منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان

تقرير أممي يدعو لنهج قائم على حقوق الإنسان لمواجهة تداعيات التغير المناخي في دومينيكا

13 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة

حثّ تقرير أممي على تبني نهج شامل قائم على حقوق الإنسان في مواجهة تداعيات التغير المناخي في دولة دومينيكا، محذراً من أن استمرار الاعتماد على الحلول التقليدية والاستجابات الجزئية قد يفاقم المخاطر التي تواجه الفئات الأكثر هشاشة، ويقوض الجهود الرامية إلى بناء مجتمع أكثر قدرة على الصمود أمام الكوارث المناخية المتزايدة.

وأشار التقرير، الذي يُعرض أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمنعقدة خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو، إلى أن دومينيكا، التي تُعد من أكثر الدول عرضة لتداعيات التغير المناخي والكوارث الطبيعية، حققت تقدماً ملحوظاً في جهود بناء القدرة على الصمود، إلا أن تحقيق تحول حقيقي ومستدام يتطلب وضع حقوق الإنسان في قلب السياسات المناخية والإنمائية، وضمان مشاركة جميع الفئات المتأثرة في صنع القرار.

وأوضح التقرير، الذي أعدته المقررة الخاصة المعنية بحق الإنسان في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة عقب زيارتها إلى دومينيكا، أن الدولة الكاريبية الصغيرة تقع ضمن حزام الأعاصير في المحيط الأطلسي، وتعرضت منذ عام 1979 لنحو 15 حدثاً مناخياً متطرفاً، في وقت تتزايد فيه حدة الأعاصير والعواصف الاستوائية نتيجة التغير المناخي العالمي، كما أن 90% من سكانها يعيشون في المناطق الساحلية، بينما يعتمد جزء كبير منهم على الموارد الطبيعية والأنظمة البيئية في تأمين سبل العيش.

وأكد التقرير أن دومينيكا تكاد لا تسهم في الانبعاثات العالمية المسببة للاحتباس الحراري، إذ لا تتجاوز حصتها من الانبعاثات العالمية نسبة تقترب من الصفر، لكنها تتحمل آثاراً جسيمة وغير متناسبة مع مسؤوليتها عن الأزمة المناخية.

وأشار إلى أن الدولة تواجه مخاطر متزايدة تشمل الأعاصير والفيضانات والجفاف وارتفاع مستوى سطح البحر وتغير أنماط هطول الأمطار، فضلاً عن تعرضها لمخاطر جيولوجية مرتبطة بوجود عدد من البراكين النشطة.

خسائر تتجاوز الاقتصاد

ولفت التقرير إلى أن الخسائر الناتجة عن الكوارث المناخية لا تقتصر على الأبعاد الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى جوانب اجتماعية وثقافية وإنسانية عميقة.. فالأعاصير والعواصف أدت إلى تدمير المنازل والبنية التحتية ومصادر الدخل، كما أثرت بشكل مباشر على حق السكان في التعليم والصحة والسكن والعمل اللائق.

وأوضح أن الأطفال كانوا من بين أكثر الفئات تضرراً، حيث تسببت الكوارث المناخية في تعطيل العملية التعليمية لفترات طويلة، وبعد إعصار “ماريا”، أغلقت المدارس والكليات لأكثر من شهر، فيما استغرق عودة بعض الطلاب إلى مقاعد الدراسة عدة أشهر إضافية.

وأظهرت البيانات أن نحو 76% من أطفال دومينيكا تعرضوا للنزوح بسبب الأحداث المناخية خلال الفترة بين عامي 2016 و2021، ما جعل البلاد من بين أعلى دول العالم من حيث معدلات نزوح الأطفال المرتبطة بالمناخ.

شعب كاليناغو والمعارف التقليدية

وأشار التقرير إلى أن الآثار السلبية امتدت أيضاً إلى السكان الأصليين من شعب كاليناغو، الذين تضررت مواردهم الطبيعية وممارساتهم الثقافية التقليدية نتيجة الكوارث المناخية وتدهور البيئة، فقد تعرضت الغابات التي يعتمدون عليها في الحصول على النباتات الطبية والمواد المستخدمة في الحرف التقليدية لأضرار كبيرة، ما انعكس على استمرارية المعارف التقليدية والتراث الثقافي المتوارث عبر الأجيال.

وأكد أن الحفاظ على المعارف التقليدية للسكان الأصليين يمثل عنصراً مهماً في تعزيز القدرة على التكيف مع التغير المناخي، داعياً إلى إشراكهم بصورة كاملة في عمليات التخطيط واتخاذ القرار، وضمان احترام حقهم في الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة على المشروعات التي تمس أراضيهم ومواردهم الطبيعية.

ورحّب التقرير بالجهود التي بذلتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة لتعزيز الصمود المناخي، ومنها إنشاء ملاجئ أكثر قدرة على مواجهة الكوارث، مزودة بمصادر مستقلة للطاقة والمياه، وتوفير مساحات أكثر أماناً للأطفال والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة.

