منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ضمن فعاليات الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان

بين مرونة التشريع والأزمات المركبة.. لبنان تستعرض أبرز ملفاتها أمام مجلس حقوق الإنسان

17 يونيو 2026

حذّر تقرير صادر عن مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، ضمن الوثائق الرسمية والتحضيرات المرتبطة بالدورة الثانية والستين للمجلس المنعقدة في جنيف خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو 2026، من أن الأزمات المالية المتراكمة والضغوط الإقليمية المتسارعة في دول المواجهة، قد تقوّض المكتسبات التشريعية لحقوق الإنسان ما لم تقترن بإصلاحات هيكلية داخلية ودعم دولي ملموس يتناسب مع حجم الأعباء الإنسانية.

واستعرض التقرير، المعتمد على مخرجات الدورة الحادية والخمسين للفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل المنعقدة في يناير 2026، الأوضاع الحقوقية والاجتماعية في “الجمهورية اللبنانية”، مسلطاً الضوء على التناقض الحاد بين الديناميكية التشريعية الطموحة للحكومة والتعقيدات الميدانية الناتجة عن تداخل الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

أكد المشاركون في جلسات الاستعراض أن الاستقرار المؤسسي والتنمية الاجتماعية لا ينفصلان عن كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، ونبهوا إلى أن الدولة اللبنانية تواجه ضغطاً مزدوجاً؛ يتمثل الأول في التداعيات الإنسانية والدمار الهيكلي الناجم عن الاعتداءات العسكرية الخارجية، والثاني في الإرث الاقتصادي الثقيل منذ عام 2021 وما رافقه من تدفقات بشرية هائلة للنازحين واللاجئين تفوق القدرات الاستيعابية للبنى التحتية الوطنية.

افتتحت المداولات الرسمية للفريق العامل برئاسة وفد لبنان الذي قاده وزير الشؤون الاجتماعية، حانين سيد، والذي استعرض الخطوات التنفيذية التي اتخذتها بلاده لتعزيز كرامة الإنسان وكفالة الانتصاف القانوني، مبيناً أن المراجعة تجري في توقيت استثنائي يشهد جهوداً حثيثة للتعافي الوطني بدأت تتبلور منذ عام 2025 عبر إعادة تفعيل المؤسسات الدستورية وانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة إصلاحية.

الإصلاحات المالية والتشريعية

سجل التقرير حراكاً حكومياً لافتاً في ملف مكافحة الفساد وإعادة هيكلة المنظومة المالية، إذ أطلقت بيروت بالتعاون مع صندوق النقد الدولي حزمة تدابير تشريعية شملت تعديل قوانين السرية المصرفية وإعادة هيكلة القطاع المالي.

وعلى مستوى استقلال القضاء، أبرز التقرير إقرار قانون جديد لإعادة تنظيم الجهاز القضائي والمجلس الأعلى للقضاء لضمان الشفافية ومنع النقل التعسفي للقضاة، بالتوازي مع تدشين مكاتب للمساعدة القانونية المجانية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وعلى صعيد الحقوق الجنائية والإنسانية، سلّط التقرير الضوء على خطوة نوعية تمثلت في إعداد مشروع قانون لإلغاء عقوبة الإعدام، واستئناف التحقيقات القضائية في ملف انفجار مرفأ بيروت، بالتوازي مع المصادقة على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة واعتماد الخطة الوطنية الشاملة لحقوق الإنسان للفترة (2026-2030).

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، كشف التقرير الأممي عن تحديات ميدانية جسيمة تفرضها الظروف الاقتصادية والأمنية، حيث استعرضت وزارة الشؤون الاجتماعية تحديات تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية وتوسيع مظلة برنامج “أمان” لدعم الأسر الأكثر فقراً، في وقت تحاول فيه لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني صياغة إطار قانوني لتنظيم أوضاع اللاجئين مع التمسك بالرفض الدستوري القاطع للتوطين أو التسوية الدائمة.

وفي مقابل هذا الاستعراض الحكومي، شهدت جلسة الحوار التفاعلي مداولات ساخنة بمشاركة 105 وفود دولية، ركزت في مجملها على ضرورة انتقال لبنان من مرحلة القوانين المرحلية إلى مأسسة الحقوق وتصفية الملفات العالقة.

