منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المسلمون والمسيحيون معاً.. العنف والطائفية نار تلتهم الجميع في نيجيريا

11 أبريل 2026
العنف الطائفي في نيجيريا يثير القلق
العنف الطائفي في نيجيريا يثير القلق

لم يكن الهجوم الذي شهدته ولاية كادونا خلال قداس عيد الفصح في 5 أبريل الجاري، وانتهى بحسب الجيش النيجيري إلى إنقاذ 31 رهينة والعثور على خمسة قتلى، حادثاً منفصلاً بقدر ما كان امتداداً لملف أوسع يطبع نيجيريا منذ سنوات.. حرية دينية مكفولة دستورياً، لكن في ظل بيئة أمنية وقانونية مضطربة تجعل دور العبادة والتجمعات الدينية، مسيحية كانت أم مسلمة، عرضة لهجمات متكررة، في حين تبقى المساءلة أضعف من مستوى الخطر.

من الناحية القانونية، ينص الدستور النيجيري على حظر تبني الدولة أو الولايات ديناً رسمياً، كما يكفل حرية الفكر والضمير والدين، وتورد النصوص الدستورية المنشورة أن لكل شخص الحق في اعتناق دين أو معتقد وممارسته والتعبير عنه، لكن هذا الإطار يتعايش عملياً مع نظام قانوني مزدوج.

وتشير تقارير لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية (USCIRF) إلى أن 12 ولاية، إضافة إلى العاصمة الاتحادية، تطبق أشكالاً من قوانين الشريعة في المسائل الجنائية أو الشخصية إلى جانب القانون المدني، بما في ذلك نصوص خاصة بالتجديف، وهو ما يبقي حرية المعتقد في نيجيريا محكومة بتوتر دائم بين الضمانات الدستورية والممارسة المحلية.

هذا التوتر لا ينفصل عن طبيعة العنف نفسه، فالمشهد النيجيري لا يمكن اختزاله في “عنف طائفي” صرف، ولا في “جريمة عادية” فقط، وهناك ثلاثة أنماط رئيسة تتقاطع أحياناً: أولاً، العنف المتطرف في الشمال الشرقي من قبل جماعات مثل بوكو حرام، وISWAP، وISSP؛ ثانياً العنف الأهلي والمجتمعي في “الحزام الأوسط” بين رعاة أغلبهم من الفولاني ومزارعين يغلب عليهم الطابع المسيحي؛ وثالثاً هجمات العصابات وقطاع الطرق وعمليات الخطف مقابل فدية التي تطاول الكنائس والمساجد والمدارس ومجتمعات ريفية بأكملها.

لهذا السبب، فإن التوصيف الديني موجود بقوة في كثير من الوقائع، لكنه يتداخل أيضاً مع النزاع على الأرض والموارد، والانقسام العرقي، وضعف الدولة، والإفلات من العقاب.

انتهاك حرية الدين والمعتقد

في الشمال الشرقي، ظلت الجماعات المتطرفة مسؤولة عن أشد أشكال انتهاك حرية الدين والمعتقد، وتقول USCIRF في تقريرها السنوي لعام 2026 إن أوضاع الحرية الدينية في نيجيريا خلال 2025 بقيت “كارثية”، وإن جماعات مثل بوكو حرام وISWAP وISSP تسعى في مناطق نشاطها إلى فرض تفسير أحادي للإسلام على الأفراد والمجتمعات بغض النظر عن معتقداتهم.

لكن التقرير نفسه يلفت أيضاً إلى أن هذه الجماعات لا تستهدف المسيحيين فقط، بل قتلت مسلمين أيضاً، ومن ذلك هجمات في سوكوتو وبورنو خلال 2025، هذا مهم لأنه يوضح أن جزءاً من الأزمة هو اضطهاد ديني صريح، وجزء آخر هو عنف أيديولوجي أوسع يطول كل من يرفض سلطة هذه الجماعات.

أما في الحزام الأوسط، وخصوصاً ولايتي بلاتو وبنيوي، فالصورة أشد تعقيداً، حيث تصف المنظمات الحقوقية الدولية هذا المسار بأنه نزاع أهلي طويل بين رعاة معظمهم مسلمون، ومزارعين معظمهم مسيحيون، لكنه صار يحمل بُعداً دينياً واضحاً لأن الهجمات تضرب قرى وكنائس ومجتمعات ذات هوية دينية محددة.

