استنكرت عشرات المنظمات الأمريكية والدولية لحقوق الإنسان خطط إدارة دونالد ترامب لإنشاء “معسكر” للمهاجرين الكوبيين داخل قاعدة غوانتانامو، محذّرة من عودة واحدة من أكثر أدوات الاحتجاز إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي، وفق ما نشرته صحيفة “الغارديان” اليوم.
وتوضح رسالة وقعتها 85 منظمة أن المقترح المطروح أمام الكونغرس لا يتعلق فقط بإدارة تدفقات الهجرة، بل يفتح الباب أمام احتجاز جماعي خارج الضمانات القانونية، في موقع ارتبط تاريخياً بالانتهاكات، وتعبّر المنظمات عن “قلق بالغ” من تصريحات قائد عسكري رفيع في وزارة الدفاع، معتبرة أن أي توسع في استخدام القاعدة “مقلق للغاية وغير مقبول”.
وتشير الرسالة إلى أن التخطيط لإنشاء “معسكر” في حال وقوع “أزمة إنسانية” في كوبا يعكس توجهاً نحو التعامل مع المهاجرين باعتبارهم مشكلة أمنية لا قضية حماية إنسانية، خاصة في ظل تحذيرات سابقة من الأمم المتحدة بشأن اقتراب الجزيرة من “انهيار” إنساني.
وتطالب المنظمات المشرعين باتخاذ خطوات فورية لضمان عدم تخصيص أي تمويل إضافي لمرافق الاحتجاز في غوانتانامو، وتشدد على ضرورة عدم استخدام القاعدة مجدداً للاحتجاز الجماعي “غير القانوني لأي فئة من الناس”، مع الدعوة إلى إنهاء السياسات التي تُفاقم الأزمة الإنسانية في كوبا.
تلفت الرسالة إلى أن مرافق الاحتجاز في غوانتانامو، سواء تلك المرتبطة بما يُسمى “الحرب على الإرهاب” أو الأقل شهرة الخاصة بالمهاجرين، ارتبطت طويلاً بـ”ظروف لا إنسانية وسوء معاملة وانتهاكات للإجراءات القانونية الواجبة”، ما يعزز المخاوف من إعادة إنتاج هذه الانتهاكات بحق فئة جديدة من المحتجزين.
تنقل كبيرة محللي السياسات في مركز ضحايا التعذيب يمنى رضوي موقفاً حاداً، إذ تؤكد أن غوانتانامو يمثل “المكان الأفظع والأخطر” الذي يمكن أن يُرسل إليه أي شخص، مشيرة إلى أنه يُدار “بعيداً عن الأنظار ودون سلطة قانونية واضحة”، معتبرة أن التهديد باستخدامه ضد الكوبيين “أمر مشين”.
شهادات عسكرية
كشف قائد القيادة الجنوبية الأمريكية الجنرال فرانسيس دونوفان، خلال جلسة استماع في 19 مارس، أن القاعدة قد تُستخدم لإنشاء “نسخة جديدة” من مخيم للمهاجرين الكوبيين، في حال حدوث تدفق جماعي.
يوضح دونوفان، رداً على سؤال السيناتور الجمهوري توم كوتون، أن القيادة تلقت أوامر بالاستعداد “لدعم وزارة الأمن الداخلي” في حالات الهجرة الجماعية، مشيراً إلى إمكانية إنشاء مخيم في خليج غوانتانامو “للتعامل مع هؤلاء المهاجرين”.
يعكس هذا الطرح، كما ورد في التغطية، انتقالاً من استخدام القاعدة موقعاً استثنائياً إلى إدماجها في بنية إدارة الهجرة الأمريكية، وهو ما تعده المنظمات الحقوقية تحولاً خطيراً في طبيعة التعامل مع طالبي اللجوء والمهاجرين.
ويوضح تقرير لموقع “كومن دريمز” الأمريكي أن هذه الخطط تأتي في سياق أوسع من السياسات الأمريكية تجاه كوبا، حيث أشار خبراء إلى أن المخاوف من “نزوح جماعي” تتزامن مع سياسات تُسهم في تفاقم الأزمة داخل الجزيرة، ومنها القيود على إمدادات الطاقة والغذاء.