وأوضح أن هذه المنشآت أسهمت في الحد من المخاطر التي واجهتها الفئات الضعيفة خلال الكوارث السابقة، كما ساعدت على استمرار العملية التعليمية وتقليل فترات الانقطاع الدراسي.

تحديات العدالة والشفافية

وفي الوقت نفسه، أشار التقرير إلى وجود تحديات تتعلق بالعدالة والشفافية في توزيع الموارد المخصصة للتعافي وإعادة الإعمار، فقد أظهرت شهادات ومعلومات جُمعت خلال الزيارة أن بعض الفئات، من بينها المهاجرون والأشخاص ذوو الإعاقة والأمهات المعيلات وكبار السن، لم يحصلوا على الدعم الكافي أو واجهوا صعوبات في الوصول إلى الخدمات والمساعدات بعد الكوارث الطبيعية، وأثيرت تساؤلات بشأن معايير توزيع المساكن البديلة وبرامج الإسكان المقاوم للمناخ.

وشدد التقرير على أهمية ضمان الوصول إلى المعلومات وإشراك المواطنين بصورة فعالة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالتعافي من الكوارث وتخصيص الموارد، معتبراً أن الشفافية والمشاركة المجتمعية تشكلان ركيزتين أساسيتين لبناء الثقة وتحقيق العدالة المناخية.

وفي ما يتعلق بالإطار القانوني، أشار التقرير إلى أن عدداً من مشاريع القوانين المهمة المتعلقة بالتغير المناخي والإدارة العامة وإدارة الكوارث ما زالت معلقة منذ أكثر من عقد، داعياً إلى الإسراع في إقرارها وتحديثها بما ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وأوصى بإدماج تقييمات الأثر البيئي وحقوق الإنسان في جميع المشروعات والسياسات ذات الصلة بالمناخ والتنمية.

التنوع كخط دفاع أول

وتناول التقرير دور التنوع البيولوجي في تعزيز القدرة على الصمود أمام التغير المناخي، مؤكداً أن النظم البيئية السليمة تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الكوارث الطبيعية.

وأشار إلى أن دومينيكا تتمتع بثروة طبيعية استثنائية، إذ تغطي النباتات الطبيعية نحو 65% من مساحة البلاد، وتضم مئات الأنواع من الطيور والنباتات والكائنات البحرية.

ورحّب التقرير بالجهود الرامية إلى توسيع المناطق البحرية المحمية، بما في ذلك إنشاء محمية حيتان العنبر عام 2025، لكنه دعا إلى ضمان استفادة المجتمعات المحلية من هذه المبادرات بصورة عادلة، وإشراكها في إدارتها ومراقبتها، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على البيئة وتعزيز سبل العيش.

مخاوف من البنية التحتية والسياحة

في المقابل، أبدى التقرير قلقه من بعض مشروعات البنية التحتية والتنمية السياحية التي قد تترك آثاراً سلبية على البيئة والتنوع البيولوجي، بما في ذلك مشروعات المرافئ والفنادق والمطار الجديد.

وأكد ضرورة إخضاع هذه المشروعات لتقييمات شاملة تراعي الآثار البيئية والحقوقية، وضمان مشاركة السكان المتأثرين في مناقشتها واتخاذ القرار بشأنها.

وسلّط التقرير الضوء على التحديات المالية التي تواجه دومينيكا، مشيراً إلى أن ارتفاع أعباء الديون ومحدودية الموارد المحلية يحدان من قدرة الدولة على الاستثمار في التكيف المناخي وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للسكان.

ودعا الدول الصناعية والمؤسسات المالية الدولية إلى زيادة التمويل المخصص للدول الأكثر تضرراً من التغير المناخي، بما يتناسب مع مسؤوليتها التاريخية عن الانبعاثات المسببة للأزمة المناخية.

وأكد أن التمويل المناخي يجب أن يوجّه نحو حماية حقوق الإنسان والحفاظ على التنوع البيولوجي والتراث الثقافي، مع تسهيل وصول المجتمعات المتضررة مباشرة إلى الموارد المالية اللازمة لتنفيذ مشروعات التكيف والصمود.

توصيات لحماية الفئات الأكثر هشاشة

في ختام التقرير، دعت المقررة الخاصة حكومة دومينيكا إلى تعزيز التشريعات والسياسات التي تحمي النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والسكان الأصليين والمهاجرين من الآثار السلبية للتغير المناخي، وإنشاء مؤسسة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان، وتوسيع مشاركة المجتمع المدني والشباب في رسم السياسات المناخية.

كما حثت الدول مرتفعة الانبعاثات على تسريع خفض استخدام الوقود الأحفوري وتقديم دعم مالي وتقني أكبر للدول الجزرية الصغيرة المعرضة للمخاطر المناخية.

وخلص التقرير إلى أن تجربة دومينيكا تظهر أن بناء القدرة على الصمود لا يقتصر على إنشاء البنية التحتية أو توفير التمويل، بل يتطلب تحولاً أعمق يضع الإنسان وحقوقه واحتياجاته في مركز الاستجابة المناخية، بما يضمن عدم ترك أي فئة خلف الركب في مواجهة واحدة من أخطر التحديات التي يشهدها العالم اليوم.