منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

تقرير حقوقي يرصد 37 انتهاكاً خلال عام واحد..

تضييق متصاعد على المجتمع المدني بتونس يحوّل الفضاء العام إلى ساحة للملاحقات

30 مارس 2026
تصاعد القلق بين منظمات المجتمع المدني في تونس
تصاعد القلق بين منظمات المجتمع المدني في تونس

يشهد المجتمع المدني في تونس، خلال السنوات الأخيرة، تحولات عميقة تعكس تراجعاً تدريجياً في منسوب الحريات العامة التي ميّزت مرحلة ما بعد 2011، فبعد أن كان الفضاء المدني يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز مكتسبات الانتقال الديمقراطي، بات اليوم يواجه تحديات متزايدة، تتجلى في تصاعد القيود القانونية، وتكثيف الملاحقات القضائية، وتنامي الخطاب السياسي والإعلامي الذي يطعن في استقلالية الفاعلين المدنيين ويشكك في شرعيتهم.

وفي هذا السياق، يتنامى القلق لدى منظمات حقوقية محلية ودولية من تحوّل الفضاء المدني من مجال مفتوح للتعبير والمشاركة، إلى بيئة محفوفة بالمخاطر، تُستخدم فيها أدوات الدولة القانونية والأمنية لتقييد النشاط المدني والسياسي، في ظل خطاب يتهم النشطاء بالعمالة أو الارتباط بجهات أجنبية.

في تقريرها الصادر اليوم الاثنين، بعنوان “الفضاء المدني من فضاء للحريات إلى ساحة للملاحقات”، رصدت جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الانتهاكات التي تستهدف الفاعلين المدنيين في تونس، خلال الفترة الممتدة من إبريل 2025 إلى نهاية مارس 2026.

ويوثّق التقرير 37 حالة انتهاك، توزعت على، 23 حالة مرتبطة بالعمل المدني و9 حالات تخص العمل السياسي و3 حالات في مجال العمل الاجتماعي، وحالتان تتعلقان بالتعبير الرقمي.

وتشير هذه الأرقام، وفق التقرير، إلى نمط متكرر من التضييق، أسهم في تعطيل أنشطة عدد من الجمعيات، وملاحقة ناشطين وناشطات بسبب مشاركتهم في العمل العام أو تعبيرهم عن آرائهم.

أدوات قانونية لتقييد النشاط

لا يقتصر الأمر على رصد الحالات، بل يقدم التقرير قراءة تحليلية للسياق العام، حيث يشير إلى تراجع في ضمانات حرية العمل المدني، من خلال اعتماد مقاربات قانونية وأمنية في التعامل مع الفاعلين.

ومن بين أبرز التهم التي تم توجيهها، تبييض الأموال وتكوين وفاق وشبهات مالية، وتلقي تمويلات أجنبية.

كما يسجل التقرير استخدام المرسوم عدد 54 لسنة 2022 كأداة لملاحقة النشطاء، خاصة في ما يتعلق بالتعبير الرقمي، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، توجهاً نحو تجريم أنشطة كانت تُعتبر سابقاً ضمن نطاق الحريات المكفولة.

من الإيقاف إلى الغلق

يوثق التقرير أيضاً جملة من الإجراءات التي طالت الفضاء المدني خلال الفترة المذكورة، من بينها، الإيقافات والسجن، وتمديد فترات الاحتفاظ، ومداهمة مقرات الجمعيات وتفتيشها، وتعليق الأنشطة وغلق بعض المقرات، وإخضاع الجمعيات لتدقيقات مالية مكثفة.

وترى الجمعية أن هذه الإجراءات لا تندرج فقط ضمن إنفاذ القانون، بل تعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى الحد من نشاط الفاعلين المدنيين، وإضعاف قدرتهم على العمل والتأثير.

وإلى جانب الإجراءات القانونية، يسلط التقرير الضوء على تصاعد خطاب التخوين واتهام الفاعلين المدنيين بالعمالة، وهو خطاب يسهم، بحسب التحليل، في خلق مناخ عدائي تجاه المجتمع المدني، ويبرر ضمنياً التضييق عليه.

ويؤدي هذا الخطاب إلى مزيد من العزلة للناشطين، ويضعف ثقة الرأي العام في المنظمات الحقوقية، ما يفاقم من هشاشة الفضاء المدني.

دعوات لوقف التدهور

في ضوء ما تم توثيقه، دعت جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف ما وصفته بالسياسات القمعية، مؤكدة على جملة من التوصيات، أبرزها، الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين على خلفية نشاطهم المدني والسياسي والنقابي، ووقف توظيف القضاء كأداة لاستهداف الفضاء المدني.

كما دعت الجمعية إلى ضرورة إنهاء اللجوء إلى الإيقاف التحفظي كوسيلة للضغط والترهيب، واحترام قرينة البراءة والضوابط القانونية لفترات التوقيف.

وشددت على ضرورة ضمان الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها، حرية التعبير وحرية التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات والحق في النشاط الحقوقي والسياسي والنقابي.

الحريات في تونس

يضع هذا التقرير واقع المجتمع المدني في تونس أمام اختبار جديد، في ظل مؤشرات متزايدة على تضييق المجال العام، وبينما تمثل البلاد تجربة محورية في المنطقة من حيث التحول السياسي، فإن استمرار هذه الممارسات يثير تساؤلات جدية حول مستقبل الحريات، ومدى قدرة الفاعلين المدنيين على الاستمرار في أداء دورهم.

وفي وقت تتصاعد فيه الدعوات الدولية لحماية الفضاء المدني، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة التوازن بين مقتضيات الدولة وسيادة القانون، وبين ضمان الحقوق والحريات التي تشكل جوهر أي نظام ديمقراطي.