادرين

من أبرز ما كشفه التقرير أن الشباب يشكلون النسبة الكبرى من المهاجرين، فقد أظهرت البيانات أن نحو نصف الذين غادروا إسرائيل منذ عام 2022 ينتمون إلى الفئة العمرية بين 20 و44 عاماً، وهي الفئة التي تمثل العمود الفقري لسوق العمل والقوة الإنتاجية في أي مجتمع.

ويرى معدو التقرير أن ارتفاع نسبة الشباب بين المغادرين يحمل دلالات مهمة، إذ يتعلق الأمر بالفئات الأكثر قدرة على العمل والإنتاج والابتكار، ما يجعل استمرار هذا الاتجاه عاملاً مؤثراً على المدى البعيد في البنية الاقتصادية والاجتماعية.

هجرة الكفاءات الأكاديمية

سلط التقرير الضوء على جانب آخر أكثر حساسية، يتمثل في ارتفاع نسبة الأكاديميين وأصحاب المؤهلات العلمية بين المغادرين، ووفق البيانات الرسمية، فإن 33.2 بالمئة من المغادرين يحملون درجة البكالوريوس، مقارنة بنسبة 21.5 بالمئة فقط بين عموم السكان.

كما بلغت نسبة حاملي درجة الماجستير بين المغادرين 23.5 بالمئة، في حين لا تتجاوز نسبتهم 11.9 بالمئة بين إجمالي السكان. أما حملة الدكتوراه فبلغت نسبتهم بين المغادرين 3.7 بالمئة، مقارنة بـ0.8 بالمئة فقط في المجتمع الإسرائيلي كله.

وتعكس هذه المؤشرات اتجاهاً واضحاً نحو هجرة الفئات الأعلى تأهيلاً من الناحية العلمية، وهو ما يثير مخاوف من اتساع ظاهرة استنزاف العقول والكفاءات التي تحتاجها الجامعات ومراكز الأبحاث وقطاعات التكنولوجيا المتقدمة.

نزيف في القطاعات العلمية

أظهر التقرير أن عدداً من التخصصات العلمية يشهد مستويات مرتفعة من الهجرة الخارجية، فقد تبين أن 25 بالمئة من الحاصلين على درجة الدكتوراه في الرياضيات يعيشون خارج إسرائيل لمدة ثلاث سنوات أو أكثر.

كما بلغت النسبة 22 بالمئة بين حاملي الدكتوراه في علوم الحاسوب، و19 بالمئة بين علماء الوراثة، و17 بالمئة بين كبار الباحثين في الفيزياء.

وتحظى هذه التخصصات بأهمية استراتيجية في الاقتصاد الإسرائيلي؛ نظراً لدورها في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والبحث العلمي والصناعات المرتبطة بالابتكار، ولذلك فإن استمرار ارتفاع معدلات الهجرة بين هذه الفئات يثير قلقاً متزايداً بشأن قدرة المؤسسات الأكاديمية والاقتصادية على الحفاظ على تنافسيتها في المستقبل.

مواليد إسرائيل يشكلون الأغلبية

ومن النتائج اللافتة التي تضمنها التقرير أن بيانات عام 2024 دحضت التصورات التي كانت تشير إلى أن معظم المغادرين هم من المهاجرين الجدد أو الأشخاص الذين لم يمضِ على وجودهم في إسرائيل سوى سنوات قليلة.

فقد أظهرت البيانات أن 52 بالمئة من المغادرين خلال عام 2024 هم من مواليد إسرائيل، مقابل 48 بالمئة فقط من مواليد الخارج، كما سجل عدد المغادرين من المواطنين القدامى، سواء من مواليد إسرائيل أو من المهاجرين الذين استقروا فيها منذ سنوات طويلة، ارتفاعاً بنسبة 53 بالمئة بين عامي 2021 و2023.

وتشير هذه المعطيات إلى أن قرار الهجرة لم يعد مقتصراً على فئات بعينها، بل أصبح يشمل شرائح أوسع من المجتمع الإسرائيلي، ومنها أشخاص ولدوا ونشؤوا داخل البلاد.

تراجع العائدين

في الوقت الذي ارتفعت فيه أعداد المغادرين، سجلت أعداد الإسرائيليين العائدين من الخارج تراجعاً ملحوظاً، ووفق التقرير، انخفض متوسط عدد العائدين سنوياً من نحو 24 ألفاً و450 شخصاً إلى 18 ألفاً و800 شخص فقط خلال عام 2024.

ويعني هذا التراجع أن الفجوة بين الهجرة إلى الخارج والعودة إلى البلاد آخذة في الاتساع، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على صافي الهجرة ويزيد من المخاوف المرتبطة بخسارة الموارد البشرية المؤهلة.

دلالات اقتصادية واجتماعية

تثير هذه المؤشرات نقاشاً متزايداً داخل إسرائيل حول التداعيات المحتملة لاستمرار ارتفاع معدلات الهجرة، خاصة بين الشباب والمتخصصين وأصحاب المؤهلات العليا، فهذه الفئات تمثل عنصراً أساسياً في سوق العمل والقطاع التكنولوجي ومؤسسات التعليم العالي، كما تلعب دوراً محورياً في دعم النمو الاقتصادي والبحث العلمي.

ويرى التقرير أن متابعة هذه التحولات الديموغرافية باتت ضرورة ملحة لفهم تأثيراتها المستقبلية في الاقتصاد والمجتمع، في ظل تراجع أعداد العائدين واستمرار ارتفاع نسبة المغادرين من الفئات الأكثر تعليماً وإنتاجية.

تعد الهجرة الخارجية من القضايا التي تحظى باهتمام خاص في إسرائيل؛ نظراً لارتباطها المباشر بالتوازن الديموغرافي وسوق العمل والقدرات العلمية والتكنولوجية، وخلال العقود الماضية، سعت الحكومات الإسرائيلية إلى تشجيع الهجرة إلى البلاد واستقطاب الكفاءات من الخارج، بالتوازي مع برامج تهدف إلى إعادة المواطنين المقيمين في الخارج، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات ملحوظة في اتجاهات الهجرة، حيث ارتفعت أعداد المغادرين وتراجعت أعداد العائدين، بالتزامن مع تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية متسارعة، ويرى باحثون ومؤسسات أكاديمية إسرائيلية أن استمرار هذه الاتجاهات قد يفرض تحديات جديدة على قطاعات التكنولوجيا والبحث العلمي والتعليم العالي؛ التي تعتمد بصورة كبيرة على الكفاءات البشرية المتخصصة.