وسط تصاعد المعلومات المضللة وخطابات الكراهية والانتهاكات الرقمية، دخلت مصر مرحلة جديدة من النقاش حول مستقبل الإعلام الإلكتروني، بعد إطلاق مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان مسودة مدونة السلوك للإعلام الرقمي، في خطوة أعادت فتح ملف التوازن بين حرية التعبير وتنظيم المحتوى الإلكتروني، وسط ترحيب من جهات حقوقية وإعلامية اعتبرت المدونة محاولة لمواجهة الفوضى الرقمية، وتحفظات من منظمات معنية بالحريات الرقمية طالبت بضمان عدم تحولها إلى أداة لتقييد الرأي والتعبير.
وتأتي المبادرة في وقت يشهد فيه الفضاء الرقمي في مصر توسعًا غير مسبوق، حيث أظهرت بيانات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصرية لعام 2025 أن عدد مستخدمي الإنترنت تجاوز 88 مليون مستخدم، فيما بلغ عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من 50 مليون مستخدم، بينما أشارت بيانات منصة “داتا ريبورتال” الدولية إلى أن المصريين يقضون في المتوسط أكثر من 7 ساعات يوميا على الإنترنت، وهو ما جعل المنصات الرقمية المصدر الأكثر تأثيرا في تشكيل الرأي العام وتداول الأخبار والمعلومات.
وأكدت “مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان”، في بيان رسمي، أن المدونة تهدف إلى وضع مبادئ وإرشادات لممارسي الإعلام الرقمي وتشجيعهم على الالتزام بالمعايير القانونية والأخلاقية أثناء تداول المعلومات، مع فتح حوار مجتمعي أوسع حول التأثير المتزايد للمعلومات المضللة وخطابات الكراهية على المؤسسات والأفراد والمجتمع.
وقال أيمن عقيل، رئيس مؤسسة ماعت ونائب رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للاتحاد الإفريقي، إن المدونة تستهدف تهيئة بيئة رقمية تحترم حقوق الإنسان وتواجه المعلومات المضللة والعنف الرقمي وخطابات الكراهية، موضحا أن إعدادها استند إلى مراجعة عدد من الاتفاقيات الدولية والمعايير الخاصة بأخلاقيات الصحافة والإعلام الرقمي، بما يتوافق مع الدستور المصري والتزامات مصر الدولية.
وأضاف عقيل أن المدونة تركز على حماية الفئات الأكثر عرضة للاستهداف الرقمي، خاصة النساء والأطفال، عبر وضع معايير تتعلق بمنع التشهير واحترام الخصوصية وعدم التحريض على العنف أو التمييز، إلى جانب تعزيز مفهوم الإعلام المسؤول القائم على التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية.
تنظيم المحتوى الرقمي
تأتي المدونة في سياق عالمي يتجه بشكل متسارع نحو تنظيم الفضاء الرقمي، خاصة بعد تصاعد حملات التضليل الإلكتروني والمحتوى العنيف وخطابات الكراهية عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وسبق أن أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، في تقريرها الصادر عام 2025 حول “حوكمة المنصات الرقمية”، أن المعلومات المضللة أصبحت تهديدا مباشرا للاستقرار المجتمعي والثقة العامة والحقوق الفردية، خاصة خلال الأزمات السياسية والصحية والنزاعات المسلحة.
وأوضحت “اليونسكو” أن تنظيم المحتوى الرقمي يجب أن يقوم على حماية حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات، مع وضع آليات واضحة لمنع التحريض والعنف والتلاعب بالمعلومات.
كما شددت الأمم المتحدة، عبر تقارير المقرر الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير، على أن أي سياسات لتنظيم الإعلام الرقمي يجب أن تكون محددة وواضحة وضرورية ومتناسبة، حتى لا تتحول إلى أدوات للرقابة أو التضييق على الصحفيين والنشطاء والمستخدمين.
وفي هذا الإطار، قالت مارينا سامي، مديرة وحدة الإعلام بمؤسسة ماعت، إن متابعة المحتوى الرقمي في مصر كشفت عن ممارسات تتعارض مع المعايير الأخلاقية والمبادئ الدولية، من بينها نشر تفاصيل تخص ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، واستخدام لغة تحريضية أو وصم اجتماعي أو محتوى مضلل على بعض المنصات الرقمية.
