منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

دخل يومه السبعين.. انقطاع الإنترنت في إيران يهدد شركات بالإغلاق وتسريح العمال

09 مايو 2026
انتقطاع الانترنت في إيران يدخل يومه السبعين
انتقطاع الانترنت في إيران يدخل يومه السبعين

تواجه الشركات في إيران أزمة اقتصادية متصاعدة مع دخول انقطاع الإنترنت يومه السبعين، في واحدة من أطول وأشد عمليات تقييد الاتصال الرقمي التي تشهدها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

ولم يعد أثر الأزمة محصوراً في صعوبة التواصل أو تعطل الخدمات الإلكترونية، بل امتد إلى قلب النشاط الاقتصادي، حيث تتضرر شركات التجارة الإلكترونية، والإعلانات، والملابس، والخدمات الرقمية، والعمل الحر، وسلاسل التوريد المرتبطة بالإنترنت.

وبحسب تقرير لوكالة بلومبرج، فإن الانقطاع المطول للإنترنت يفرض ضغوطاً شديدة على القطاع الخاص الإيراني، وسط تحذيرات من أصحاب أعمال ومسؤولين في قطاعات صناعية من موجة تسريحات واسعة وإغلاق شركات.

ونقلت الوكالة عن “أمير”، وهو مالك شركة ملابس في طهران توظف بين 50 و60 عاملاً، قوله إن “موجة تسريح العمال، والصدمة الاقتصادية، والركود” سببها الأساسي “الحصار الرقمي وليس القصف”، طالباً عدم الكشف عن اسمه الكامل خوفاً من استهدافه من السلطات.

حصار رقمي طويل

وفق منظمة NetBlocks المتخصصة في مراقبة الإنترنت، دخل انقطاع الإنترنت في إيران يومه السبعين، متجاوزاً 1,656 ساعة من القيود الواسعة على الاتصال بالشبكة العالمية.

ووصفت تقديرات منشورة الانقطاع بأنه من أطول عمليات الإغلاق الوطني للإنترنت في “مجتمع متصل”، مع عزل قطاعات واسعة من السكان عن الإنترنت العالمي منذ أسابيع طويلة.

وتشير تقارير دولية إلى أن الإغلاق بدأ على مراحل خلال عام 2026، مع قيود في يناير مرتبطة بالاحتجاجات، ثم عاد بصورة أشد بعد التصعيد العسكري في نهاية فبراير، ومنذ ذلك الوقت، ظل معظم الإيرانيين محرومين من الوصول الطبيعي إلى الإنترنت العالمي، في حين بقيت بعض الخدمات المحلية أو الشبكات الخاضعة للرقابة متاحة بصورة محدودة.

وتقول الحكومة الإيرانية إن القيود مرتبطة بالظروف الأمنية والحرب، لكن مراقبين يرون أن استمرارها حول الإنترنت إلى أداة للسيطرة على تدفق المعلومات والحياة الاقتصادية، وأعاد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص.

خسائر اقتصادية فادحة

قدرت NetBlocks خسائر الاقتصاد الإيراني جراء القيود بأكثر من 2.6 مليار دولار حتى الآن، في حين تحدثت تقارير أخرى عن خسائر يومية تتراوح بين عشرات الملايين من الدولارات.

ونقلت وكالة رويترز أن تكلفة التعطيل قد تصل إلى 80 مليون دولار يومياً، في ظل اعتماد قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني على الاتصال الرقمي في التسويق، والدفع، والتوريد، والعمل عن بعد.

وفي أبريل 2026 نقلت تقارير عن وزير الاتصالات الإيراني ستار هاشمي تقديرات بخسائر تصل إلى 35 مليون دولار يومياً، في مؤشر على إدراك داخل الحكومة لحجم الضرر الاقتصادي الناجم عن الإغلاق.

وتظهر الأزمة بوضوح في الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على منصات التواصل، وخدمات الدفع، والإعلانات الرقمية، والتواصل مع العملاء، فهذه الشركات لا تملك غالباً احتياطات مالية كبيرة، ولا قدرة على التحول السريع إلى بدائل تقليدية، ما يجعلها الأكثر عرضة للإغلاق أو خفض العمالة.

أعمال تحت الضغط

تضررت قطاعات عديدة، من الموضة والملابس إلى اللياقة والإعلانات وتجارة التجزئة. وذكرت تقارير أن إيرادات الكثير من الأعمال “تبخرت” تقريباً مع انقطاع الإنترنت، خصوصاً تلك التي بنت نموذجها التجاري على البيع عبر المنصات الرقمية أو التواصل المباشر مع العملاء.

وتكمن خطورة الأزمة في أن الاقتصاد الإيراني كان قد تكيف جزئياً مع العقوبات الدولية عبر الاقتصاد الرقمي، حيث وفرت المنصات الإلكترونية مساحة للعمل الحر، والتسويق، والبيع، وتجاوز بعض القيود التقليدية. لكن الإغلاق الطويل ضرب هذه المساحة، وأعاد كثيراً من الشركات إلى حالة شلل شبه كامل.

وبحسب تقارير إيرانية ودولية، تضررت سلاسل الإمداد أيضاً، إذ أدى ضعف الاتصال إلى تعطيل التواصل بين الموردين والمصانع والمتاجر والعملاء، ما ضاعف آثار الأزمة إلى جانب أضرار الحرب والبنية التحتية والأسعار.