وطالبت كتل دولية واسعة (ضمت باراغواي، وبنغلاديش، وإندونيسيا) بالتعجيل في التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم. وحثت وفود أخرى (بينها البرازيل، ولاتفيا، ولوكسمبورغ، وأوكرانيا) على سرعة الانضمام لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بينما نادت وفود كرواتيا، وأيسلندا، وإيطاليا، وسويسرا بالتوقيع على البروتوكول الاختياري الثاني لإلغاء عقوبة الإعدام نهائياً.

حقوق المرأة والعدالة الاجتماعية

أفرد التقرير مساحة واسعة للتوصيات الدولية المتعلقة بتمكين المرأة وتعديل منظومة الأحوال الشخصية، حيث شددت وفود دولية عديدة على ضرورة إنهاء التمييز الهيكلي ضد النساء. ونادت وفود بريطانيا، والمكسيك، والنمسا، وفنلندا بإصلاح جذري لقانون الجنسية الصادر عام 1925 لتمكين النساء اللبنانيات من ممارسة حقهن في منح الجنسية لأطفالهن وأزواجهن الأجانب دون قيود.

وفي ذات السياق، ركزت التوصيات على حماية الفتيات، إذ حثت إستونيا وشيلي على الإسراع في حظر زواج الأطفال وتحديد السن الدنيا القانونية للزواج بـ18 عاماً دون أي استثناءات تشريعية. كما طالبت وفود أخرى بتشديد القوانين المحلية لتجريم العنف القائم على النوع الاجتماعي وضمان بيئة عمل آمنة وعادلة للمرأة في القطاعين العام والخاص.

وشهدت الجلسة نقاشات حادة حول ملف الحريات الفردية وحقوق الأقليات الجنسية والمثليين، حيث دقت وفود فنلندا، ومملكة هولندا، ولوكسمبورغ، واسكتلندا، وأستراليا ناقوس الخطر بشأن استمرار التمييز الجنائي، حيث طالبت هذه الوفود بإصلاحات جنائية فورية تشمل إلغاء المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني، والتي تُستخدم لتجريم العلاقات الجنسية المثلية تحت طائلة “مخالفة الطبيعة”، مشددة على ضرورة كفالة الحق في الخصوصية وحماية الأفراد من العنف والوصم الاجتماعي والاحتجاز التعسفي القائم على الميول الجنسية أو الهوية الجندرية.

وفي سياق متصل، حثت التوصيات على مواءمة القوانين الوطنية مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لضمان حرية التعبير والتجمع السلمي لجميع الفئات دون تمييز.

على صعيد الدعم الإقليمي ومأسسة الحماية الاجتماعية، برزت في التقرير التوصية الموجهة من وفد دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي دعت الحكومة اللبنانية إلى تعزيز الاستدامة في خططها الوطنية عبر المضي قدماً في تنفيذ وتوسيع نطاق الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية، والعمل على تعزيز صمود المؤسسات المحلية في مواجهة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة بما يضمن توفير شبكات أمان موثوقة ومستدامة للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع اللبناني.

وفي ذات الشق الإقليمي، ركزت توصيات (مجلس التعاون الخليجي والدول العربية) على أهمية تعزيز آليات الحوكمة ومكافحة الفساد المالي والإداري كركيزة أساسية لاستعادة الثقة الدولية وضمان تدفق المساعدات التنموية.

مواءمة القوانين المحلية

ولم تغفل المناقشات التحاورية الأبعاد الهيكلية للعدالة الجنائية والعمالية، إذ طالبت وفود (فرنسا، وأستراليا، والكرسي الرسولي) بإحراز تقدم شفاف وسريع في تحقيقات انفجار مرفأ بيروت لضمان حقوق الضحايا، وتلاقت هذه المطالب مع دعوات كندا وسيراليون وألمانيا لتقييد اختصاص المحاكم العسكرية ومنع محاكمة المدنيين أمامها.

كما شهدت الجلسة إجماعاً دولياً قادته ألمانيا والنمسا وسلوفاكيا وكوت ديفوار على ضرورة إلغاء نظام الكفالة رسمياً وتعديل قانون العمل لحماية العمال المنزليين والالتزام بمبدأ عدم الإعادة القسرية للاجئين.

واختتم التقرير بتأكيد أن تجربة الجمهورية اللبنانية تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية، إذ إن صون حقوق الإنسان وحماية السلم الاجتماعي في بيئة مثقلة بالحروب والأزمات الاقتصادية ليس ترفاً سياسياً، بل هو التزام دولي يتطلب موازنة حقيقية بين دعم الإصلاحات التشريعية الداخلية ووقف الاعتداءات الخارجية التي تهدد الإنسان أولاً.