ينقل التقرير عن مسؤولين وخبراء أن الاستعداد لإنشاء معسكرات في غوانتانامو يعكس تصوراً مسبقاً لاحتواء اللاجئين في مواقع احتجاز معزولة، بدلاً من التعامل معهم ضمن منظومة الحماية الدولية، وهو ما أثار انتقادات واسعة.
عالقون بين الترحيل والاحتجاز
من جانبها، رصدت صحيفة “نيويورك تايمز” واقعاً ميدانياً يعكس هذه السياسات، حيث عُلِق عشرات الرجال الكوبيين المرحّلين في القاعدة منذ ما قبل عيد الميلاد، في واحدة من أكثر حلقات نظام الهجرة الأمريكي غموضاً.
تبيّن القصة أن نحو 50 رجلاً، تتراوح أعمارهم بين العشرينيات والخمسينيات، نُقلوا إلى القاعدة رغم اعتقاد بعضهم أنهم سيُرحّلون مباشرة إلى هافانا، ليجدوا أنفسهم محتجزين في منشأة كانت تُستخدم سابقاً لمشتبه بهم بالانتماء إلى تنظيم القاعدة.
تكشف هذه الوقائع عن مفارقة حادة، إذ لم يُقرّب وجودهم في غوانتانامو من إعادتهم إلى بلدهم، بل أدخلهم في حلقة معقدة من الإجراءات، بسبب القيود المفروضة على الرحلات الجوية بين القاعدة وبقية كوبا.
ينقل محامي الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية لي جيليرنت أن بعض المحتجزين “صُدموا” عند وصولهم إلى غوانتانامو، بعدما ظنوا أنهم وافقوا على الترحيل، ما يثير تساؤلات حول الشفافية والموافقة المستنيرة في إجراءات الترحيل.
تظهر البيانات أن نحو 780 مهاجراً أُرسلوا إلى القاعدة منذ فبراير ، رغم أن الخطط الأولية تحدثت عن تجهيزها لاستقبال ما يصل إلى 30 ألف شخص، في عملية كلّفت ملايين الدولارات دون أن تحقق الاستخدام المتوقع.
تسلّط الوقائع الضوء على غياب مبررات واضحة لاستخدام القاعدة محطة عبور، خاصة مع وجود مرافق احتجاز داخل الولايات المتحدة، ما يعزز الشكوك حول الدوافع الحقيقية وراء هذه السياسة.
نقل مجموعات محدودة
ونقلت الصحيفة الأمريكية عن بيانات صادرة عن البنتاغون ووزارة الأمن الداخلي انهما أنفقا ملايين الدولارات لإنشاء مركز الترحيل وتحديث المرافق ونشر مئات الجنود، في عملية لم تستقبل أعداداً منتظمة من المهاجرين.
تقدّر التكاليف، وفق ما نُقل عن مسؤولين، بنحو 100 ألف دولار يومياً لكل مهاجر، في حين بقيت بعض المرافق خالية لأسابيع، قبل نقل مجموعات محدودة بشكل مفاجئ.
توضح الوقائع أن عمليات النقل شملت في بعض الأحيان أعداداً صغيرة جداً، في حين جرى تحويل مسارات رحلات لإضافة محتجزين من غوانتانامو، ما يعكس عدم كفاءة تشغيلية في إدارة العملية.
تبيّن شهادات عائلات المحتجزين أن بعضهم كان يحمل تصاريح عمل أو طلبات لجوء قيد النظر، ما يعني أن احتجازهم في القاعدة لم يكن مرتبطاً فقط بسجلات جنائية كما أشارت السلطات.
تظهر هذه المعطيات أن غوانتانامو لم تعد مجرد موقع استثنائي، بل تحولت إلى أداة ضغط سياسية، وفق ما قاله مدافعون عن حقوق المهاجرين، في ظل توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا بشأن استقبال المرحّلين.
تختتم الوقائع بصورة إنسانية قاسية، حيث تنتظر عائلات المحتجزين عودتهم وسط غموض كامل، وتعتمد على الاتصالات المحدودة لمعرفة مصيرهم، في حين تتبادل الأمهات والزوجات الدعاء على أمل الإفراج عنهم، في مشهد يعكس الكلفة الإنسانية لسياسات الاحتجاز خارج الأطر القانونية.
