يبدو أن إدارة خدمات الأطفال في نيويورك منشغلة أكثر بحماية نفسها من المساءلة، لا بحماية الأطفال، هذا هو الانطباع الذي يخرج به أي قارئ لتقرير جديد أصدرته إدارة التحقيقات في المدينة، يكشف كيف تحجب إدارة خدمات الأطفال سجلات بالغة الأهمية عن الجهة الرقابية التي من المفترض أن تراقب أداءها.
التقرير الذي يحمل عنوان: «تم رفض الوصول: التحديات التي تواجه رقابة إدارة التحقيقات على نظام رعاية الطفل»، يوضح أن الإدارة مُنعت مراراً من التحقيق في مزاعم تتعلق بسوء السلوك والاعتداءات الجنسية من قبل موظفي الحالات، كما حُرمت من الاطلاع على سجلات تدخل الإدارة مع عائلات أطفال انتهى بهم الأمر إلى الموت.
خذوا مثلاً قضية براين سانتياغو ووالدته اللذين عُثر عليهما متوفيين داخل شقتهما في أغسطس 2024، وبحسب ما نشرته صحيفة «نيويورك بوست»، فإن والدة براين «خضعت لتحقيق من إدارة خدمات الأطفال، بل وتم انتزاع ابنها منها مؤقتاً في مرحلة سابقة، قبل أن يموت طفلها من ذوي الاحتياجات الخاصة الذي كان يعتمد على أنبوب تغذية، على الأرجح جوعاً».
من الطبيعي أن تكون هذه القضية موضع تحقيق دقيق من إدارة التحقيقات، لكن الإدارة نفسها تقول إنها «لم تتمكن من تقييم ما إذا كانت التفاعلات السابقة مع الأسرة كان يمكن أن تؤدي إلى تدخلات ربما أنقذت حياة براين».
والأمر ذاته ينطبق على قضية الطفل دينيل تيمبرليك البالغ من العمر خمس سنوات الذي توفي قبل شهر من براين بعد تناوله مادة الميثادون الخاصة بوالده.
شرطة نيويورك أكدت لوسائل الإعلام أن الأسرة كانت لديها سوابق طويلة في قضايا إهمال الأطفال. لكن ماذا فعلت السلطات في تلك التحقيقات؟ قد لا نعرف ذلك أبداً.
في عام 2023 سُجلت 45 حالة وفاة لأطفال كانت لإدارة خدمات الأطفال تعاملات سابقة مع أسرهم، لكن إدارة التحقيقات لم تتمكن من الاطلاع إلا على سجلات 25 حالة فقط.
كيف يُمنع جهاز التحقيقات من التحقيق؟ القانون في ولاية نيويورك يحظر على إدارة التحقيقات الوصول إلى فئتين من السجلات؛ الأولى تخص البلاغات التي تم التحقيق فيها وانتهت إلى اعتبارها «غير مثبتة».
ولفهم عبثية هذه السياسة، تخيلوا الأمر في سياق أمني، لنفترض أن الشرطة كانت تبحث عن قاتل، واستجوبت المشتبه به، لكنه كذب عليهم ولم يتحققوا من روايته، ثم لاحقاً، يتم القبض عليه أثناء ارتكابه جرائم أخرى. بالتأكيد سيتساءل الرأي العام: لماذا لم توقفه الشرطة منذ البداية؟.
لكن وفق المنطق نفسه، بما أن الشرطة لم تتوصل إلى نتيجة في التحقيق الأول، فلن يكون بإمكان أحد الاطلاع على أي معلومات تخص ذلك الفشل، وبالطريقة ذاتها، إذا أخفقت إدارة خدمات الأطفال في ملاحظة مؤشرات واضحة على الإساءة أو الإهمال، واعتبرت البلاغ «غير مؤسس»، ثم انتهى الأمر بموت الطفل، ألا يحق لنا أن نعرف أين أخطأت الإدارة؟ وهل تجاهلت إشارات تحذير واضحة؟.
هذه السياسة لا تعاقب الفشل، بل تكافئه.. أو تكافئ العمى المتعمد.
