منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المرأة تحت سلطة التطرّف.. كيف تعيد الجماعات المتشددة تشكيل المجتمع؟

31 مايو 2026

حين تسيطر الجماعات المتطرفة على المجتمعات لا تصبح المرأة مجرد ضحية جانبية للنزاع، بل هدفاً مباشراً لإعادة تشكيل الحياة الاجتماعية وفق تصورات مغلقة للسلطة والدور والهوية، فالتعليم والعمل والتنقل والمشاركة العامة تتحول من حقوق أساسية إلى مساحات خاضعة للرقابة والمنع، بينما يُعاد رسم موقع المرأة داخل المجتمع بمنطق السيطرة والخوف.

وخلال السنوات الماضية لم تقتصر آثار الجماعات المتطرفة على العنف المسلح أو التحولات السياسية، بل امتدت إلى فرض قيود اجتماعية وثقافية مسّت حياة النساء بصورة مباشرة، خاصة في المناطق التي خضعت لسيطرة تنظيمات متشددة.

وفي كثير من الحالات تحوّلت النساء إلى أهداف مباشرة لسياسات الإقصاء والتهميش والعنف، ضمن محاولات إعادة تشكيل المجال العام وفق رؤى أيديولوجية مغلقة.

يركز هذا التقرير على العراق ونيجيريا وأفغانستان لأنها تمثل نماذج مختلفة لانعكاس التطرف على حياة النساء، ففي العراق ارتبطت الانتهاكات بالعنف المباشر والاستعباد الجنسي خلال سيطرة تنظيم داعش، بينما ظهر في نيجيريا استهداف الفتيات عبر الاختطاف ومنع التعليم، في حين تعكس الحالة الأفغانية كيف يمكن أن تتحول القيود المفروضة على النساء إلى سياسات منظمة تحد من التعليم والعمل والمشاركة العامة حتى بعد تراجع المواجهات المسلحة.

المرأة بين العنف والإقصاء

أظهرت تقارير صادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء والفتيات يتعرضن بدرجة أكبر لأشكال متعددة من العنف أثناء النزاعات المسلحة، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي والزواج القسري والحرمان من الحقوق الأساسية.

كما أشارت الهيئة إلى أن النزاعات تؤثر على النساء بصورة غير متناسبة، حيث ارتفع عدد النساء والفتيات اللائي يعشن في مناطق نزاع إلى أكثر من 614 مليونا حول العالم بحلول عام 2023، وفق تقرير “المرأة والسلام والأمن”.

كما تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” إلى أن النزاعات والتطرف المسلح من أبرز أسباب حرمان ملايين الفتيات من التعليم، مع تعرض المدارس والكوادر التعليمية للاستهداف في بعض مناطق النزاع.

من العنف المباشر إلى تقييد الحقوق

من أبرز الأمثلة على الانتهاكات التي طالت النساء ما تعرضت له النساء الإيزيديات في العراق خلال هجمات تنظيم داعش عام 2014، حيث جرى اختطاف نحو 7 آلاف امرأة وفتاة، تعرض عدد كبير منهن للاستعباد والانتهاكات الجسيمة التي اعتُبرت لاحقا جزءا من إبادة جماعية.

وفي نيجيريا أشارت تقارير دولية إلى أن جماعة “بوكو حرام” اختطفت عام 2014 نحو 276 طالبة من مدينة شيبوك، في واحدة من أبرز الحوادث المرتبطة باستهداف الفتيات في مناطق سيطرة التنظيمات المتشددة.

أما في أفغانستان، فقد ذكرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن ما يقارب 80 بالمئة من النساء الشابات أصبحن خارج التعليم أو العمل أو التدريب في ظل القيود المفروضة على النساء بعد عودة طالبان إلى الحكم، ما يعكس تحوّل الانتهاكات من العنف المباشر إلى تقييد الحقوق الأساسية المتعلقة بالتعليم والعمل والمشاركة العامة.

حماية المرأة قضية أساسية

أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في كلمة سابقة له بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، أن “العنف ضد النساء والفتيات يبقى وصمة على جبين الإنسانية”، وذلك ضمن دعوات أممية لتعزيز حماية النساء في مناطق النزاعات ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

كما شددت المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة سيما بحوث على أن “حقوق المرأة ليست قابلة للتفاوض حتى في أوقات الأزمات والنزاعات”، داعية إلى ضمان مشاركة النساء في جهود السلام وإعادة بناء المجتمعات.

المرأة كجزء من مشروع السيطرة

يرى أستاذ علم الاجتماع عبد الوهاب الشارني أن الحديث عن وضع المرأة في ظل الجماعات المتطرفة لا ينفصل عن طبيعة المشروع الفكري والاجتماعي الذي تتبناه هذه الجماعات، مشيرا إلى أن التطرف لا يقتصر على البعد الديني فقط، بل قد يأخذ أشكالًا أيديولوجية وسياسية مختلفة، وهو ما ينعكس على صورة المرأة ودورها داخل المجتمع.

ويقول الشارني، في حديثه لـ«صفر»، إن الجماعات المتشددة غالبًا ما تحمل تصورا محددا لدور المرأة داخل المجال العام، حيث يتم التعامل مع العمل والتعليم والمشاركة الاجتماعية وحتى اتخاذ القرار انطلاقًا من تمثلات ذهنية واجتماعية تحدد مكانة المرأة وحدود حضورها داخل المجتمع.

ويؤكد الشارني أن صورة المرأة وحقوقها في ظل الجماعات المتشددة ترتبط غالبًا بمحاولة فرض نموذج اجتماعي يعيد تنظيم المجال العام وفق رؤية أيديولوجية مغلقة، ما يجعل تقييد النساء جزءا من إعادة تشكيل المجتمع ككل، وليس مجرد استهداف لفئة بعينها.

وفي ظل الجماعات المتطرفة لا تُقيَّد حركة المرأة فقط، بل يُعاد توجيه مسار مجتمعات كاملة عبر السيطرة على التعليم والعمل والحياة العامة.

وبين العنف والخوف والحرمان تتحول قضية المرأة من ملف اجتماعي إلى قضية حقوق إنسان تمس الكرامة والحق في الحياة والمشاركة والوجود الآمن داخل المجتمع.