تُواجه مدينة البندقية الإيطالية التاريخية خطر الفقدان النهائي ما لم يتم التدخل السريع لإنقاذها من الفيضانات الناجمة عن تغير المناخ، حيث أفادت دراسة نشرتها صحيفة “فايننشيال تايمز” بأن وسائل الحماية الحالية ستصطدم بـ “حدود قصوى” خلال القرن الحالي، مؤكدة ضرورة التفكير في تحولات جذرية لانتشال المدينة من مصير محتوم تحت الأمواج، في ظل ما وصفته الدراسة بـ “القصور الشديد” في الجهود الدولية للحد من الانبعاثات الكربونية التي تسببت في جعل البندقية مثالاً حياً لضرورة تكييف المدن مع تبعات الاحتباس الحراري.
يُعزى ارتفاع منسوب مياه البحر في المدينة إلى تفاعل معقد بين انبعاثات الوقود الأحفوري الناتجة عن الأنشطة البشرية التي تزيد من غازات الاحتباس الحراري، وبين غرق الأرض التي تقوم عليها المدينة نفسها.
ووفقاً لـ منصة “ساينس أليرت” العلمية، فإن البندقية التي شيدت قبل 1600 عام على ملايين الركائز الخشبية، باتت مهددة بالغرق إلى الأبد خلال القرون الثلاثة القادمة، حيث يؤدي التأثير المشترك لذوبان الجليد والتمدد الحراري للمحيطات وازدياد شدة العواصف إلى غمر مناطق من اليابسة لم تصلها المياه منذ آلاف السنين، ما يهدد بفقدان هذا الموقع المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
شهدت المدينة 28 فيضاناً كارثياً غمرت مياهها 60% من مساحتها على مدار الـ 150 عاماً الماضية، ومن المثير للقلق وفقاً لبيانات منصة “ساينس أليرت” أن 18 من هذه الفيضانات الشديدة وقعت خلال الـ 23 عاماً الماضية فقط، وهو ما يعكس تسارعاً مخيفاً في وتيرة الكوارث الطبيعية، حيث أصبحت البنية التحتية المصممة وفقاً للمناخ السابق غير متوافقة بشكل متزايد مع المخاطر الحالية، ما ينذر بتجاوز حدود الحواجز الحالية قبل نهاية القرن الجاري إذا استمرت معدلات الانبعاثات المرتفعة.
خيارات الإنقاذ
شرح أستاذ جامعة سالينتو والمؤلف الرئيسي للدراسة، بييرو ليونيلو، أن العلماء قارنوا أربع استراتيجيات محتملة للتكيف مع ارتفاع مستوى سطح البحر المتوقع، مؤكداً في تصريحاته لـ”فايننشيال تايمز” أنه لا يوجد خيار يحقق جميع الأهداف في آن واحد، فكل استراتيجية تحافظ على جانب من جوانب المدينة -كالنسيج العمراني أو النظام البيئي أو الاقتصاد- ولكنها تضحي بالضرورة بجوانب أخرى، كما حذر من أن نظام الحواجز المتحركة الحالي المكون من 78 حاجزاً سيصبح غير كافٍ عند تجاوز ارتفاع البحر 0.5 متر، ما لم يتم ضخ مياه البحر في طبقات المياه الجوفية العميقة لرفع مستوى المدينة تدريجياً، وهو حل قد يمد الفعالية حتى ارتفاع 1.25 متر.
يستعرض الخيار الأول، المعروف بـ “البحيرة المفتوحة”، الاستمرار في استخدام الحواجز المتحركة التي رُكبت عام 2022، وهي استراتيجية كلفت حتى الآن 6 مليارات يورو (ما يعادل 7 مليارات دولار)، إلا أن هذه التدابير ستصبح غير فعالة تماماً عندما يرتفع مستوى البحر بمقدار 1.25 متر، وهو مستوى من المرجح تجاوزه بحلول عام 2300 حتى في سيناريوهات الانبعاثات المنخفضة، فضلاً عن أن الإغلاق المتكرر والمطول قد يستوجب إنشاء نظام معالجة مياه صرف صحي ونظام ضخ واسع النطاق لمنع تدهور جودة المياه داخل البحيرة.
يقوم الخيار الثاني على فكرة “السدود الدائرية”، وهي إحاطة المعالم الرئيسية للبندقية بحواجز دائرية يصل ارتفاعها إلى 3 أمتار لعزلها عن مياه البحيرة المتقلبة، وبحسب تقديرات الفريق البحثي فإن هذا الحل قد يحمي المدينة من ارتفاع يصل إلى 6 أمتار وبتكلفة تراوح بين 0.5 و4.5 مليار يورو، لكن الباحثين يحذرون من أنه سيؤدي إلى بتر ارتباط المدينة بنظمها البيئية وتشويه طابعها الثقافي والسياحي بشكل لا يمكن إصلاحه، ما يضع حقوق الأجيال القادمة في التراث الإنساني على المحك.
سيناريوهات الإغلاق
تطرح الدراسة خيار “البحيرة المغلقة” بوصفه حلاً جذرياً يتضمن رفع مستوى الجزيرة الحاجزة وسد مداخل البحيرة بشكل دائم بسدود يبلغ ارتفاعها 5 أمتار، ويرى العلماء أن هذا الخيار قادر على حماية البندقية حتى لو ارتفع البحر بمقدار 10 أمتار، لكنه يمثل حكماً بالإعدام على دور البندقية بوصفها ميناءً حيوياً، وهو من أغلى الخيارات الهندسية بتكلفة قد تصل إلى 30 مليار يورو على الأقل، مع ضرورة وجود نظام ضخ دائم لمنع ركود المياه الذي قد يحول البحيرة إلى بؤرة للتلوث.
صرح الباحث في المعهد الوطني الإيطالي للجيوفيزياء وعلم البراكين، توماسو ألبرتي، بأن البحر الأبيض المتوسط أصبح “بؤرة ساخنة” لمخاطر متسارعة، حيث تقع فيضانات “أكوا ألتا” الآن خارج موسمها المعتاد وبقوة كبرى، محذراً عبر “فايننشيال تايمز” من أن حجم التأثيرات سيتجاوز القدرة البشرية على الإدارة دون تخفيضات سريعة في الانبعاثات، وهو ما يجعل سيناريو “الانسحاب” ونقل السكان والمعالم مشروعاً مطروحاً بتكلفة خيالية تصل إلى 100 مليار يورو، تشمل تعويض السكان الذين سيُجبرون على مغادرة منازلهم التاريخية.
ويختتم العلماء تحذيراتهم بتأكيد أن بناء تدخلات هندسية واسعة النطاق قد يستغرق ما بين 30 و50 عاماً من التخطيط والتنفيذ، وهو ما يجعل التحرك الفوري ضرورة مؤسسية وليست مادية فقط، حيث حذر الأستاذ بييرو ليونيلو في “فايننشيال تايمز” من أن “الخطر ليس مادياً فحسب، بل مؤسسي ويتعلق بالتوقيت”، فإذا بدأ التخطيط متأخراً جداً، لن تكون خطوط الدفاع جاهزة لمواجهة الأمواج، ما يترك مستقبل البندقية رهينة للجمود المناخي والتباطؤ الدولي في اتخاذ قرارات حاسمة لحماية إرث البشرية.
