كشف تقرير لصحيفة “واشنطن بوست” عن تصاعد حاد في حجم المنشورات التي ينشرها الرئيس التنفيذي لشركات تسلا وسبيس إكس، إيلون ماسك، حول قضايا العرق عبر منصته “إكس”، حيث وصل عددها إلى نحو 850 منشوراً خلال الأشهر الأخيرة، ما يعادل قرابة ثلاثة أضعاف المعدل المسجل خلال العامين السابقين، في تحول وصفته الصحيفة بأنه يعكس انتقالاً تدريجياً من الخطاب التجاري والتكنولوجي إلى خطاب سياسي-هوياتي أكثر حدة.
وربط التقرير هذا التحول بتزامن نشاط ماسك الرقمي مع صعود دوره السياسي ودعمه العلني للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال انتخابات 2024، ما أعاد تشكيل صورته العامة بوصفه فاعلاً مؤثراً في الجدل السياسي الأمريكي وليس مجرد رجل أعمال في قطاع التكنولوجيا.
واستعرضت الصحيفة أن ماسك نشر ما يقرب من 850 منشوراً متعلقاً بالعرق خلال فترة تمتد لسبعة أشهر، شكلت نحو 6% من إجمالي تفاعلاته الرقمية، مع استخدام كلمة “أبيض” في أكثر من نصف تلك المنشورات، وهو ما يعكس، وفق تحليلها، تركيزاً متزايداً على الهوية العرقية بوصفها محوراً رئيسياً في خطابه.
وأوضحت أن ماسك نشر محتوى متعلقاً بالعرق في 166 يوماً من أصل 197 يوماً، ما يشير إلى نمط يومي شبه مستمر من التفاعل مع هذا الملف، بدلاً من كونه موضوعاً عابراً أو ظرفياً.
وتضمنت منشورات ماسك عبارات مثل “البيض أقلية تتلاشى بسرعة”، إلى جانب اتهامات بوجود “دعاية مسمومة ضد البيض” في الغرب، فضلاً عن إدخاله العرق في نقاشات تتعلق بالتوظيف والسياسات العامة والتاريخ الاستعماري، ومنه الإشادة بدور البيض في إنهاء العبودية، وهو ما أثار انتقادات أكاديمية وحقوقية اعتبرت أن هذا الخطاب يعيد إنتاج سرديات سياسية شديدة الحساسية.
تحول في أولويات ماسك
أشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن الرئيس التنفيذي لإيلون ماسك استخدم منصته “إكس” لترويج أفكار تتجاوز حدود النقاش الاقتصادي والتكنولوجي، لتشمل اتهامات مباشرة لشخصيات عامة وأدوات ذكاء اصطناعي بالانحياز ضد البيض والآسيويين، إضافة إلى خوضه نقاشات تتعلق بجنوب إفريقيا، حيث يدعي وجود تمييز ممنهج ضد البيض في مرحلة ما بعد الفصل العنصري.
وقد تزامن هذا الخطاب مع ضغوط تجارية تواجه شركاته، منها تسلا وسبيس إكس، في وقت تشهد فيه الأخيرة خططاً لطرح أسهمها للاكتتاب العام ودمج بعض مشاريعها في الذكاء الاصطناعي.
قالت المؤسسة المشاركة للمشروع العالمي لمكافحة الكراهية والتطرف، هايدي بيريتش، إن ماسك “يتبنى في هذه المرحلة خطاباً يتقاطع مع سرديات تفوق العرق الأبيض”، مضيفة أن تصريحاته حول “انقراض البيض بوصفه أقلية” تعكس تحولاً لافتاً في طبيعة خطابه العام.
كما أشار تحليل الصحيفة إلى أن بعض المستثمرين باتوا يعدون الجدل المرتبط بماسك يمثل “تكلفة سياسية” مرتبطة بالاستثمار في شركاته، رغم استمرار التركيز على قيمتها السوقية.
وذكرت الصحيفة أن بعض المسهمين في تسلا حاولوا الحد من انشغالاته السياسية عبر حزم تحفيزية ضخمة، في محاولة لإعادة تركيزه على أعمال الشركة، إلا أن استمرار نشاطه السياسي والإعلامي أعاد طرح أسئلة حول حدود الفصل بين إدارة الشركات والتعبير السياسي لرؤسائها التنفيذيين، خاصة في ظل التأثير الواسع لمنصاته الرقمية التي يتابعها مئات الملايين حول العالم.