وأشارت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها عن 2024 إلى أن هجوم يوم الميلاد في ديسمبر 2023 في ولاية بلاتو خلّف نحو 140 قتيلاً، ثم أعقبته هجمات أخرى في يناير 2024 في مانغو أسفرت عن مقتل 30 شخصاً على الأقل، فيما ارتفع عدد القتلى والنازحين وفق ما أوردته المنظمة من تقارير لاحقة إلى مستويات كبيرة في بلاتو وباوتشي.

كما أظهرت بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن عدد النازحين داخلياً في الشمال الأوسط والشمال الغربي بلغ 1,302,443 شخصاً بحلول أبريل 2024.

استهداف رموز دينية

خلال 2025، ازداد هذا المسار دموية. فـUSCIRF قالت إن الحزام الأوسط تأثر “خصوصاً” بالعنف الذي استهدف المسيحيين، مشيرة إلى مقتل نحو 200 نازح في بعثة كاثوليكية في يلواتا بولاية بنيوي في يونيو 2025، وإلى وقائع خطف وقتل طالت قساوسة وكنائس في كادونا وكوارا وكوجي.

وفي المقابل، وثق التقرير نفسه أيضاً هجمات على مسلمين، منها قتل 15 مسلماً في سوكوتو و13 مصلّياً في مسجد بولاية كاتسينا، وخطف أكثر من 100 شخص معظمهم نساء وأطفال من مسجد في زمفارا، ما يعزز أن حرية العبادة في نيجيريا مهددة على جانبي الانقسام الديني، وإن كانت بعض المناطق، وخصوصاً المجتمعات المسيحية الريفية في الوسط، تبدو أكثر عرضة للهجمات الجماعية المتكررة.

ومن زاوية الحصيلة البشرية الأوسع، قدمت منظمة العفو الدولية في مايو 2025 أحد أكثر التقديرات اتساعاً، إذ قالت إن ما لا يقل عن 10,217 شخصاً قُتلوا خلال عامين فقط منذ تولي حكومة بولا تينوبو السلطة، في هجمات نفذها مسلحون في سبع ولايات، بينها 6,896 قتيلاً في بنيوي و2,630 في بلاتو.

هذه الأرقام لا تخص “ضحايا طائفيين” حصرياً، بل تشمل قتلى هجمات مسلحة متنوعة في الشمال والشمال الأوسط، لكن أهميتها أنها تُظهر ضخامة الكلفة الإنسانية للعنف الذي يتقاطع فيه الديني مع الأمني والمجتمعي.

الإفلات من العقاب

المنظمات الحقوقية لا تكتفي بتوصيف العنف، بل تُحمّل الدولة مسؤولية مباشرة عن ضعف الحماية والمحاسبة، حيث قالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها عن 2026 إن السلطات أعلنت اعتقال عشرات المشتبه بهم في بعض هجمات بنيوي، لكن لم تتوافر تفاصيل عامة كافية عن المحاكمات أو الإدانات، كما بقيت وقائع أخرى بلا محاسبة مؤكدة، وهو ما أبرز “فجوات مستمرة في المساءلة”.

وذهبت منظمة العفو الدولية أبعد من ذلك حين قالت إن فشل السلطات في حماية الناس وملاحقة الجناة يفاقم “دورة الإفلات من العقاب” ويشجع على تكرار الجرائم.

كما عبّرت اللجنة الوطنية النيجيرية لحقوق الإنسان في يونيو 2025 عن قلقها من تصاعد القتل في بنيوي وبلاتو ومناطق أخرى، مطالبة بحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين.

وإلى جانب العنف المسلح، تبرز قوانين التجديف بوصفها أحد أكثر ملفات حرية المعتقد حساسية، تقرير USCIRF 2026 يقول إن الحكومة الفيدرالية وولايات عدة واصلت تطبيق قوانين تجرّم “إهانة الدين”، مع بقاء سجناء على خلفية اتهامات بالتجديف حتى نهاية 2025.