وأوضحت سامي أن المدونة تغطي كل أشكال الإعلام الرقمي، بما في ذلك منصات التواصل الاجتماعي، وتركز على احترام الخصوصية والالتزام بلغة خالية من التحريض والكراهية والتضليل، بما يعزز ثقة الجمهور في المحتوى الإعلامي.
فوائد وانتهاكات
يرى مؤيدو المدونة أن أهميتها ترتبط بمحاولة وضع قواعد مهنية واضحة في ظل اتساع الفضاء الإلكتروني وغياب معايير ملزمة لبعض أشكال المحتوى المنشور عبر المنصات الرقمية.
وأشارت بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للأخبار رفع من مخاطر انتشار المعلومات الكاذبة، خاصة بين الفئات العمرية الصغيرة.
وأكد المجلس القومي للمرأة في مصر، في بيانات رسمية وتقارير صادرة عن مكتب شكاوى المرأة ووحدات الدعم الرقمي التابعة له، تسجيل ارتفاع ملحوظ في البلاغات المرتبطة بالعنف الإلكتروني والابتزاز الرقمي والتنمر والتشهير عبر منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، خاصة ضد النساء والفتيات، وأوضح المجلس أن منصات مثل “فيسبوك” و”تيك توك” و”إنستغرام” أصبحت من أكثر الوسائل المستخدمة في جرائم الابتزاز الإلكتروني وانتهاك الخصوصية ونشر الصور والمحتوى المسيء دون موافقة الضحايا.
وأشار المجلس القومي للمرأة إلى أن وحدة مكافحة العنف ضد المرأة تلقت آلاف الشكاوى المرتبطة بالعنف الإلكتروني منذ عام 2020، مع تصاعد واضح في البلاغات خلال 2024 و2025، خاصة بين الفتيات في الفئة العمرية من 18 إلى 35 عاما، وهو ما دفع المجلس إلى توسيع برامج التوعية الرقمية والتعاون مع وزارة الداخلية والنيابة العامة ومنصات التواصل الاجتماعي لملاحقة الحسابات المتورطة في الابتزاز والتحرش الرقمي.
وأكدت دراسة صادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء والفتيات في المنطقة العربية يتعرضن بشكل متزايد للعنف القائم على النوع الاجتماعي عبر الإنترنت، بما يشمل التهديد والتشهير وخطابات الكراهية والملاحقة الرقمية، مشيرة إلى أن الخوف من الوصم المجتمعي يدفع العديد من الضحايا إلى عدم الإبلاغ عن الانتهاكات.
كما أوضحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، في تقريرها حول العنف الرقمي ضد النساء الصحفيات، أن 73 في المئة من الصحفيات حول العالم تعرضن لشكل واحد على الأقل من أشكال العنف الإلكتروني، بما في ذلك التهديدات الجنسية والتشهير والتحريض، وهو ما ينعكس أيضا على الناشطات وصانعات المحتوى في الفضاء الرقمي العربي.
وفي مصر، أثارت عدة قضايا شهيرة مرتبطة بالابتزاز الإلكتروني والتنمر ضد فتيات وناشطات عبر مواقع التواصل خلال السنوات الأخيرة حالة من الجدل المجتمعي الواسع، ما دفع منظمات حقوقية ونسوية إلى المطالبة بوضع معايير أكثر وضوحا لحماية الخصوصية الرقمية ومنع إعادة نشر المحتوى المسيء أو تداول بيانات الضحايا.
وأكدت “مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان” أن مدونة السلوك للإعلام الرقمي تتضمن بنودا خاصة بمواجهة المحتوى المسيء والعنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي، مع التشديد على احترام الخصوصية وعدم نشر بيانات أو صور ضحايا العنف والجريمة، باعتبار ذلك جزءا من حماية الحقوق الإنسانية داخل الفضاء الإلكتروني.
كما شددت منظمة العفو الدولية على أن حماية النساء والفتيات من العنف الرقمي لا يجب أن تتم على حساب حرية التعبير، بل عبر تطبيق قواعد واضحة وشفافة تجرم التحريض والتشهير والابتزاز وتحافظ في الوقت نفسه على الحقوق الرقمية والحريات الأساسية، وترى مؤسسة ماعت أن المدونة قد تساعد في الحد من الممارسات الرقمية الضارة، خاصة المحتوى الذي ينتهك الخصوصية أو يحرض على الكراهية أو يعيد نشر صور وبيانات ضحايا العنف والجريمة دون حماية قانونية أو إنسانية.