تسريحات وإغلاقات

يحذر أصحاب أعمال من أن استمرار الإغلاق قد يدفعهم إلى تسريح موظفين أو إغلاق شركاتهم نهائياً. فالشركات التي تعتمد على المبيعات الإلكترونية لا تستطيع دفع الرواتب والإيجارات والموردين إذا توقفت الطلبات والتواصل مع العملاء لفترة طويلة.

وتلخص شهادة مالك شركة الملابس في طهران حجم الأزمة: فالشركة التي توظف بين 50 و60 عاملاً تجد نفسها أمام ضغط مباشر، ليس بسبب نقص الطلب فقط، بل بسبب انقطاع قنوات الوصول إلى السوق، وهذا النموذج يتكرر في قطاعات كثيرة تعتمد على الإنترنت، من التجارة إلى التدريب والخدمات والاستشارات والتسويق.

وتشير هذه الشهادات إلى أن الأزمة الرقمية تتحول تدريجياً إلى أزمة عمالة، حيث قد يدفع الموظفون والعاملون المستقلون ثمناً مباشراً في شكل فقدان دخل أو وظائف، في حين يجد أصحاب الأعمال أنفسهم بين خيارين: تقليص النشاط أو الإغلاق.

إنترنت محدود للأعمال

أمام حجم الخسائر، وافق المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني على خطة مؤقتة لتخفيف القيود على بعض الشركات تحت مسمى “Internet Pro”، وهي آلية تسمح لفئات تجارية محددة بالوصول إلى الإنترنت العالمي بدرجة أقل تقييداً.

وذكرت رويترز أن الخطوة تهدف إلى تقليل الضرر الاقتصادي بعد دخول الإغلاق شهره الثالث.

لكن هذه الخطوة لم تنهِ الأزمة. فهي محدودة وموجهة لفئات بعينها، في حين يبقى معظم الإيرانيين والشركات الصغيرة والمستقلين خارج نطاق الوصول الطبيعي، كما تثير الخطة مخاوف من خلق نظام اتصال طبقي، يحصل فيه بعض الفاعلين الاقتصاديين على امتياز الوصول، في حين يبقى المجتمع الأوسع محاصراً رقمياً.

وتعكس هذه الاستجابة الرسمية اعترافاً ضمنياً بأن الإغلاق الكامل لم يعد قابلاً للاستمرار اقتصادياً، لكنه في الوقت نفسه لا يمثل عودة حقيقية للإنترنت المفتوح.

حرية المعلومات

لا تقتصر آثار الانقطاع على الاقتصاد. فالإغلاق يحد من قدرة المواطنين على الوصول إلى الأخبار المستقلة، والتواصل مع الخارج، وتوثيق الانتهاكات أو آثار الحرب.

وذكرت “الغارديان” أن الإيرانيين باتوا يعتمدون بدرجة كبرى على شبكات محلية خاضعة للرقابة، في حين أصبحت أدوات تجاوز الحجب مكلفة وصعبة ومحدودة.

وتشير منظمات مراقبة الإنترنت إلى أن الإغلاق يمنع التوثيق المستقل للأحداث داخل البلاد، ويجعل الوصول إلى المعلومات مرهوناً بالقنوات الرسمية أو الشبكات المراقبة، وهذا البعد الحقوقي يجعل الأزمة أعمق من مجرد خسائر مالية؛ لأنها تمس حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات.

وفي ظل الحرب والتوترات الداخلية، يصبح الإنترنت بالنسبة للمواطنين وسيلة حيوية لمعرفة ما يجري، والتواصل مع ذويهم، وطلب المساعدة، وإدارة أعمالهم. لذلك فإن قطعه لفترة طويلة يخلق أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية في وقت واحد.

مستقبل غامض

رغم الحديث الرسمي عن إمكانية استعادة الاتصال الطبيعي عند استقرار الأوضاع، لا توجد مؤشرات واضحة على موعد إنهاء القيود. وتبدو السلطات عالقة بين هاجس السيطرة الأمنية على المعلومات، وضغط الخسائر الاقتصادية المتصاعدة، وغضب أصحاب الأعمال والمواطنين.

وبينما تحاول الحكومة تقديم حلول انتقائية للشركات، يؤكد خبراء ومراقبون أن الاقتصاد لا يمكن أن يعمل بكفاءة عبر استثناءات محدودة، وأن استمرار الحصار الرقمي يهدد بتحويل الأزمة المؤقتة إلى تدمير طويل الأمد لقطاعات كاملة من الاقتصاد الرقمي الإيراني.

وفي المحصلة، يدخل انقطاع الإنترنت في إيران مرحلة أكثر خطورة؛ فلم يعد مجرد أداة أمنية أو ظرف حرب، بل أصبح عاملاً مباشراً في الركود، وتسريح العمال، وإغلاق الأعمال، وعزل المجتمع عن العالم، وإذا استمرت القيود، فقد تكون كلفة “الحصار الرقمي” على الاقتصاد الإيراني أكبر من بعض آثار الحرب نفسها، كما يقول أصحاب الأعمال المتضررون.