ويشير التقرير إلى أن المحكمة العليا النيجيرية بدأت في سبتمبر 2025 نظراً أولياً في الطعن على قانون التجديف في ولاية كانو في قضية يحيى شريف-أمينو، وهذه القضية تُعد اختباراً بالغ الأهمية، لأن استمرار النصوص العقابية المتعلقة بالتجديف يخلق مناخاً يسمح ليس فقط بالملاحقات الرسمية، بل أيضاً بالعنف الأهلي والتحريض والممارسات العقابية خارج القانون.

حرية المؤسسات والأقليات

وفي ملف آخر يمس حرية الدين والمساواة، سجلت USCIRF أيضاً أن ولايات كانو وكاتسينا وكبي وباوتشي أغلقت جميع المدارس في مارس 2025 خلال رمضان، وأيضاً مؤسسات مسيحية، وهو ما أثار اعتراضات باعتباره مساساً بحرية المؤسسات والأقليات الدينية.

وبالتوازي، واصل مسؤولون دينيون وحقوقيون التحذير من أن بعض النخب السياسية والمحلية تستغل الدين أو قوانين الشريعة والتجديف لتعميق الانقسام بدل احتوائه.

أما الموقف الرسمي النيجيري، فيرفض توصيف ما يجري بأنه “إبادة للمسيحيين” أو اضطهاد منهجي لجماعة دينية واحدة، ففي بيان رسمي لوزارة الإعلام في سبتمبر 2025، أكدت الحكومة أن مزاعم “الإبادة الدينية” ضد المسيحيين “كاذبة ومضللة”، وقالت إن الجماعات المسلحة تستهدف مسلمين ومسيحيين وغيرهم، وإن تصوير الأزمة باعتبارها هجوماً ممنهجاً على طائفة واحدة يُبسط واقعاً أمنياً معقداً.

واستشهد البيان بحصيلة حكومية تقول إن أكثر من 13,543 “إرهابياً ومجرماً” جرى القضاء عليهم، وإن ما يقرب من 10,000 رهينة أُنقذوا بين مايو 2023 وفبراير 2025.

وفي المقابل، تقف جهات دولية عند تقييم أشد قسوة، حيث أوصت USCIRF في تقريريها لعامي 2025 و2026 بإدراج نيجيريا ضمن “الدول المثيرة لقلق خاص” بسبب ما تعده انتهاكات “منهجية ومستمرة وفاضحة” للحرية الدينية، سواء على يد جهات غير حكومية أو بسبب تقاعس السلطات عن الحماية والتحقيق والعدالة.

كما دعت إلى فرض عقوبات وتأشيرات مقيدة على مسؤولين نيجيريين يشتبه في تساهلهم مع العنف الديني أو التواطؤ معه، وهذا الموقف لا يعني أن كل أعمال القتل في نيجيريا ذات دافع ديني خالص، لكنه يعكس قناعة متزايدة لدى بعض المؤسسات الغربية بأن أزمة حرية الدين هناك لم تعد مجرد أثر جانبي للانفلات الأمني.

استهداف المسيحيين والمسلمين معاً

حتى أبريل 2026، يمكن تلخيص المشهد في نيجيريا على النحو الآتي: الإطار الدستوري ما زال ينص بوضوح على حرية الدين والمعتقد، لكن التطبيق تعرقله بنية قانونية وأمنية متناقضة؛ العنف يضرب المسيحيين والمسلمين معاً.

لكن بعض المجتمعات المسيحية في الوسط والشمال الغربي تبدو أكثر تعرضاً للهجمات الجماعية على القرى والكنائس؛ قوانين التجديف تبقى مصدر تهديد مباشر لحرية التعبير والمعتقد؛ والمنظمات الحقوقية ترى أن جوهر الأزمة ليس فقط عدد الضحايا، بل غياب الردع والمحاسبة.

وحادثة كادونا الأخيرة في عيد الفصح تقدم مثالاً مكثفاً على ذلك كله: دور عبادة مستهدفة، قتلى ومختطفون، روايات متباينة، واستجابة أمنية لا تغير حقيقة أن الخطر يتكرر أسرع من العدالة.