منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الأحوال الشخصية.. هل يكفي الإنصاف التشريعي لإنهاء أحد أكثر القضايا جدلاً في مصر؟

25 أبريل 2026
شهدت مصر محاولات متعددة لإصلاح منظومة الأحوال الشخصية
شهدت مصر محاولات متعددة لإصلاح منظومة الأحوال الشخصية

في قلب الحياة اليومية لملايين المصريين تتوارى معاناة صامتة خلف أبواب البيوت والمحاضر الشرطية معاناة ترتبط بما يُعرف بقوانين الأحوال الشخصية، وهذه القوانين التي تنظم أدق تفاصيل العلاقات الأسرية من زواج وطلاق وحضانة ونفقة لا تمثل مجرد نصوص قانونية، بل تشكل مصائر إنسانية تتقاطع فيها العدالة مع الواقع، والحقوق مع الأعراف، والنصوص مع معوقات التنفيذ.

على مدي عقود شهدت مصر محاولات متعددة لإصلاح منظومة الأحوال الشخصية، في سياق سعي الدولة لتحقيق قدر أكبر من التوازن بين أطراف العلاقة الأسرية، خاصة النساء والأطفال، إلا أن هذه الإصلاحات رغم أهميتها، تثير تساؤلاً جوهرياً فهل يكفي تعديل التشريعات لتحقيق الإنصاف، أم إن الأزمة أعمق من مجرد نص قانوني؟

ومن منظور حقوقي، لا يمكن إنكار أن بعض النصوص القانونية الحالية أسهمت في حماية حقوق أطراف بعينها، إلا أن الإشكالية الحقيقية تكمن في فجوة التطبيق، فكم من أحكام قضائية لصالح نفقة لا تُنفذ! وكم من أمهات يُستنزفن سنوات في أروقة المحاكم للحصول على حق أصيل في حضانة الأطفال أو رؤيتهم! وكم من آباء يجدون أنفسهم عاجزين عن رؤية أبنائهم في إطار قانوني يرونه مجحفاً! وهذه الأمثلة لا تعكس خللاً تشريعياً فحسب، بل تكشف عن عوار في منظومة متكاملة تحتاج إلى مراجعة شاملة.

وتتجلى الإشكالية أيضاً في بطء إجراءات التقاضي وتعقيدها، وغياب آليات فعالة للتنفيذ، فضلاً عن التفاوت في الوعي القانوني بين المواطنين، ولذلك تعجز القوانين عن تحقيق العدالة الفعلية، ففي كثير من الحالات، تجد النساء أنفسهن بين مطرقة النصوص القانونية وسندان الضغوط الاجتماعية، ما يحد من قدرتهن على المطالبة بحقوقهن أو الاستفادة منها.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تبني مقاربة شاملة للإصلاح، لا تقتصر على تعديل القوانين، بل تمتد إلى تطوير آليات التنفيذ، وتبسيط إجراءات التقاضي، وتعزيز دور مكاتب تسوية المنازعات الأسرية، إلى جانب نشر الوعي القانوني، وتمكين الفئات الأكثر هشاشة من الوصول إلى العدالة.

وفي هذا السياق، وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة بسرعة تقديم تعديلات قوانين الأحوال الشخصية والحماية الاجتماعية للأسر المصرية في مجلس النواب لمناقشتها والانتهاء من إقرارها دعماً لحماية حقوق الأبناء وحفاظاً على سلامة وأمان المجتمع والأسر المصرية.

ويناقش مجلس النواب المصري مقترح تعديلات على قانون الأحوال الشخصية، يتضمن حداً أدنى للنفقة لا يقل عن 10 آلاف جنيه (حوالي 190 دولاراً)، وأن تكون الحضانة للأم أولاً ثم تنتقل مباشرة إلى الأب، مع استبدال الرؤية بالاستضافة، وعدم سقوط الحضانة تلقائياً بزواج الحاضنة، وإتاحة رفع دعوى للحصول على ثلث ثروة الزوج عند ثبوت قدرته المالية.

العدالة داخل الأسرة

وقضية الأحوال الشخصية في مصر ليست مجرد ملف قانوني، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة والمجتمع على تحقيق العدالة داخل الأسرة، باعتبارها النواة الأولى لأي مجتمع يسعى إلى الاستقرار والإنصاف.

وتشير البيانات الرسمية في مصر إلى أن ملف الأحوال الشخصية، وخاصة الطلاق والخلع، ما يزال يعكس ضغوطاً اجتماعية متزايدة على الأسرة، فبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سُجل في مصر 936,739 عقد زواج خلال عام 2024 مقابل 273,892 حالة طلاق، ما يعني انخفاض الزواج 2.5% وارتفاع الطلاق 3.1% مقارنة بعام 2023، وعلى المستوى اليومي، يعادل ذلك نحو 748 حالة طلاق يومياً في المتوسط خلال 2024.

