لاري إليوت
الحديث عن نهاية الوظائف بسبب التكنولوجيا ليس جديداً، فكل موجة ابتكار منذ الثورة الصناعية صاحبتها تحذيرات من “يوم القيامة”، لكن ما يحدث الآن مختلف؛ لأن الحكومات ببساطة لا تستعد بحجم التحدي الحقيقي، ولا تضع استجابة إنسانية توازي سرعة التحول.
التحول نحو عالم يقوده الذكاء الاصطناعي أعاد تعريف فكرة أن الرأسمالية تتجدد عبر “التدمير الخلاق”، حيث تُستبدل التقنيات القديمة بأخرى جديدة، حتى لو كان الثمن قاسياً، هذا النمط تكرر منذ القرن الثامن عشر، لكن اليوم نحن أمام آلات لا تنفذ فقط، بل تفكر وتتعلم، وهو ما يضاعف حجم الاضطراب الاقتصادي المحتمل.
في عالم مثالي، كان يمكن لصناع القرار أن يحصلوا على الوقت الكافي للتكيف، وأن يجعلوا هذا الانتقال أقل ألماً، فالتكنولوجيا الجديدة دائماً ما تمر بمراحل ارتباك، ما يمنح الحكومات فرصة للاستثمار في المهارات ووضع استراتيجيات صناعية ذكية، وبدون ذلك لن تتحقق الفوائد الكاملة لهذا التقدم.
الأمر كان أسهل في الماضي، حين كانت الاقتصادات تنمو والوظائف متاحة، كما حدث في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وقتها، كان من يفقد وظيفته بسبب الأتمتة يجد فرصة أخرى بسرعة، لكن هذا ليس واقعنا الآن، حتى قبل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، كان النمو ضعيفاً والوظائف نادرة.
ثم جاءت الحرب لتزيد الصورة تعقيداً، إغلاق مضيق هرمز أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة ونقص المواد الخام، ما رفع تكاليف الإنتاج، ومع توفر تقنيات تقلل الاعتماد على العمالة، يصبح هذا المزيج خطيراً؛ لأنه يدفع الشركات للتخلص من الوظائف بوتيرة أسرع وعلى نطاق أوسع.
الحوافز الآن تميل بوضوح لمصلحة الآلات على حساب البشر. صندوق النقد الدولي خفّض توقعات النمو، محذراً من ركود محتمل، وإذا تحقق ذلك سترتفع البطالة بشكل حاد. الشركات ستسعى بقوة لخفض التكاليف، خاصة تكاليف العمالة، وستتردد في التوظيف حتى مع تحسن الظروف.
أنصار الذكاء الاصطناعي يرون أن هذه مجرد أزمة قصيرة، وأن التاريخ يثبت أن كل موجة تكنولوجية تخلق وظائف أكثر مما تدمر. صحيح أن بعض القطاعات تختفي، لكن الإنتاجية ترتفع، والنمو يتسارع، ما يفتح مجالات عمل جديدة، حتى لو لم نعرفها الآن.
لكن هذه الرؤية قد تكون مضللة لسببين: أولاً، لا يوجد ما يضمن أن التاريخ سيكرر نفسه، فتأثير الذكاء الاصطناعي قد يكون أعمق وأكثر اضطراباً من أي تكنولوجيا سابقة، وثانياً، الوظائف التي سيتم تدميرها قد تكون أفضل أجراً من تلك التي ستُخلق، وهو عكس ما حدث في الماضي، حيث حررت التكنولوجيا البشر لأعمال أكثر إبداعاً، لا أقل.
في النهاية الأمر يتوقف على سؤال بسيط: هل سيجعل الذكاء الاصطناعي البشر أكثر كفاءة في أعمالهم، أم سيجعلهم بلا عمل؟ في الحالة الأولى، سيكون المتفائلون على حق، وفي الثانية، سنواجه صدمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة.
قبل اندلاع الحرب، طرحت شركة أبحاث سيناريو محتملاً لأزمة اقتصادية يقودها الذكاء الاصطناعي بحلول 2028. الفكرة بسيطة وخطيرة: الأتمتة تقضي على الوظائف ذات الدخل المرتفع، فتتراجع القدرة الشرائية. الآلات تعمل بلا توقف، لكنها لا تستهلك ولا تنفق.
وهنا تبدأ الحلقة المفرغة: الشركات تعتمد أكثر على الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف، لكن تراجع الطلب يضغط على الإيرادات، فتعود لخفض التكاليف مجدداً عبر المزيد من الأتمتة وتسريح العمال، وصولاً إلى أزمة مالية قد تنتهي بانهيار في الأسواق.
حتى الآن، كان القلق في وول ستريت من فشل الذكاء الاصطناعي في تحقيق وعوده، لكن السيناريو الأخطر هو العكس: ماذا لو نجح فعلاً؟ حينها ستكون الدول الأكثر اعتماداً عليه -مثل الولايات المتحدة- هي الأكثر عرضة للخطر.
الحرب الحالية تمثل جرس إنذار. صناع القرار لا يملكون رفاهية الوقت، وعليهم التحرك سريعاً، والتركيز على ثلاث أولويات: إعادة تأهيل المهارات، وإعادة بناء القاعدة الصناعية، وإعادة توزيع الثروة، بدون ذلك، ستذهب مكاسب الذكاء الاصطناعي إلى قلة قليلة، في حين يواجه معظم الناس شبح البطالة الجماعية.
نقلاً عن الجارديان
