كانت مريم، وهي مهاجرة شابة من ساحل العاج، تظن أن رحلتها إلى تونس ستكون محطة مؤقتة قبل الوصول إلى أوروبا، لكنها وجدت نفسها عالقة في دائرة من الخوف والعنصرية والتهديد اليومي، تقول إنها فقدت عملها وسكنها خلال أشهر قليلة بعدما بدأ أصحاب المنازل يرفضون تأجير الشقق للمهاجرين الأفارقة، بينما تعرضت في أكثر من مناسبة لعبارات مهينة بسبب لون بشرتها.. وتضيف أن الخوف لم يعد يقتصر على الفقر أو الترحيل، بل أصبح يمتد إلى الخشية من التعرض للاعتداء في الشارع أو التحريض العلني عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
تعكس قصة مريم جانباً من الأزمة المتفاقمة التي يعيشها آلاف المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء داخل تونس، في ظل تصاعد غير مسبوق لخطابات الكراهية والعنصرية والتحريض، وسط تحذيرات حقوقية وأممية من تداعيات إنسانية خطيرة تهدد حياة المهاجرين والسلم الاجتماعي في البلاد.
وحذرت جبهة المساواة وحقوق النساء في تونس، في بيان، من “تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية والتحريض ضد المهاجرين والمهاجرات”، مؤكدة أن هذه الخطابات باتت تترافق مع “ممارسات تمييزية وانتهاكات خطيرة تمس الكرامة الإنسانية وتهدد الأمن والسلم الاجتماعي”.
وأعربت الجبهة عن صدمتها من تداول دعوات تحريضية تستهدف النساء والأطفال المهاجرين، معتبرة أن الدعوة إلى “تسميم النساء والأطفال” تمثل تحريضاً مباشراً على العنف والقتل الجماعي، وتشكل جريمة أخلاقية وإنسانية خطيرة.
تصاعد خطير في خطاب الكراهية
تشهد تونس منذ عام 2023 تصاعداً ملحوظاً في المحتوى العنصري الموجّه ضد المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو بعض الخطابات السياسية والإعلامية.
وأكد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن البلاد سجلت خلال العامين الأخيرين ارتفاعاً كبيراً في الاعتداءات والانتهاكات ضد المهاجرين، شملت الطرد الجماعي من المنازل، والاعتداءات الجسدية، والحرمان من العمل والخدمات الأساسية.
وقالت منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي لعام 2025 إن المهاجرين الأفارقة في تونس يعيشون “مناخاً متزايداً من الخوف والتمييز والعنف”، مشيرة إلى أن كثيراً منهم تعرضوا لاعتداءات عنصرية بعد حملات تحريض واسعة انتشرت عبر الإنترنت.
كما أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن تصاعد خطاب الكراهية ضد المهاجرين أسهم في خلق بيئة عدائية دفعت كثيراً من المهاجرين إلى الاختباء أو تجنب التواصل مع السلطات خوفاً من الاعتقال أو الاعتداء.
ووثّقت المنظمة حالات طرد قسري لمهاجرين إلى مناطق حدودية قرب ليبيا والجزائر في ظروف وصفتها بأنها “خطيرة وغير إنسانية”، مع نقص المياه والغذاء والرعاية الصحية.
الأرقام تكشف حجم الأزمة
وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة لعام 2025، تستضيف تونس عشرات الآلاف من المهاجرين وطالبي اللجوء القادمين أساساً من دول إفريقيا جنوب الصحراء، في وقت تستمر فيه محاولات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا بوتيرة مرتفعة.
كما تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى ارتفاع أعداد طالبي اللجوء المسجلين في تونس خلال 2025 مقارنة بالسنوات السابقة، خاصة من السودان وساحل العاج وغينيا ومالي.
وأعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن طريق الهجرة عبر تونس أصبح من أخطر طرق العبور في البحر المتوسط، حيث سجلت المنظمة خلال 2025 مئات الوفيات وحالات الفقدان قبالة السواحل التونسية والإيطالية.
وفي المقابل، تعاني تونس نفسها أزمة اقتصادية خانقة، ووفق المعهد الوطني للإحصاء في تونس، استمرت معدلات التضخم والبطالة خلال 2025 عند مستويات مرتفعة أثرت بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية للتونسيين، خاصة الشباب والفئات الهشة.
ويرى باحثون اجتماعيون أن تدهور الأوضاع الاقتصادية أسهم في خلق مناخ ملائم لانتشار الخطابات الشعبوية والعنصرية التي تحمل المهاجرين مسؤولية الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
تأجيج العنصرية
تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي في تونس خلال الأشهر الأخيرة إلى ساحة رئيسية لانتشار خطابات التحريض ضد المهاجرين، حيث انتشرت مقاطع فيديو ومنشورات تتضمن دعوات للطرد الجماعي أو العنف أو التحريض على الكراهية على أساس اللون والانتماء.
وأكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن خطاب الكراهية الرقمي أصبح يمثل تهديداً متزايداً للاستقرار الاجتماعي وحقوق الإنسان، خاصة عندما ينتقل من الفضاء الافتراضي إلى العنف الميداني.
وقالت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” إن خطاب الكراهية عبر الإنترنت يشكل أحد أخطر التحديات الحقوقية عالمياً، لأنه يُسرّع انتشار المعلومات المضللة والتحريض والعنف الجماعي.
