منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بيت هيغسيث.. وزير أوبئة أمريكا الجديد

24 أبريل 2026
جنود مصابون بـالإنفلونزا الإسبانية يتلقون العلاج في كولورادو عام 1918
جنود مصابون بـالإنفلونزا الإسبانية يتلقون العلاج في كولورادو عام 1918

الإمبراطور الصيني كانغشي في القرن السابع عشر مدين بعرشه لمرض الجدري. فوالده توفي بالمرض وهو في الثانية والعشرين عام 1661، في حين نجا كانغشي وكان في السابعة  بعدما أصيب به سابقاً، وهو ما رجّح كفته على شقيقه الأكبر، في وقت كان الوباء يحصد النخبة الحاكمة بلا رحمة.

سلالة تشينغ التي ينتمي إليها كانت من المانشو، وهم شعب بدوي غزا الصين عام 1644. لم يكونوا يعرفون نظرية الجراثيم، لكنهم لاحظوا أن الصينيين -بحكم عيشهم في تجمعات أكثر كثافة- غالباً ما يصابون بنسخة أخف من الجدري في سن مبكرة. لذلك أمر كانغشي بإخضاع عائلته لعملية “التجدير”، وهي شكل بدائي من التحصين يقوم على تعريض الأصحاء للعدوى بشكل متعمد. وفي عام 1681، وسّع القرار ليشمل جيوش المانشو، فجرى تحصين أكثر من 4 ملايين جندي وأقاربهم.

بعد نحو 350 عاماً، يبدو أن فهم وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث للعلم ولوجستيات الجيش أقل بكثير من فهم كانغشي. فقد قرر إلغاء إلزامية لقاح الإنفلونزا السنوي للجنود الأمريكيين، معتبراً ذلك انتصاراً للحرية. لكن التاريخ العسكري، على امتداده، يثبت بوضوح قاسٍ مدى خطورة هذا القرار.

منذ فجر التاريخ، كانت الجيوش تحمل الأمراض معها. “طاعون أثينا” الذي يُرجح أنه كان حمى التيفوئيد أو التيفوس اجتاح المدينة عام 430 قبل الميلاد، ونقله بحارة أثينا وجنود إسبرطة. وفي عام 165 الميلادي أعادت الجيوش الرومانية الجدري من أطراف الإمبراطورية الشرقية، متسببة في وفاة ما بين 5 و10 ملايين شخص.

وفي معركة “المنحدرات الحمراء” عام 208، أُضعف جيش القائد الصيني تساو تساو بشكل قاتل بسبب تفشي الحمى، ما اضطره إلى الانسحاب. وعلى العكس، تمتعت الجيوش التي اتخذت احتياطات طبية مثل قوات تشينغ بأفضلية واضحة. وعندما قضت تشينغ على المغول الدزنغار عام 1755 كان نحو خُمسَي السكان قد هلكوا بالفعل بسبب الجدري.

الجيش بيئة مثالية لانتشار الأوبئة: جنود متكدسون في مساحات ضيقة، وغالباً في ظروف صحية سيئة. الجرحى أكثر عرضة للعدوى، في حين كانت الممارسات الطبية القديمة بأدواتها الملوثة وأياديها غير المغسولة تزيد الوضع سوءاً. كما أن الجيوش تسافر وتغزو، حاملة معها أمراضاً جديدة. وحتى القرن العشرين، كان من المعتاد أن تفقد الجيوش جنوداً بسبب المرض أكثر مما تفقدهم في المعارك.

الولايات المتحدة لم تكن استثناءً. فقد كان المرض القاتل الأول لجنود الحرب الأهلية والحرب العالمية الأولى على حد سواء. ولم يتغير هذا النمط إلا في الحرب العالمية الثانية. خلال الحرب العالمية الأولى، كانت الإنفلونزا القاتل الأكبر، إذ أودت بحياة 45 ألف جندي أمريكي، إلى جانب أكثر من 600 ألف مدني. وانتقل وباء 1918 بين أوروبا والأمريكتين عبر سفن الجنود، مصيباً ما بين 20% و40% من أفراد الجيش الأمريكي. وعُرف بـ“الإنفلونزا الإسبانية” لأن إسبانيا -المحايدة في الحرب- نشرت أعداد ضحاياها، في حين أخفت الدول المتحاربة بياناتها خشية إظهار ضعف جيوشها.