أما الفئة الثانية من السجلات التي لا تستطيع إدارة التحقيقات الوصول إليها، فتتعلق بالحالات التي تصنفها إدارة خدمات الأطفال بأنها «منخفضة الخطورة»، فتُحوّلها من التحقيق الرسمي إلى مسار غير تحقيقي يُعرف باسم «التقييم والتفاعل والدعم التعاوني» أو CARES، وهو برنامج يقتصر على تقييم «احتياجات الأسرة ومخاوفها».
ومنذ إطلاق البرنامج على مستوى المدينة عام 2020، استمر في التوسع حتى بات يشمل ربع القضايا تقريباً، لكن هل كل هذه الأسر بالفعل منخفضة الخطورة؟ حتى الآباء المنخرطون في تعاطي المخدرات أو النشاط الإجرامي يمكن تحويلهم إلى هذا البرنامج، والكثير من الأسر التي تبدو فقط فقيرة أو محتاجة إلى خدمات اجتماعية، قد تكون في الحقيقة غارقة في الإدمان أو تعاني أمراضاً نفسية حادة.
كان من الضروري معرفة ما إذا كانت السلطات تقلل فعلاً من مستوى الخطر داخل هذه الأسر، لكن بفضل هذه السياسة العبثية، قد لا نعرف الحقيقة أبداً، وحتى في الحالات التي يتم فيها إخطار إدارة التحقيقات، فإن المعلومات التي تحصل عليها تبقى ناقصة بسبب هذه الثغرات القانونية.
في عام 2025 أُبلغت الإدارة بـ18 حالة وفاة لأطفال كانت هناك تعاملات سابقة مع أسرهم، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى السجل الكامل في 17 حالة منها. وفي 2024 كانت النسبة 13 من أصل 16، وفي 2023 بلغت 19 من أصل 25.
كما أن إدارة التحقيقات مسؤولة أيضاً عن التحقيق في القضايا التي يُتهم فيها موظفو إدارة خدمات الأطفال بارتكاب مخالفات جنائية، فبين عامي 2023 و2026، تلقت الإدارة شكاوى تتعلق بسوء سلوك جنسي من موظفين تجاه أطفال كانوا ضمن ملفاتهم.
وعندما طلبت الاطلاع على سجلات هؤلاء الموظفين لمعرفة ما إذا كانوا قد استهدفوا أطفالاً آخرين، رفض مكتب خدمات الأطفال والأسر في الولاية الطلب. المكتب برر الرفض بحماية خصوصية الضحايا. لكنه لم يسأل الضحايا أصلاً، بل قرر من تلقاء نفسه أن «اعتبارات الخصوصية يجب أن تتفوق على التحقيق في الجرائم المزعوم ارتكابها بحقهم».
ولأن مكتب خدمات الأطفال والأسر يعمل بشكل متكرر جنباً إلى جنب مع إدارة خدمات الأطفال، فإن توليه مهمة التحكم في الوصول إلى سجلات الإدارة يمثل تضارب مصالح واضحاً. يجب أن يشعر الرأي العام بالغضب من هذا الغياب الفاضح للشفافية، ومعالجة هذه المشكلات لن تتم إلا عبر تشريعات على مستوى الولاية. لكن المؤسف أن ثقافة «عدم رؤية الشر» باتت متغلغلة في أوساط القيادات السياسية والإدارية في المدينة والولاية.
وهي الثقافة نفسها التي أدت إلى حظر البلاغات المجهولة عن إساءة معاملة الأطفال، وتثبيط المعلمين عن إبلاغ السلطات بحالات الإهمال، والتعامل مع إدمان الآباء أو نشاطهم الإجرامي باعتباره أمراً غير مؤذٍ، بل وحتى الادعاء بأن التحقيق في إساءة معاملة الأطفال ليس سوى شكل من أشكال “العنصرية البنيوية”، لقد حان الوقت لكشف المسيئين والبيروقراطيين الذين يحمونهم.
نقلا عن نيويورك بوست
