في إحدى قاعات الإيواء المؤقتة في جنوب لبنان، يجلس أطفال فقدوا منازلهم خلال موجات التصعيد العسكري بين إسرائيل وحزب الله، يرسمون بيوتاً مهدمة وسماءً مثقلة بالدخان. هذه المشاهد التي وثقتها تقارير ميدانية صادرة عن منظمة اليونيسف في لبنان تعكس تحول الطفولة في مناطق النزاع إلى تجربة يومية محكومة بالخوف والنزوح والقلق، حيث يصبح الورق الأبيض مساحة بديلة للتعبير عن واقع لا يمكن وصفه بالكلمات.
وتأتي مبادرة الفنان اللبناني عابد القادري ضمن هذا السياق، حيث يسعى إلى استخدام الرسم كأداة دعم نفسي غير رسمي للأطفال النازحين، في ظل محدودية خدمات الصحة النفسية في مناطق الجنوب المتضررة من القصف المتكرر.
نزوح يكشف حجم الأزمة الإنسانية
تشير بيانات حديثة صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف في مارس 2026 إلى أن التصعيد العسكري الأخير في لبنان أدى إلى نزوح أكثر من 370 ألف طفل خلال ثلاثة أسابيع فقط، بمعدل يقارب 19 ألف طفل يومياً، وهو ما وصفته المنظمة بأنه أحد أسرع موجات النزوح في تاريخ البلاد الحديث.
كما تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن إجمالي عدد النازحين في لبنان خلال فترات التصعيد الأخيرة تجاوز 1.1 مليون شخص، بينهم مئات الآلاف من الأطفال، مع لجوء العديد من العائلات إلى مدارس ومراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن موجات النزوح المتكررة في جنوب لبنان تسببت في انهيار شبه جزئي للخدمات التعليمية والصحية في بعض القرى الحدودية، حيث تحولت المدارس إلى ملاجئ مؤقتة، ما أدى إلى تعطيل العملية التعليمية لعشرات آلاف الطلاب.
خسائر تتجاوز الأرقام
تؤكد منظمة اليونيسف أن الأطفال يشكلون ما يقارب 40 في المئة من إجمالي المتضررين من النزاع في لبنان خلال عام 2025، مع تسجيل مئات القتلى والجرحى في صفوفهم منذ بداية التصعيد. كما تشير بيانات المنظمة إلى أن النزاع المسلح أدى إلى إصابات نفسية واسعة النطاق بين الأطفال تشمل القلق المزمن واضطرابات النوم والخوف المستمر من الأصوات العالية والانفجارات.
وفي تقرير حديث صادر عن منظمة الصحة العالمية، يتعرض ما بين 20 و30 في المئة من الأطفال في مناطق النزاع عالمياً لأعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وترتفع هذه النسبة في البيئات التي تشهد قصفاً متكرراً ونزوحاً متكرراً كما هو الحال في جنوب لبنان.
وتحذر المنظمة من أن غياب التدخل النفسي المبكر قد يؤدي إلى آثار طويلة الأمد على النمو المعرفي والاجتماعي للأطفال، بما في ذلك صعوبات التعلم والعزلة الاجتماعية.
سياق ممتد من التصعيد
منذ تصاعد المواجهات الحدودية بين إسرائيل وحزب الله، شهد جنوب لبنان موجات متكررة من القصف والاشتباكات، أدت وفق تقارير الأمم المتحدة إلى مقتل مئات المدنيين وإصابة آلاف آخرين، إضافة إلى تدمير واسع للبنية التحتية في القرى الحدودية.
وتشير بيانات وزارة الصحة اللبنانية وتقارير الأمم المتحدة إلى أن التصعيد العسكري منذ عام 2024 وحتى 2026 تسبب في أكثر من مليون حالة نزوح داخلي متكررة، مع تسجيل خسائر بشرية شملت أطفالاً ونساءً في مناطق متفرقة من الجنوب.
كما وثقت منظمات حقوقية مثل منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش مخاوف متكررة بشأن القصف العشوائي على مناطق مدنية، داعية إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني الذي يحظر استهداف المدنيين ويشدد على مبدأ التمييز والتناسب في العمليات العسكرية.