وفي البعد الحقوقي تؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن إصلاح الخلع في مصر بموجب القانون رقم 1 لسنة 2000 مثّل تحولاً مهماً لأنه أتاح للنساء طلب إنهاء الزواج من دون إثبات الضرر، لكنه لم ينهِ الجدل حول اختلال التوازن في قوانين الأسرة، إذ ما تزال منظمات نسوية وحقوقية ترى أن قضايا الطلاق والخلع والنفقة والحضانة تكشف حاجة مستمرة إلى قانون أحوال شخصية أكثر عدالة وإنصافاً للنساء والأطفال، وأقرب إلى واقع التفكك الأسري المتصاعد.

إضعاف البنية القانونية

من جانبها، أوضحت الحقوقية المصرية المعنية بقضايا المرأة، مي صالح، أن أزمة قانون الأحوال الشخصية في مصر لا يمكن معالجتها عبر مفهوم “الإنصاف التشريعي” وحده، مؤكدة أن هذه القوانين تُعد بطبيعتها تشريعات اجتماعية، وبالتالي فإن حل إشكالياتها لا يكون بالتعديل القانوني فقط، بل يتطلب أيضاً تغييراً في السياق الاجتماعي والثقافي المحيط بها.

وأشارت صالح، وهي عضو مجلس أمناء مؤسسة المرأة الجديدة في مصر، في تصريحات لـ”صفر”، إلى أن قانون الأحوال الشخصية يعاني من إشكالية تراكمية تمتد لأكثر من مئة عام، حيث خضع لسلسلة طويلة من التعديلات والتنقيحات، ما أدى إلى إضعاف بنيته الأصلية التي كان هدفها تنظيم الأسرة وحماية العلاقات الزوجية والحقوق المترتبة عليها.

وترى صالح أن تأخر إصدار القانون الجديد في ظل ما وصفته بـ”حالة اجتماعية محتدمة” قد ينعكس سلباً على جودة مخرجاته، موضحة أنه تم صدور توجيهات رئاسية لوزارة العدل بإعداد مسودة قانون، كما قدم المجلس القومي للمرأة مقترحات ومحددات مهمة، مشيرة إلى أنه كان من المتوقع أن تصدر المسودة خلال ستة أشهر في بيئة أكثر هدوءاً تسمح بنقاش متوازن.

وأضافت أن هذا المسار لم يُستكمل في توقيته المناسب، واستغرق أكثر من أربع سنوات، وخلال هذه الفترة تصاعدت حالة من الاحتقان المجتمعي، معتبرة أن جزءاً من هذا الاحتقان ارتبط بالمعالجات الدرامية لبعض القضايا الأسرية في الأعمال الفنية الأخيرة، وما أثارته من جدل واسع، مؤكدة أن إصدار أي تشريع في ظل هذا المناخ المشحون قد لا يؤدي إلى نتائج متوازنة أو معالجة فعالة.

ثقافة إدارة الخلافات

وعن البعد الحقوقي، شددت صالح على أن التعامل مع قضايا الأسرة لا يقتصر على التشريع فقط، بل يمتد إلى إعادة بناء الوعي المجتمعي، من خلال ترسيخ مفاهيم مثل المصلحة الفضلى للطفل، والشراكة بين الزوجين، واحترام مؤسسة الزواج سواء استمرت أو انتهت.

وأكدت أن هذا الدور لا بد أن تشارك فيه مؤسسات متعددة، منها الإعلام والفن والمدرسة ومراكز الشباب والمناهج التعليمية، بحيث يصبح اللجوء إلى المحاكم هو الخيار الأخير وليس الأول لإنهاء النزاعات الأسرية.

وفي سياق حديثها عن الاستقطاب الحاد في النقاشات المجتمعية حول القانون، أوضحت صالح أن المشكلة لا تتعلق بالنصوص القانونية فقط، بل أيضاً بغياب ثقافة إدارة الخلاف داخل الأسرة، مشيرة إلى وجود مظاهر “شيطنة متبادلة” بين بعض الأطراف، ما يفاقم الأزمة بدلاً من حلها.

وأضافت أن الواقع يتضمن مشكلات حقيقية تتعلق بالإنفاق على الأطفال وتنظيم حقوق الزيارة والرؤية، لكنها في الوقت ذاته انتقدت تحول بعض النزاعات إلى أدوات للمكايدة، على حد تعبيرها، داعية إلى تغليب المصلحة العليا للطفل في أي نقاش تشريعي، مؤكدة أن الأطفال هم الطرف الأكثر تضرراً من هذا النوع من الصراعات.

واختتمت بتأكيد أن استمرار حالة الاستقطاب الحالية لا يخدم أي طرف، مشددة على ضرورة وجود نقاشات مجتمعية أكثر عمقاً وتوازناً، إلى جانب أصوات عقلانية تركز على تنظيم العلاقات الأسرية بدلاً من الانحياز لطرف على حساب آخر، مع الإقرار في الوقت ذاته بالحاجة إلى وجود قانون ينظم هذه العلاقات ويضمن الحقوق في إطار من العدالة والاستقرار.

