فيروس هانتا… ذلك المرض الذي كنت تتمنى ألّا تسمع باسمه أبداً، قبل أن تعود إلى ذهنك صور جائحة كورونا بكل مخاوفها. خلال الأيام الماضية، شاهدت تغطيات إعلامية هستيرية، وقرأت تحليلات غريبة على مواقع التواصل، ولذلك أتفهم تماماً حالة الارتباك التي يعيشها كثيرون بشأن ما يحدث.
دعوني أوضح الأمر أولاً: نحن لا نعيش “كوفيد جديداً”. كوفيد كان استثناءً تاريخياً، وليس كل تفشٍّ وبائي يعني تلقائياً تكرار السيناريو نفسه.
تفشيات فيروس هانتا السابقة جرى احتواؤها، رغم أن أياً منها لم يحدث على متن سفينة سياحية بهذا الشكل. وحتى الآن، يبقى الخطر على عامة الناس منخفضاً. أنا وزملائي نواصل حياتنا بشكل طبيعي، مع مراقبة ما إذا كانت ستظهر إصابات جديدة خارج دائرة ركاب السفينة الأصلية. هذه النقطة تحديداً ستكون العامل الحاسم: هل سنشهد انتقالاً أوسع للعدوى، أم إننا بالفعل نقترب من نهاية التفشي؟
أول ما يجب فهمه هو أن إصابات فيروس هانتا تحدث باستمرار حول العالم، لكن الناس ببساطة لا يسمعون عنها. ربما لم تسمعوا مثلاً بتفشي سلالة “الأنديز” في الأرجنتين عام 2018، والذي تسبب في 34 إصابة مؤكدة و11 وفاة.
ما يجعل التفشي الحالي مختلفاً هو وقوعه على متن سفينة سياحية تقل نحو 150 شخصاً من 23 جنسية مختلفة. والسفن السياحية تحديداً تُعد كابوساً صحياً عند ظهور الأوبئة، بسبب المساحات المغلقة، والتنقل المستمر بين الموانئ، وطبيعة الركاب القادمين من دول متعددة، وصعوبة إدارة الاستجابة الصحية بعد اكتشاف الفيروس.
وهنا يظهر السؤال المعقد: هل تُبقي الجميع على متن السفينة مع خطر انتقال العدوى بينهم؟ أم تسمح لهم بالنزول والعودة إلى بلدانهم، مع احتمال نشر الفيروس عالمياً؟
المشكلة أن عدداً من الركاب غادروا السفينة بالفعل قبل اكتشاف التفشي، واستقلوا رحلات تجارية إلى بلدانهم، ما يعني أن احتمالات التعرض للفيروس أصبحت أوسع. لكننا لن نعرف الصورة الحقيقية إلا خلال الأسابيع المقبلة.
وعندما سمع خبراء الصحة العامة باسم “هانتا”، كان الأمل أن تكون أي سلالة أخرى غير “الأنديز”؛ لأن هذه السلالة تحديداً قادرة على الانتقال بين البشر، وقد تسببت سابقاً في أحداث عدوى جماعية واسعة.
ويزيد القلق أن فترة الحضانة قد تمتد من أسبوع إلى ثمانية أسابيع، ما يعني أن الشخص الذي تظهر نتيجته سلبية اليوم قد يصبح مصاباً ومعدياً لاحقاً.
ولا نملك حتى الآن لقاحاً متعمداً، أو علاجاً نوعياً، أو حتى اختباراً سريعاً فعالاً لهذه السلالة. لذلك، نعتمد على الإجراءات التقليدية: العزل، والحجر الصحي، وارتداء كمامات N95، وقطع سلاسل العدوى.
خلال أيام سنعرف عدد الإصابات الإضافية بين ركاب السفينة، ولذلك أتوقع ظهور حالات جديدة. كما سنعرف خلال أسابيع ما إذا كانت العدوى انتقلت إلى مخالطين آخرين عبر الطائرات أو الدول التي عاد إليها الركاب. وحتى الآن، لم تُسجل مثل هذه الحالات، وهذه إشارة إيجابية… لكنها لا تزال مرحلة مبكرة جداً.
ومن الضروري أن يحصل العائدون إلى بلدانهم على دعم طبي ولوجستي ونفسي يسمح لهم بالالتزام بفترة الحجر الصحي الكاملة التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، ومدتها 42 يوماً. فطول فترة الحضانة يعني أن الإصابات قد تظهر بعد شهر أو شهرين، ما قد يخلق سلاسل عدوى جديدة.
كما أننا أمام وضع غير معتاد يعتمد على قدرة 23 حكومة مختلفة على إدارة عودة مواطنيها بكفاءة.
الأمر أصبح أكثر تعقيداً بسبب غياب الدور الأمريكي التقليدي في قيادة الاستجابة الوبائية عبر مراكز السيطرة على الأمراض CDC، بعد انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية وتسريح مفتشي السفن السياحية التابعين للمراكز.
لكن يُحسب لمنظمة الصحة العالمية أنها قادت الاستجابة الحالية بفاعلية، عبر التنسيق بين طاقم السفينة والحكومات المختلفة لضمان استجابة متماسكة.
وفي بريطانيا لعبت وكالة الأمن الصحي البريطانية بقيادة البروفيسورة سوزان هوبكنز دوراً مهماً في إدارة الأزمة بشكل علمي وهادئ. ومن الخطوات الذكية التي اتخذتها استخدام شقق معزولة داخل مستشفى “آرو بارك” لإيواء العائدين من السفينة، مع توفير اختبارات وفحوصات ومتابعة طبية منتظمة لهم.
وحتى إذا ظهرت إصابات جديدة، فالعلماء يتحركون بالفعل للبحث عن حلول: دراسات اللقاحات تتسارع، وأدوية قائمة تُختبر ضد الفيروس، كما تُطوَّر وسائل تشخيص جديدة.
ومعرفة أن بعضاً من أفضل العقول العلمية في العالم يعملون الآن على احتواء هذا الفيروس قد تساعدك قليلاً على النوم بهدوء الليلة.
نقلاً عن الجارديان