تفاعل مع قضايا العرق
من جانبها، أبرزت صحيفة “الغارديان” في تحليل لها أن إيلون ماسك نشر منشورات تتعلق بالعرق في 26 يوماً من أصل 31 يوماً خلال يناير، معتبرة أن هذا النمط يعكس انخراطاً شبه يومي في إعادة إنتاج خطاب يقترب من سرديات اليمين المتطرف.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن ماسك نشر عبارات تتعلق بـ”تهديد العرق الأبيض” وادعاءات حول “الإبادة الجماعية للبيض”، إلى جانب إعادة نشر محتوى من حسابات يمينية متشددة على منصته.
ونقلت “الغارديان” عن هايدي بيريتش، قولها إن إزالة اسم ماسك من تلك المنشورات يجعلها “غير قابلة للتمييز عن خطاب دعاة تفوق العرق الأبيض”، مضيفة أنه بات “منغمساً بعمق في القومية البيضاء”.
كما أشار ويليام برانيف، المدير السابق لمكتب منع الإرهاب والتطرف بوزارة الأمن الداخلي الأمريكية، إلى أن هذا النوع من الخطاب يعكس روايات معروفة في أوساط المتطرفين، ترتبط بنظريات مؤامرة مثل “الاستبدال العظيم”.
وأضافت الصحيفة أن خطورة هذا الخطاب لا تكمن فقط في محتواه، بل في حجمه وانتشاره؛ نظراً لكون ماسك أحد أكثر الشخصيات متابعة على الإنترنت، ما يمنحه قدرة على إعادة تشكيل النقاش العام حول قضايا حساسة مثل الهجرة والهوية والتمييز، وهو ما اعتبره خبراء تطرف عاملاً قد يسهم في تطبيع أفكار كانت تُصنف سابقاً على هامش الخطاب العام.
انقسام في الرأي العام
تابعت صحيفة “الإندبندنت” في تغطيتها أن إيلون ماسك نشر أكثر من 850 منشوراً حول العرق خلال الأشهر الأخيرة، ما أدى إلى انقسام واضح في قاعدة متابعيه بين مؤيدين يرون أنه يعبر عن “حرية التعبير”، ومعارضين يعدون خطاباته باتت تتقاطع مع أفكار قومية متطرفة.
وأشارت الصحيفة إلى أن تحليل “واشنطن بوست” أظهر أن هذه المنشورات تضمنت ادعاءات متكررة مثل “الإبادة الجماعية للبيض”، إضافة إلى إعادة نشر محتوى من حسابات يمينية متشددة.
ونقلت الإندبندنت عن أحد المستثمرين السابقين في تسلا قوله إن الاستثمار في ماسك أصبح “تفضيلاً للمال على الأخلاق”، في إشارة إلى الجدل المتصاعد حول تأثير تصريحاته في صورة شركاته. كما أوضحت أن ماسك نشر تعليقاً في ديسمبر 2025 اعتبر فيه أن هناك دعوات علنية لـ”إبادة البيض”، إضافة إلى منشورات أخرى أعادت إنتاج خطاب يتعلق بالهجرة والهوية الديموغرافية في الولايات المتحدة وأوروبا.
وأضافت الصحيفة أن هذا النمط من الخطاب يتزامن مع استمرار ماسك في إعادة نشر محتوى حسابات يمينية متطرفة، ما يعزز المخاوف من تأثيره في تشكيل الرأي العام، خاصة في ظل قدرته على الوصول إلى مئات الملايين من المتابعين، واعتبرت أن استمرار هذا الجدل يضع شركاته أمام اختبار مزدوج يتعلق بالسمعة من جهة، وباستقرارها الاستثماري من جهة أخرى.
لم يعد الجدل حول خطاب إيلون ماسك مجرد نقاش حول منشورات فردية، بل أصبح جزءاً من جدل أوسع حول حدود نفوذ رجال التكنولوجيا في السياسة والإعلام، وحول الخط الفاصل بين حرية التعبير وخطاب الكراهية، في سياق عالمي يشهد تصاعداً في الاستقطاب حول قضايا الهوية والعرق والهجرة.
