عادت قضية لاعبات المنتخب الإيراني لكرة القدم للسيدات إلى الواجهة مجدداً، في ظل استمرار المخاوف الحقوقية من الضغوط العابرة للحدود التي تطول الرياضيات الإيرانيات، ما يعكس نمطاً متكرراً من تقييد حرية التعبير حتى خارج البلاد.
ومنذ عودة لاعبات المنتخب الإيراني لكرة القدم للسيدات، من بطولة كأس آسيا في 19 مارس إلى بلادهن، وهن يواجهن واقعاً معقداً يتقاطع فيه الرياضي بالسياسي، والخاص بالعام، في ظل ما وُصف بأفعال معارضة خلال وجودهن في أستراليا، وفق ما أوردته صحيفة “نيويورك تايمز”.
وتوضح الصحيفة الأمريكية أن اللاعبات يُتركن “بخير حتى الآن”، لكن مع تحذيرات واضحة من خضوعهن لرقابة مشددة، حيث أكدت أنهن عدن إلى التدريبات ويرتدن المقاهي وينشرن على الإنترنت، مع توخي الحذر الشديد فيما يشاركنه.
وتنقل عضوة سابقة في فريق تسلق الجليد الإيراني ومؤسسة منظمة “حقوق الإنسان من أجل الرياضة” زهرة عبد الله خاني تقديرها بأن الوضع لا يمكن اعتباره عودة إلى الحياة الطبيعية، مشيرة إلى أن الاتصالات تخضع للمراقبة، وأن أفراد العائلات، خاصة الذكور، قد يتعرضون لضغوط، وهو نمط تقول إنه تكرر في السابق.
تبدأ الأزمة منذ لحظة وصول الفريق إلى أستراليا، حين امتنعت اللاعبات عن ترديد النشيد الوطني خلال المباراة الافتتاحية ضد كوريا الجنوبية في الثاني من مارس، في خطوة اعتُبرت تضامناً مع ضحايا القمع، وقوبلت بوصفهن من قبل الإعلام الرسمي الإيراني بـ”خائنات للبلاد في زمن الحرب”.
خروج الفريق من البطولة
تتطور الأحداث سريعاً بعد خروج الفريق من البطولة، إذ طلبت خمس لاعبات اللجوء وحصلن على تأشيرات إنسانية، قبل أن تنضم إليهن لاعبة سادسة وعضوة من الجهاز الفني، ليصل العدد إلى سبع لاعبات.
تراجعت خمس من اللاعبات عن قرار اللجوء قبل مغادرة أستراليا في 10 مارس، بعد تهديد عائلاتهن في إيران، بحسب مصدر لصحيفة “واشنطن بوست”، في حين بقيت لاعبتان، فاطمة باسندده وعاطفة رمضان زاده، في أستراليا دون استعداد للحديث العلني.
تنقل لاعبة المنتخب منى حمودي، خلال مقابلة مع قناة الجزيرة في 3 أبريل، حجم الضغوط التي تعرضن لها، موضحة أن المعارضين للنظام في أستراليا ضغطوا عليهن لاتخاذ موقف سياسي، وهو ما وضعهن أمام “معضلة” ذات عواقب وخيمة على حياتهن وحياة عائلاتهن ومستقبلهن الرياضي.
تؤكد اللاعبة زهرة سربلي تعرضها لـ”مضايقات وملاحقة مستمرة” من وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، إضافة إلى ضغوط من الجالية الإيرانية الأسترالية، ما يعكس تعدد مصادر الضغط التي واجهتها اللاعبات.
ضغوط عابرة للحدود
غادرت قائدة المنتخب الإيراني لكرة القدم النسائية زهرة غانبري أستراليا بعد سحب طلب لجوئها، لتصبح خامس لاعبة تتراجع عن القرار، في خطوة أثارت مخاوف حقوقية واسعة، وفق ما نشرته صحيفة “الغارديان”.