ويؤكد خبراء أمن المعلومات أن تنامي تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق “ديب فيك” زاد من صعوبة التحقق من المحتوى الرقمي، ما يجعل الحاجة إلى معايير مهنية وأخلاقية أكثر إلحاحا.
وأظهرت دراسة صادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2025 أن المعلومات المضللة الناتجة عن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت من أكبر التهديدات العالمية المرتبطة بالأمن المجتمعي والاستقرار السياسي.
مخاوف حقوقية
في المقابل، أثارت المدونة نقاشا واسعا داخل الأوساط الحقوقية والإعلامية حول حدود التنظيم وإمكانية استخدام بعض المعايير بصورة فضفاضة قد تؤثر على حرية التعبير.
وقد أشارت منظمة “مراسلون بلا حدود” في تقرير حرية الصحافة لعام 2025 أن عددا من الدول تستخدم قوانين مكافحة الأخبار الكاذبة أو خطاب الكراهية لتقييد الصحافة الرقمية أو فرض قيود على المحتوى النقدي.
كما شددت منظمة العفو الدولية على ضرورة أن تكون أي قواعد لتنظيم الإعلام الرقمي متوافقة مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأن تتسم بالوضوح والدقة وألا تستخدم لاستهداف الصحفيين أو النشطاء أو المعارضين السياسيين.
وتنص المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صدقت عليه مصر، على حماية حرية التعبير وحق الأفراد في نقل المعلومات والأفكار وتلقيها، مع السماح بقيود محددة فقط عندما تكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو حقوق الآخرين.
وأكدت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، قبل توقف نشاطها، في عدة تقارير سابقة، أن مواجهة المعلومات المضللة لا يجب أن تؤدي إلى فرض قيود واسعة على حرية النشر والتعبير، داعية إلى الاعتماد على الشفافية والتوعية وتعزيز المهنية الصحفية.
مقارنات دولية
لا تنفصل المدونة المصرية عن موجة تشريعات وتنظيمات دولية ظهرت خلال السنوات الأخيرة لتنظيم عمل المنصات الرقمية.
فقد أقر الاتحاد الأوروبي قانون الخدمات الرقمية الذي يفرض التزامات على شركات التكنولوجيا الكبرى لمواجهة المحتوى غير القانوني وخطابات الكراهية والمعلومات المضللة.
كما اعتمدت ألمانيا قانون تنفيذ الشبكات الذي يلزم المنصات الرقمية بإزالة المحتوى المخالف خلال مدد زمنية محددة، بينما أقرّت فرنسا تشريعات تتعلق بمكافحة التضليل الإعلامي خلال الانتخابات.
وفي المقابل، واجهت بعض هذه القوانين انتقادات من منظمات حقوقية خشيت من تحولها إلى أدوات رقابية أو فرض قيود على المحتوى المشروع.
بيئة رقمية وقانونية
شهدت مصر منذ عام 2011 توسعا متسارعا في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، بالتزامن مع تحول المنصات الإلكترونية إلى مساحة رئيسية للنقاش السياسي والاجتماعي والإعلامي.
كما أصدرت الدولة خلال السنوات الماضية قوانين تتعلق بمكافحة جرائم تقنية المعلومات وتنظيم الصحافة والإعلام، في محاولة لمواكبة التغيرات السريعة في البيئة الرقمية.
وتشير بيانات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إلى استمرار ارتفاع معدلات استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، مع توسع الاعتماد على التطبيقات الرقمية في الحياة اليومية والإعلام والتجارة والتعليم.
وفي ظل هذا التحول الرقمي المتسارع، تبدو مدونة السلوك للإعلام الرقمي جزءا من نقاش عالمي متصاعد حول كيفية تحقيق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية وحماية الأفراد من التضليل والعنف الرقمي، وهو نقاش لا يزال مفتوحا بين الحكومات والمنظمات الحقوقية والمؤسسات الإعلامية وشركات التكنولوجيا في مختلف دول العالم.

