تعيد الصين رسم حدود التعامل مع الموتى عبر تدخلٍ تشريعي مباشر، إذ تعتزم السلطات حظر تخزين رفات الموتى داخل الشقق السكنية، في خطوة تكشف توترًا متصاعدًا بين متطلبات التنظيم الحضري وحقوق الأفراد في ممارسة طقوسهم المرتبطة بالذاكرة والكرامة.
ويأتي هذا التوجه في سياق أزمة مركبة، حيث تتقاطع ندرة الأراضي، وارتفاع تكاليف الدفن، والتحولات الديموغرافية، لتدفع العائلات إلى البحث عن بدائل غير تقليدية، من بينها ما يعرف بـ”شقق رماد العظام”، بحسب ما أوردته صحيفة “الغارديان”
وتقر السلطات قانونًا جديدًا لإدارة الجنائز يحظر استخدام المساكن لتخزين الرفات المحروقة أو دفن الجثث خارج المقابر العامة، على أن يدخل حيز التنفيذ قبل مهرجان “تشينغمينغ”، وهو أحد أبرز الطقوس التقليدية التي يُحيي فيها الصينيون ذكرى أجدادهم، ويعكس توقيت القرار حساسية التوازن بين فرض النظام العام واحترام الممارسات الثقافية الراسخة.
وتكشف الظاهرة عن تحولات عميقة في بنية المجتمع، إذ انتشرت “شقق رماد العظام” مع تسارع التوسع الحضري وارتفاع نسبة كبار السن، ما زاد الضغط على مساحات المقابر المحدودة ورفع تكلفتها إلى مستويات باهظة، وتحوّلت هذه الشقق إلى مزارات عائلية كاملة، تُزين بالشموع والأضواء الحمراء، وتُرتب فيها الجرار وفق تسلسل الأجيال، في محاولة للحفاظ على صلة الأحياء بالأموات.
وتظهر الأرقام حجم الأزمة، إذ سجلت الصين 11.3 مليون حالة وفاة في عام 2025 مقارنة بـ9.8 مليون في 2015، متجاوزة عدد المواليد البالغ 7.9 مليون، ما يعكس تسارع الشيخوخة السكانية، وفي المقابل، انخفضت أسعار العقارات بنسبة 40% بين عامي 2021 و2025، ما جعل الشقق خيارًا اقتصاديًا أكثر استدامة من المقابر التي تمنح بعقود إيجار لا تتجاوز 20 عامًا، مقابل 70 عامًا للعقارات السكنية.
الحفاظ على الطقوس الثقافية
تطرح هذه المعطيات إشكاليات حقوقية مباشرة، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد تنظيم إداري، بل بمدى احترام حق الأفراد في اختيار كيفية التعامل مع رفات ذويهم، وحقهم في الحفاظ على طقوسهم الثقافية، خاصة في ظل فجوة اقتصادية تجعل الوصول إلى خدمات الدفن التقليدية غير متكافئ.
وتكشف التحليلات أن الدافع الاقتصادي يقف في قلب هذه الظاهرة، حيث قد تتجاوز تكلفة قطعة أرض صغيرة في المقابر 50 ألف دولار، في حين يمكن شراء شقة صغيرة في مشاريع متعثرة بنحو 30 ألف دولار، مع حق استخدام يمتد إلى 70 عامًا، وتحول هذا الفارق الكبير إلى حافز مباشر للعائلات لاعتماد الشقق كبديل، وفق ما نقلته منصة “فايننشيال بوست”.
وتوضح طالبة دكتوراه، شين يي وو، أن فقدان الشقق قيمتها السكنية دفع الناس إلى إعادة توظيفها، قائلة إن “المكان حين يفقد وظيفته الأساسية، يجد الناس له وظيفة جديدة، وفي هذه الحالة أصبحت الشقق مساحة لتخزين الرماد”، ويعكس هذا التحول إعادة تعريف للملكية والسكن، حيث لم تعد الشقة مجرد مساحة للعيش، بل تحولت إلى امتداد للذاكرة العائلية.
وتُبرز الفوارق الزمنية في حقوق الاستخدام بُعدًا آخر للأزمة، إذ تتمتع العقارات السكنية بحقوق مدعومة لمدة 70 عامًا، بينما تُمنح المقابر بعقود إيجار لمدة 20 عامًا فقط، ما يفرض على العائلات أعباء تجديد مستمرة، ويعزز هذا التفاوت الشعور بعدم الاستقرار، ويدفع نحو حلول بديلة أكثر استدامة من الناحية الاقتصادية.
وتسلط هذه الوقائع الضوء على مسألة العدالة الاجتماعية، حيث تصبح طقوس الدفن، التي ترتبط بالكرامة الإنسانية، خاضعة لمنطق السوق والقدرة المالية، وفي هذا السياق، تتحول “شقق رماد العظام” من خيار غريب إلى ضرورة تفرضها الظروف الاقتصادية.
وتظهر التفاعلات الاجتماعية تباينًا في المواقف، إذ عبر مستخدمون على وسائل التواصل عن شكوكهم في إمكانية تطبيق الحظر، بينما أبدى بعض السكان قبولًا ضمنيًا بالفكرة إذا كانت تؤدي إلى خفض الإيجارات، ويعكس ذلك تحولًا في القيم، حيث تتراجع الحساسية تجاه وجود الموتى في الفضاء السكني مقابل اعتبارات اقتصادية يومية.
فرض عقوبات وتشجيع بدائل
تُصعِّد الحكومة تدخلها عبر حملة صارمة تستهدف هذه الممارسة، متضمنة فرض غرامات على استخدام الشقق لأغراض الدفن، وتشجيع بدائل مثل الدفن البيئي، بما في ذلك نثر الرماد في البحر أو دفنه تحت الأشجار، ويأتي هذا التوجه في إطار محاولة تقليل الضغط على الأراضي والحد من التكاليف، وفق ما ورد في منصة “سلوغر تولز” التي تتخذ من أيرلندا الشمالية مقرا لها.
وتظهر البيانات أن مدنًا كبرى مثل شنغهاي بدأت بالفعل تقديم دعم مالي للدفن البيئي، حيث تجاوز عدد حالات الدفن في البحر 10 آلاف حالة في عام 2025، في مؤشر على تغير تدريجي في أنماط التعامل مع الموت، كما تشير تقديرات إلى أن ما بين 30% و40% من العملاء في بكين يختارون هذا النوع من الدفن.
وتثير هذه التحولات تساؤلات أعمق حول العلاقة بين الدولة والمجتمع، خاصة في ما يتعلق بفرض أنماط سلوكية جديدة تمس الطقوس العائلية.
ويذهب خبير السكان، يي فوكسيان، إلى أن مقابر الأجداد تؤدي دورًا شبيهًا بالمؤسسات الدينية في الغرب، ما يجعل أي تغيير فيها مؤثرًا في بنية الأسرة ومفاهيم الإنجاب.
وتُبرز هذه الرؤية البُعد الثقافي للقضية، إذ لا يتعلق الدفن فقط بمسألة لوجستية، بل يشكل جزءًا من منظومة القيم المرتبطة بالأسرة والهوية، ومن هنا، فإن أي تدخل تشريعي في هذا المجال ينعكس مباشرة على هذه المنظومة.