ويرى حقوقيون تونسيون أن ضعف الملاحقات القضائية بحق المحرضين على الكراهية أسهم في اتساع هذه الظاهرة، بينما حذّرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من أن استمرار الإفلات من العقاب قد يؤدي إلى تصاعد الاعتداءات المباشرة ضد المهاجرين.
النساء والأطفال في دائرة الخطر
تواجه النساء المهاجرات أوضاعاً أكثر هشاشة في تونس، إذ تتحدث منظمات حقوقية عن تعرض كثير منهن للاستغلال والعنف والتحرش والابتزاز.
وقالت منظمة أطباء بلا حدود إن فرقها الطبية سجلت خلال 2025 ارتفاعاً في الحالات النفسية والصحية المرتبطة بالعنف ضد النساء المهاجرات، بما في ذلك الصدمات النفسية والعنف الجنسي وسوء التغذية.
كما حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” من تدهور أوضاع الأطفال المهاجرين غير المصحوبين بذويهم، خاصة مع صعوبة الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية.
وأكدت جبهة المساواة وحقوق النساء أن التحريض ضد النساء والأطفال المهاجرين يمثل “تهديداً مباشراً للحق في الحياة والأمن والكرامة الإنسانية”، داعية السلطات التونسية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للحماية والمحاسبة.
القانون التونسي والالتزامات الدولية
تُعد تونس أول دولة عربية وإفريقية ألغت العبودية رسمياً عام 1846، كما تبنت في عام 2018 القانون الأساسي عدد 50 المتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.
وينص القانون على تجريم التحريض على الكراهية والعنف والتمييز على أساس اللون أو الأصل أو العرق، مع فرض عقوبات بالسجن والغرامات المالية ضد مرتكبي هذه الجرائم.
كما صادقت تونس على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.
وأكدت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تلزم الدول بحظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.
ودعت منظمات حقوقية تونسية ودولية السلطات إلى تطبيق القوانين بشكل صارم ضد المحرضين على العنصرية، مع ضمان حماية الضحايا وعدم الإفلات من العقاب.
الضغوط الأوروبية وتعقيد الأزمة
تتزامن الأزمة مع تصاعد الضغوط الأوروبية على تونس للحد من تدفقات الهجرة نحو السواحل الإيطالية، في إطار اتفاقات تعاون أمني ومراقبة حدودية.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن السياسات الأوروبية القائمة على “تصدير إدارة الهجرة” إلى دول شمال إفريقيا قد تؤدي إلى مزيد من الانتهاكات ضد المهاجرين.
كما حذر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من أن تحويل تونس إلى “حارس حدود” لأوروبا يضع ضغوطاً إضافية على بلد يعاني أصلاً أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة.
ويرى خبراء أن تصاعد الخطابات العنصرية يرتبط أيضاً بحالة الاحتقان السياسي والاجتماعي داخل تونس، حيث تُستخدم قضية الهجرة أحياناً في الخطابات الشعبوية وربطها بالجريمة والبطالة والتهديد الديمغرافي.
تهديد للسلم الاجتماعي
تحذّر منظمات المجتمع المدني من أن استمرار التحريض ضد المهاجرين قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي خطير يهدد التعايش والسلم الأهلي.
وأكدت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أن حماية المهاجرين ليست قضية إنسانية فقط، بل مسألة ترتبط أيضاً بحماية المجتمع التونسي نفسه من الانزلاق نحو العنف والكراهية.
وقالت منظمة العفو الدولية إن التصدي لخطاب الكراهية يتطلب مقاربة شاملة تشمل تطبيق القانون، ومكافحة التحريض الرقمي، وتعزيز التوعية المجتمعية، وضمان حماية الفئات الهشة.
وفي ظل استمرار الأزمات الاقتصادية والسياسية وتزايد الضغوط المرتبطة بملف الهجرة، تبدو تونس أمام اختبار حقوقي وإنساني صعب، يتجاوز حدود إدارة الهجرة إلى معركة أوسع تتعلق بحماية الكرامة الإنسانية ومنع انتشار العنصرية والكراهية داخل المجتمع.
تحوّلت تونس خلال العقد الأخير إلى إحدى أبرز نقاط عبور المهاجرين وطالبي اللجوء من إفريقيا جنوب الصحراء نحو أوروبا، خاصة بعد تراجع بعض مسارات الهجرة الأخرى في المنطقة، وفي فبراير 2023، أثارت تصريحات رسمية تونسية تربط بين الهجرة غير النظامية وتغيير التركيبة الديمغرافية للبلاد موجة انتقادات واسعة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية، بعدما أعقبتها حملات اعتداء وطرد واسعة ضد المهاجرين الأفارقة.
ومنذ ذلك الحين، وثقت منظمات تونسية ودولية ارتفاعاً في خطاب الكراهية والعنف ضد المهاجرين، بالتزامن مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، وتواصل الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدعوة إلى اعتماد سياسات تحترم حقوق الإنسان وتحارب العنصرية وخطابات التحريض، مع التأكيد على أن حماية المهاجرين واللاجئين تمثل التزاماً قانونياً وأخلاقياً يقع على عاتق الدولة والمجتمع معاً.