يؤكد وزير الداخلية الأسترالي توني بيرك أن اللاعبات حصلن على فرص متكررة لمناقشة خياراتهن، لكنه يشير إلى أن الحكومة “لا يمكنها تجاهل الظروف” التي تدفعهن لاتخاذ قرارات صعبة، في إشارة ضمنية إلى الضغوط المحيطة بهن.
وتوضح اللاعبة والناشطة الحقوقية شيفا أميني اعتقادها بأن الحرس الثوري الإيراني مارس ضغوطاً مباشرة على عائلات اللاعبات، خاصة عائلة القائدة غانبري، لإجبارهن على العودة.
تنقل مصادر من الجالية الإيرانية في أستراليا أن عائلات اللاعبات تعرضت لتهديدات، وأن رسائل صوتية من داخل إيران استُخدمت لإقناعهن بالعودة، ما يكشف عن امتداد الضغط إلى المجال العائلي بوصفه أداة تأثير.
تلفت هذه المعطيات إلى أن قرارات العودة لم تكن فردية بالكامل، بل جاءت في سياق ضغوط مركبة، تشمل العائلة، والمؤسسة الرياضية، والإعلام، وحتى التفاعلات السياسية الدولية.
أضاف وزيرة الحكومة الأسترالية كاثرين كينغ أن اللاعبات أُبلغن بأنهن “بأمان ومرحب بهن”، لكنها تقر بأن القرار كان “صعباً للغاية”، وأنهن واجهن “ضغوطاً هائلة”، وهو توصيف يعكس تعقيد البيئة التي اتخذت فيها تلك القرارات.
غادرت اللاعبات الفندق في جولد كوست تحت حراسة الشرطة، في مشهد يعكس حساسية الوضع، حيث بدا أن إحدى اللاعبات أُجبرت على الصعود إلى الحافلة، وفق ما أظهرته المشاهد.
بين المراقبة والانتهاكات
تحذر عضوة سابقة في فريق تسلق الجليد الإيراني ومؤسسة منظمة “حقوق الإنسان من أجل الرياضة” زهرة عبد الله خاني من أن اللاعبات وعائلاتهن سيظلن تحت المراقبة والضغط، خاصة مع الاستعداد لمباريات قادمة.
تربط خاني بين هذه القضية وسياق أوسع من الانتهاكات بحق الرياضيين، مشيرة إلى اعتقال بطل الكيك بوكسينغ بنيامين نقدي، البالغ 26 عاماً، ووجود خطر “وشيك” بإعدامه بعد مقاومته الاعتقال خلال احتجاجات مناهضة للحكومة.
وكشفت خاني أن اعتراف نقدي بُثّ على التلفزيون الإيراني، وأن عائلته طُلب منها استلام أغراضه من السجن، في إشارة إلى نمط من “الاعترافات القسرية” والضغوط على الأسر.
كما أشارت إلى إعدام المصارع صالح محمدي، البالغ 19 عاماً، شنقاً في الشهر الماضي، وأكدت أن أكثر من 200 رياضي إيراني قُتلوا هذا العام نتيجة مشاركتهم في مظاهرات مناهضة للحكومة.
وأضافت خاني، أن وقف إطلاق النار الذي توسط فيه دونالد ترامب لا يغيّر من واقع الرياضيين المسجونين، معتبرة أن الصراع “ليس بين الدول فقط، بل بين الشعب والنظام”.
وتعكس هذه الوقائع صورة أوسع تتجاوز فريق كرة القدم النسائي، لتكشف عن بيئة يُواجه فيها الرياضيون مخاطر تتعلق بحرية التعبير، والحق في الأمان الشخصي، والحق في عدم التعرض للضغط أو العقاب بسبب مواقفهم.
وتختتم الوقائع بمشهد استقبال اللاعبات في إيران، حيث استُقبلن بالورود والهتافات، في صورة رسمية تخفي خلفها مخاوف مستمرة من المراقبة والضغط، ما يضع مستقبلهن بين مسارين متناقضين: “الاندماج القسري أو المخاطرة بالمواجهة”.