حقوق الرجال المهدرة

على طرف آخر، أوضح رئيس الجمعية المصرية للدفاع عن حقوق الرجل والطفل، المحامي أحمد رزق مطر، أن المؤشرات الراهنة تشير إلى وجود توجه جاد نحو تعديل سن الحضانة، في ظل ما وصفه بارتفاع ملحوظ في معدلات الطلاق وما يترتب عليها من إشكاليات اجتماعية وقانونية.

وأضاف مطر في تصريحات لـ”صفر”: “قمنا بالفعل برفع دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا للمطالبة بتخفيض سن الحضانة، كما أن موقف الأزهر الشريف شهد بعد نحو عشرين عاماً تطوراً في هذا الملف، حيث بات يؤكد أن مسألة سن الحضانة تخضع للاجتهاد والتجديد، وهناك اتجاه متزايد نحو إعادة النظر فيها”.

واعتبر مطر أن أبرز ما وصفه بـ”حقوق الرجل المهدرة” يرتبط بهذا التعديل، موضحاً أن النظام القائم أدى إلى أضرار جسيمة طالت الرجل، من فقدان المسكن والأبناء وأثاث المنزل وجزء من الدخل، إضافة إلى انعكاسات نفسية وصحية، وهو ما يجعل الحديث عن إنصاف تشريعي أمراً مطروحاً بقوة، مشيراً إلى أن هناك أكثر من 18 مليون رجل في مصر صدرت بحقهم أحكام متعلقة بالنفقات في قضايا الأسرة.

وأكد مطر أن تحقيق هذا الإنصاف يعتمد بالأساس على المسار التشريعي والرسمية القانونية: “الإجراءات التشريعية هي الأساس، وبمجرد صدور القانون ونشره في الجريدة الرسمية يصبح ملزماً لكافة مؤسسات الدولة والقضاء، دون الحاجة لأي مسارات أخرى”.

وأضاف: “في حال تم إقرار سن الحضانة بسن سبع أو تسع أو عشر أو اثني عشر عاماً، فإن كثيراً من الإشكاليات المرتبطة باستغلال الطفل أو النزاعات حول المسكن والنفقة والمتعة ستنتهي تلقائياً، وسيعود التوازن إلى الأسرة وفقاً للقانون”، مؤكداً أن الدولة قادرة على ضبط أي ممارسات من شأنها الإضرار بالأسرة أو المجتمع، في إطار الالتزام بالدستور والقانون.

تشريع يعيد التوازن المفقود

ومن جانبه، قال رئيس حزب الجيل وعضو مجلس الشيوخ، المستشار ناجي الشهابي، إن الهدف من تعديلات قانون الأحوال الشخصية المرتقبة، يتمثل في تحقيق الإنصاف التشريعي وترسيخ العدالة، والحفاظ على كيان الأسرة المصرية، وضمان تنشئة الأطفال تنشئة سليمة، سواء في حالات الانفصال أو استمرار العلاقة الزوجية.

وأوضح الشهابي لـ”صفر” أن كافة الإشكاليات التي شابت القانون الحالي وتعديلاته السابقة ستخضع للمراجعة الكاملة، مؤكداً أن الإنصاف التشريعي يعني استعادة بعض الحقوق التي فقدها الرجل بعد الطلاق في تعديلات سابقة، والتي تأثرت -بحسب تعبيره- ببعض النماذج الغربية.

وفيما يتعلق بما إذا كان تحقيق الإنصاف التشريعي يمثل نهاية المطاف في هذا الملف أم إن هناك حاجة أيضاً لتوعية مجتمعية، أشار إلى أن النقاشات الدائرة حول القانون جارية على نطاق واسع، سواء عبر البرامج التلفزيونية أو في عدد من المنتديات التي تتناول قضايا قانون الطفل والأسرة.

واستدرك: “لكننا في حاجة إلى حوار تشريعي حقيقي داخل مجلسي النواب والشيوخ، بحيث تكون اللجان المختصة على دراية كاملة بكل شواغل الرأي العام المصري، سواء المؤيد للمرأة أو المؤيد للرجل”.

وأكد الشهابي ضرورة أن تتوافق التعديلات مع الدستور ومبادئ العدالة، مشيراً إلى أن اضطراب التوازن داخل الأسرة في ظل القانون الحالي يؤدي إلى تغليب طرف على آخر، ما ينعكس سلباً على الطفل الذي قد يُحرم من الرعاية السليمة ويصبح الضحية الأولى.

وشدد على أهمية أن تفضي التعديلات إلى الحد من الإفراط في استخدام بعض الحقوق المرتبطة بالطلاق، ومنها اللجوء إليه بوصفه خياراً سهلاً للحصول على المسكن أو المستحقات المالية.

واختتم: “نحن نسعى إلى قانون يعيد التوازن للأسرة المصرية عبر تحقيق العدالة بين الطرفين وحماية الطفل، ما ينعكس على خفض معدلات الطلاق التي ارتفعت من نحو 50 ألف حالة عام 2005 إلى ما يقرب من 315 ألف حالة في عام 2026”.

 

 

 

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان