تلوح في الأفق احتمالات نقص الغذاء بل والمجاعة لملايين البشر في البلدان الهشة في إفريقيا وآسيا، حيث تؤكد صحيفة “فايننشيال تايمز” أن الجوع بات من العواقب الحتمية المتوقعة للحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، وهو ما يضع العالم أمام اختبار أخلاقي وقانوني لحماية أشد الناس فقراً من آثار هذا الصراع التي ستستمر طويلاً بعد صمت المدافع، خاصة مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز وتوقف جزء كبير من تجارة الأسمدة العالمية التي تمر عبر مضيق هرمز، الممر المائي الذي يعبر منه عادةً خُمس شحنات النفط العالمية ونحو ثلث تجارة الأسمدة، ما يجعل مزارعي العالم في مواجهة مباشرة مع تبعات حرب لم يختاروها.
وأحدثت “الثورة الخضراء” منذ خمسينيات القرن الماضي تحولاً جذرياً في إنتاج المحاصيل الأساسية كالقمح والأرز، لكنها ربطت إنتاج الغذاء بصناعة الوقود الأحفوري بشكل عضوي لا ينفصم، إذ لم تتمكن الأصناف عالية الإنتاجية من تحقيق وعدها إلا عبر استخدام كميات هائلة من الأسمدة النيتروجينية مثل اليوريا ونترات الأمونيوم المشتقة من الغاز الطبيعي، وهو ما جعل صغار المزارعين مرتهنين تماماً لإمدادات الهيدروكربونات، وقد كشفت الحرب الحالية عن مواطن ضعف قاتلة بعد سبعة أسابيع فقط من اندلاع القتال، حيث ارتفع مؤشر أسعار الطاقة التابع للبنك الدولي بنسبة 41.6% في مارس، مدفوعاً بقفزة في أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي بلغت 59.4%.
وتُحذر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) من أن استمرار الأزمة قد يرفع متوسط أسعار الأسمدة العالمية بنسبة تتراوح بين 15 و20% في النصف الأول من عام 2026، ما يهدد الحقوق الاقتصادية لملايين الفلاحين، في حين يشير نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكو، وفقاً لما نقله موقع “إيكونوميك تايمز”، إلى أن أفقر المزارعين في نصف الكرة الشمالي يعتمدون بشكل كلي على واردات الأسمدة من الخليج، وأن هذا النقص الحاد يتزامن مع بداية موسم الزراعة، ما يضع المزارع الصغير بين مطرقة انخفاض المحاصيل وسندان الفشل الكامل للمواسم المقبلة.
سلاسل توريد الغذاء
وتهيمن منطقة الخليج على صناعة الأسمدة الحديثة مستغلة توافر الغاز والبنية التحتية الضخمة، حيث تحولت شركات الطاقة الحكومية الكبرى مثل “أرامكو السعودية” و”أدنوك” الإماراتية إلى منتجين رئيسيين للأمونيا التي تُعد المادة الأولية لجميع الأسمدة النيتروجينية المعدنية، وتُصدر المنطقة وحدها نحو 30% من صادرات الأمونيا العالمية، حيث احتلت المملكة العربية السعودية المرتبة الثانية عالمياً وعُمان المرتبة السادسة في عام 2024.
وبالإضافة إلى النيتروجين، تبرز أهمية الكبريت بوصفه مدخلاً أساسياً في إنتاج أسمدة الفوسفات، حيث يمر نصف الكبريت المنقول بحراً في العالم عبر مضيق هرمز، وتنتج معظمه شركات الطاقة الخليجية، ما يضع سلاسل توريد الغذاء العالمية تحت رحمة الاستقرار في هذا الممر الضيق الذي يتحكم في مصير المزارع الصغير في أقصى الأرض.
وأشارت وزارة الزراعة الأمريكية في عام 2024 إلى محورية دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها مركزاً عالمياً لإعادة التصدير، حيث تصنف ضمن أفضل خمسة مراكز في العالم، ووفقاً لشهادة الخبير بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، جون ألترمان، أمام الكونغرس، فإن 60% من تجارة الصين مع أوروبا وإفريقيا تمر عبر الإمارات، ويعمل ميناء “جبل علي” في دبي بوصفها أكبر ميناء اصطناعي ونقطة توزيع رئيسية للمواد الغذائية الموجهة للشرق الأوسط وشرق إفريقيا، ما يجعله شرياناً لا يمكن تعويضه لحركة السلع الاستراتيجية، وأي اضطراب في هذه المراكز اللوجستية يعني توقف وصول المدخلات الزراعية الضرورية للمزارعين وتلاشي قدرتهم على الإنتاج.
صدمات السوق
يواجه صغار المزارعين في دول مثل الهند أزمة بقاء حقيقية نتيجة الحصار الإيراني لمضيق هرمز، حيث ينقل موقع “إيكونوميك تايمز” عن مزارع الأرز بالديف سينغ قوله إن صغار المزارعين لن يتمكنوا من الاستمرار إذا لم تدعم الحكومة الأسمدة عندما يبلغ الطلب ذروته في يونيو، ويوضح المحلل بشركة CRU، كريس لوسون، أن النزاع قد قيّد نحو 30% من تجارة اليوريا العالمية، ما يهدد بضياع مراحل النمو المبكرة للمحاصيل، في حين يشير الخبير الاقتصادي بجامعة تكساس، راج باتيل، إلى أن دولاً مثل إثيوبيا تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها النيتروجينية من الخليج عبر خط إمداد يعاني من ضغط هائل منذ اندلاع الحرب في فبراير.
وتتخذ هذه الهشاشة أبعاداً مالية قاسية تتجاوز حدود الحقول، ففي بريطانيا حذر اتحاد الأغذية والمشروبات من أن التضخم الغذائي قد يقترب من 10% بحلول نهاية 2026، لكن الصدمة ستكون أشد وطأة في دول الجنوب مثل سريلانكا وتنزانيا والصومال التي تفتقر للقدرات المالية لدعم مواطنيها.
كما يقدر برنامج الأغذية العالمي أن 45 مليون شخص إضافي سيُدفعون إلى براثن الجوع الحاد نتيجة للحرب، في وقت تلتهم فيه فوائد الديون ميزانيات الدول النامية، حيث دفعت هذه الدول مبلغاً قياسياً قدره 921 مليار دولار فوائد في عام 2024، ما يترك 3.4 مليار شخص في دول تنفق على مدفوعات الفائدة أكثر مما تنفقه على الصحة أو التعليم.
ويؤكد مدير معهد الشرق الأوسط بجامعة لندن، آدم هانيه، أن هذه الحقائق تفرض ضرورة ملحة لتخفيف الاعتماد على المحروقات في النظام الغذائي والتحول نحو الزراعة المستدامة وصحة التربة لتقليل الارتهان للتقلبات السياسية وعبء الحروب، في حين يرى المنسق التنفيذي لتحالف الزراعة الإيكولوجية، أوليفر أوليفروس، أن هذه الأزمة قد تكون نقطة تحول تاريخية لحماية المزارعين من صدمات الطاقة.
ويشدد هانيه في ختام رؤيته المنشورة بـ”فيننشيال تايمز” على أن إنهاء الحرب ليس كافياً وحده، بل يجب اتخاذ خطوات فورية كالإعفاء غير المشروط من الديون وزيادة المساعدات الطارئة؛ لأن أزمة الأسمدة في ظل هذا الارتباط بين الغاز والحروب باتت تهدد الحق الأصيل في البقاء والعيش الكريم.
