بقلم: ستيف كوهين
تشهد عمليات الاحتيال التي تستهدف كبار السن تصاعداً مقلقاً، ولم يعد مقبولاً أن تظل البنوك والشركات تتعامل معها بقدر من اللامبالاة أو غض الطرف.
ظنّ جيفري ماس أنه يقوم بعمل نبيل، حين حاول المساعدة في تصحيح خطأ قيل له إنه قد يدمّر المسار المهني لشخص ما. لكن سذاجته قادته إلى فخ احتيالي شائع، كلّفه معظم مدخرات عمره.
ماس، وهو متقاعد يبلغ من العمر 76 عاماً ويقيم في ولاية نيوجيرسي، قرأ رسالة بريد إلكتروني تلقاها ملايين غيره: “شكراً لطلبك برنامج نورتون لمكافحة الفيروسات… بقيمة 691.85 دولار… إذا رغبت في تأكيد أو إلغاء الاشتراك، يُرجى الاتصال…”.
وللأسف، اتصل ماس بالفعل لإلغاء اشتراك لم يطلبه أصلاً، ليجد نفسه منجرفاً داخل مخطط احتيالي كلّفه مئات الآلاف من الدولارات. ولم يكن وحده؛ إذ يقدّر مكتب التحقيقات الفيدرالي أن ما يُعرف بـ”خدعة المخترق الوهمي/الوسيط” تكلّف الأمريكيين -ومعظمهم من كبار السن- أكثر من 500 مليون دولار سنوياً، والأسوأ أن هذا الرقم على الأرجح أقل بكثير من الواقع؛ لأن كثيرين يشعرون بالخجل من الاعتراف بأنهم تعرضوا للاحتيال، فلا يبلّغون السلطات.

يُعد جيفري ماس من القلائل الذين تجرؤوا على الإعلان عن تعرضهم للخداع، وهو اليوم يحاول منع آخرين من الوقوع في الفخ نفسه. فقد أسهم في التعرف على أحد المحتالين (من المستوى الأدنى) الذي تم توقيفه وتوجيه الاتهام إليه. كما رفع دعوى مدنية لا تستهدف المحتالين فقط، بل تمتد إلى بنك إقليمي كبير وتاجر عملات معدنية ثمينة، ساعدا -بشكل أو بآخر- في تمكين هذه الجريمة.
وتتخذ عمليات الاحتيال التي تستهدف كبار السن أشكالاً متعددة، فهناك احتيالات مرتبطة ببرامج الرعاية الصحية، تُغري المسنين بالحصول على معدات طبية “مجانية” أو غير ضرورية مقابل تسليم بياناتهم الشخصية.
وهناك ما يُعرف بحيل “الأحفاد”، حيث تصل رسائل نصية أو مكالمات -أحياناً بأصوات مقلّدة- من أشخاص يدّعون أنهم أحفاد في ورطة ويحتاجون إلى تحويل مالي عاجل. كما تنتشر حيل اليانصيب التي تطلب من “الفائز” دفع رسوم أو ضرائب قبل استلام الجائزة، وعمليات الاحتيال العاطفي التي يبني فيها المحتالون علاقات وهمية عبر الإنترنت لأسابيع أو أشهر قبل طلب المال، فضلاً عن انتحال صفة موظفي الضرائب الذين يهددون بالاعتقال ما لم يتم الدفع فوراً عبر بطاقات الهدايا أو التحويلات.

ورغم تنوع هذه الأساليب، فإن القاسم المشترك بينها واضح: استهداف كبار السن الذين قد يكونون أقل إلماماً بالتكنولوجيا، وأكثر ثقة أو قابلية للتصديق، وبالتالي أكثر عرضة للخسارة، وغالباً بخسائر أكبر من غيرهم.
وتشير بيانات جمعية المتقاعدين الأمريكيين إلى أن من هم في السبعينيات من عمرهم يبلغ متوسط خسارتهم نحو ألف دولار لكل واقعة احتيال، مقابل 417 دولاراً فقط لمن هم في العشرينيات.
أما في عمليات الاحتيال الاستثماري، فيصل متوسط الخسارة إلى 20 ألف دولار لدى كبار السن، مقابل 1551 دولاراً لدى الأصغر سناً. ويقدّر مكتب التحقيقات الفيدرالي أن الأمريكيين خسروا نحو 4.9 مليار دولار بسبب الاحتيال في عام 2024، بزيادة 43% على العام السابق.
ولا يزال السبب الدقيق وراء تفاقم هذه الظاهرة غير واضح، ربما أصبح المحتالون أكثر تطوراً، أو ربما ازداد عددهم، لكن هناك سبباً آخر محتملاً: أن الشركات المفترض بها حماية كبار السن لا تملك الإجراءات الكافية، أو أنها ببساطة لا تطبقها.