منذ تأسيس الولايات المتحدة، سعى قادتها للحد من خسائر الأمراض في صفوف الجيوش. فقد أمر جورج واشنطن، كما فعل كانغشي قبله بقرن، بتطعيم جنوده ضد الجدري، معتبراً أن معدل وفاة يبلغ 2% نتيجة التجدير أفضل بكثير من فقدان ثلث الجيش بسبب المرض. وفي الحرب العالمية الثانية، نجح الأطباء والقادة العسكريون الأمريكيون في قلب المعادلة بفضل اللقاحات والمضادات الحيوية الحديثة وبنية طبية عسكرية ضخمة.

إن تراجع الأوبئة في الجيوش اليوم هو ثمرة عقود من عمل الأطباء. لكن الحرب التي يشنها الحزب الجمهوري على اللقاحات بقيادة وزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت ف. كينيدي الابن وبدعم من هيغسيث قد تقوض هذا الإنجاز. صحيح أن الطب الحديث يقلل من خطورة التفشي، لكن المرض، حتى إن لم يكن قاتلاً، يضعف الجنود ويقلل من كفاءتهم.

كما أن الجنود ينقلون الأمراض إلى المدنيين، ما يخلق كوارث صحية وتداعيات سياسية. ففي هايتي، أعاد جنود حفظ السلام النيباليون التابعون للأمم المتحدة، بعد زلزال 2010، مرض الكوليرا إلى بلد لم يشهده منذ قرن. وقد تسبب معسكر واحد سيئ الصرف الصحي في إصابة أكثر من 800 ألف شخص ووفاة نحو 10 آلاف. وأنكرت الأمم المتحدة مسؤوليتها حتى عام 2016، ثم أخفقت في إدارة المساعدات لاحقاً. وليس من الصعب تخيل جيش يتبنى نهج هيغسيث وهو يكرر السيناريو ذاته في أماكن مثل إيران أو كوبا.

فكرة أن التطعيم الإجباري يقيد حرية الجنود تتناقض مع الإطار التاريخي والقانوني والثقافي للجيش الأمريكي. فحياة العسكريين محكومة بقيود لا تنطبق على المدنيين: في السفر، والصحة، والسلوك الشخصي، وحتى في تفاصيل المظهر والانضباط. ومع ذلك، لا تزال متطلبات تطعيم أخرى قائمة حتى الآن.

فلماذا اتخذ هيغسيث هذا القرار بالغ الخطورة؟ يعود جزء من الإجابة إلى السياسة الغريبة لحركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”، حيث تبرأ دونالد ترامب علناً من نجاح برنامج لقاحات كوفيد-19 لإرضاء تيارات مناهضة للتطعيم.

لكن القرار يرتبط أيضاً برؤية هيغسيث للجيش، حيث تُقدَّم “الذكورية البيضاء” على الخبرة والكفاءة. فهذه الدائرة مهووسة بصورة “المقاتل الصلب” الذي لا يمرض ولا يضعف، وكأن جسده محصن ضد العدوى، أو أن الإبر تهدد “نقاءه”. وهي أوهام نفسية تتقاطع مع أفكار انتقائية ترى أن الطبيعة ستقضي على “غير الجديرين”.

وزير الدفاع حاول بالفعل بشكل غير قانوني أن يعيد تسمية منصبه إلى “وزير الحرب”. لكن إذا مُنحت الفيروسات وقتاً كافياً، فقد يصبح لقب آخر أكثر ملاءمة: “أحد فرسان الأوبئة”.

نقلاً عن فاينانشيال تايمز