الرسم كأداة دعم نفسي غير رسمي
في ظل غياب بنية متكاملة للصحة النفسية في مناطق النزاع، تظهر مبادرات محلية مثل مبادرة الفنان اللبناني عابد القادري كأشكال من التدخل المجتمعي غير الرسمي لدعم الأطفال، وتعتمد المبادرة على الرسم كوسيلة للتفريغ النفسي، حيث يُطلب من الأطفال التعبير عن تجاربهم اليومية المرتبطة بالنزوح والخوف وفقدان المنزل.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الأنشطة الفنية مثل الرسم تعد جزءاً من مفهوم الدعم النفسي والاجتماعي في حالات الطوارئ، حيث تساعد الأطفال على إعادة تنظيم مشاعرهم والتعبير عن الصدمة بطريقة غير لفظية، خاصة في البيئات التي تفتقر إلى مختصين نفسيين.
كما تؤكد اليونيسف أن إنشاء المساحات الصديقة للأطفال في مناطق النزاع يعد من أهم أدوات الحماية النفسية، حيث توفر بيئة آمنة تسمح باللعب والتعلم والتعبير عن الذات بعيداً عن الضغوط المباشرة للنزاع.
تحديات مركبة
لا يقتصر أثر الحرب على الجانب النفسي فقط، بل يمتد إلى الجوانب الاقتصادية والتعليمية، إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أكثر من 80 في المئة من سكان لبنان يعيشون تحت خط الفقر متعدد الأبعاد في عام 2025، ما يضع الأسر النازحة في حالة هشاشة مضاعفة.
وفي قطاع التعليم، تشير تقارير اليونيسف إلى أن عشرات آلاف الأطفال في الجنوب اللبناني يواجهون انقطاعاً متكرراً عن الدراسة بسبب تحويل المدارس إلى مراكز إيواء أو صعوبة الوصول إليها نتيجة القصف أو النزوح.
كما تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن استمرار النزاع يؤدي إلى فقدان جيل كامل من الأطفال لفرص تعليم مستقرة، وهو ما ينعكس على المدى الطويل في ارتفاع معدلات التسرب المدرسي وضعف المهارات الأساسية.
حماية الأطفال في النزاعات المسلحة
ينص القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقيات جنيف، على حماية الأطفال والمدنيين في أوقات النزاع المسلح، ويحظر استهداف المناطق السكنية أو استخدام القوة العسكرية بشكل عشوائي يؤدي إلى أضرار غير متناسبة.
وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن حماية الأطفال في النزاعات ليست التزاماً قانونياً فقط، بل مسؤولية مباشرة على جميع الأطراف، وتشمل ضمان التعليم والصحة والحماية النفسية خلال وبعد النزاع.
كما تدعو المنظمات الحقوقية إلى تعزيز آليات المساءلة الدولية في حال وقوع انتهاكات ضد المدنيين، بما في ذلك التحقيق في الهجمات التي تؤدي إلى نزوح واسع أو إصابات بين الأطفال.
بين الألم ومحاولة استعادة الطفولة
في قلب هذا المشهد المعقد، تصبح مبادرة الرسم للأطفال في جنوب لبنان محاولة لإعادة تعريف الطفولة في زمن الحرب، الأطفال الذين يرسمون بيوتاً محروقة وسماءً مليئة بالطائرات لا يصفون فقط واقعهم، بل يعيدون تشكيله بطريقة تمنحهم قدراً من السيطرة على تجربة فقدانهم.
حتى الآن، نظّم القادري العديد من الجلسات للرسم في العديد من المؤسسات، من بينها ثانوية بعاصير الرسمية ومركز الشويفات الثقافي والاجتماعي، حيث تقيم عائلات نازحة. ويُدعى الأطفال جميعاً للرسم على لفائف طويلة من الورق، وهو ما أثبت أنه تجربة مفعمة بالفرح والتحرّر بالنسبة إليهم.
ويقول الفنان اللبناني: “إنها مساحة بيضاء آمنة تتيح لهم التعبير بحرية عن حزنهم وألمهم وفرحهم وأحلامهم”.
وتشير اليونيسف إلى أن التدخلات النفسية المبكرة، حتى البسيطة منها، يمكن أن تقلل من آثار الصدمة وتساعد الأطفال على استعادة الإحساس بالأمان تدريجياً، خاصة في بيئات النزاع الطويل.
تكشف تجربة الأطفال النازحين في جنوب لبنان أن الحرب لا تنتهي عند خطوط التماس العسكرية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية الأكثر هشاشة، خصوصاً الطفولة، وبينما تقدم مبادرات الرسم مساحة مؤقتة للتعبير والتخفيف، يبقى حجم الأزمة أوسع من قدرة المبادرات الفردية على معالجته، ما يضع المجتمع الدولي أمام تحدي حماية الأطفال ليس فقط من القصف، بل من آثار الحرب الممتدة على مستقبلهم النفسي والتعليمي والاجتماعي.