وهذا تحديداً ما حدث مع ماس. بعد أن أقنعه المحتالون بأن حسابه البنكي تلقى بالخطأ مئات الآلاف من الدولارات -وقدّموا “أدلة” بدت مقنعة بشكل مخيف- أقنعوه بأن الطريقة الوحيدة لإعادة الأموال دون التسبب في فقدان الموظف المسؤول لوظيفته، هي تسليم عملات ذهبية إلى وسيط معتمد.
وبالنظر إلى الأمر لاحقاً، يبدو هذا “الحل” عبثياً بوضوح. وقد أدرك ماس ذلك بالفعل، لحظة تسليمه دفعة ثانية من العملات، حين التقط صورة للوحة سيارة الوسيط. لكن في تلك اللحظة، بدا الأمر منطقياً، فسقط في الفخ.

خلال تنفيذ هذه الخدعة، كانت هناك محطات عديدة كان يمكن فيها التدخل لوقفها لكن ذلك لم يحدث. فقد طُلب من ماس التوجه إلى بنكه المحلي لتحويل أمواله إلى شركات لبيع المعادن الثمينة أوصى بها المحتالون. وفي البنك أخبر الموظف أنه يريد تحويل ما يقارب كامل مدخراته في حين كان على اتصال هاتفي مفتوح مع المحتال. ومع ذلك، لم يطرح الموظف أي سؤال: لماذا تفعل ذلك؟ هل استشرت خبيراً مالياً؟ من الشخص على الهاتف؟.
الأمر ذاته تكرر مع تاجر العملات الذي لم يطرح أي تساؤل، رغم أن ماس كان يتحدث مع المحتال خلال العملية. والأكثر إثارة للدهشة أن المخطط تكرر مرتين خلال يومين متتاليين؛ لأن المحتالين أدركوا أنهم أمسكوا “فريسة حية”. ومع ذلك، لم يتحرك أحد لإيقاف ما يحدث أو حتى إبطائه. كان الجميع يتعامل مع الأمر كأنه إجراء روتيني.

تقع على عاتق البنوك وبدرجة أقل شركات بيع المعادن مسؤولية معرفة عملائها واتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع ما يُعرف بالاستغلال المالي لكبار السن. هناك لوائح فيدرالية تتعلق بتدريب الموظفين، وإجراءات محددة، وإشارات تحذيرية ينبغي الانتباه لها، منها أن يكون العميل المسن يتلقى تعليمات من شخص على الهاتف أثناء إجراء المعاملة. كما توجد قوانين محلية في نيوجيرسي تهدف إلى حماية كبار السن، ومع ذلك لم يُلتزم بأي من هذه القواعد.
سيحسم القضاء ما إذا كان البنك وشركة العملات قد قصّرا في حالة ماس، كما ستحدد هيئة محلفين أخرى المسؤولية الجنائية للوسيط أو غيره، لكن إلى أن يحدث ذلك، لا بد من دفع البنوك وشركات العملات إلى التوقف عن هذا التراخي الذي يسهّل وقوع مثل هذه الجرائم. يكفي أحياناً إبطاء المعاملة لبضع دقائق، وطرح بعض الأسئلة، لتجنّب كارثة.
قد يكون المجرمون هم من يقودون هذه العمليات، لكن الشركات التي تختار تجاهل المؤشرات الواضحة، أو تتعامل بلا اكتراث، هي التي تجعل وقوعها ممكناً.
نقلاً عن نيويورك بوست