منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

بلا عقود أو حماية.. الوجه المظلم لسوق العمل في لبنان

31 مارس 2026

في شوارع لبنان، من طرابلس شمالًا إلى صيدا جنوبًا، يجد العمال الأجانب في وظائف يومية لا تُذكر أسماؤها في الإحصاءات الرسمية، ولا يُعترف بوجودها القانوني، ولا تُكتب لها عقود تحمي أصحابها من نزوات أرباب العمل أو قسوة السوق غير الرسمي، في بلد أنهكه الانهيار الاقتصادي والتراجع المتواصل، يبرز وجه خفي لسوق العمل، يعيشه عشرات الآلاف من العمال الوافدين بلا أمان وظيفي ولا وعد بالاستقرار.

تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف القوى العاملة في لبنان تعمل ضمن الاقتصاد غير الرسمي، وهو ما يشمل شريحة واسعة من العمالة الأجنبية، خصوصًا في قطاعات البناء والزراعة والخدمات المنزلية، وهؤلاء يعملون بلا عقود مكتوبة، ولا ضمان اجتماعي، ولا حقوق واضحة، فيما ارتفعت نسبة العمل غير النظامي إلى أكثر من 62% من مجمل العمالة، في قفزة حادة مقارنة بما كانت عليه قبل الانهيار الاقتصادي، بحسب بيانات منظمة العمل الدولية.

ويُطلب من العمال الأجانب إنجاز أعمال شاقة وحيوية في المصانع والأسواق والمنازل، لكنهم يُتركون خارج أي مظلة قانونية، ليصبحوا أسرى تقلبات السوق، وأهواء أصحاب العمل، وغياب الرقابة الفعلية على تطبيق قانون العمل، وبسبب أوضاعهم القانونية الهشة، يتردد كثيرون منهم في تقديم شكاوى، خوفًا من الترحيل أو فقدان مصدر رزقهم الوحيد.

وفي بلد تتراكم فيه الأزمات، تكشف البيانات عن صورة قاتمة لسوق العمل عمومًا، حيث بلغت نسبة البطالة نحو 39% خلال عام 2024، ما زاد حدة المنافسة على فرص العمل، وفتح الباب أمام مزيد من الاستغلال، لا سيما بحق العمالة الأجنبية التي تُدفع إلى قبول أجور متدنية وشروط مجحفة.

وبالقراءة الإنسانية للأرقام، تظهر وجوه شاحبة وأيادٍ منهكة تواجه مصائر غامضة، حيث لا عقود، ولا ضمان صحياً، ولا حماية اجتماعية، ولا إجازات مدفوعة، فإذا تعرض عامل أجنبي لحادث أثناء العمل، غالبًا ما يتحمل تكاليف علاجه كاملة، دون تعويض أو دعم من صاحب العمل، أما العاملات الأجنبيات فيُزج بهن في أعمال هامشية وخدمية بأجور زهيدة، مع غياب شبه تام للحماية من الفصل التعسفي أو الإساءة.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود غياب العقود والحماية، بل تتجاوزها إلى اقتصاد مأزوم لم يعد قادرًا على خلق وظائف لائقة، لا للشباب اللبناني ولا للعمالة الأجنبية، ففي الوقت الذي يواجه فيه أرباب العمل صعوبات في إيجاد كفاءات متخصصة، تتسع الفجوة بين متطلبات سوق العمل والمهارات المتوفرة.

ووفق تقرير البنك الدولي لعام 2023، أفادت 31% من الشركات اللبنانية بأنها تعاني نقصًا في الكفاءات المناسبة، فيما يرى 75% من أصحاب العمل أن الفجوة بين التعليم واحتياجات السوق تتزايد في الاتساع، وفي هذا المشهد المعقد، تتقاطع معاناة العمال الأجانب مع أزمات اللبنانيين أنفسهم، ليشكل الجميع ضحايا سوق عمل هش، يفتقر إلى التخطيط والحماية، ويعمق الإقصاء بدل أن يفتح أبواب الاستقرار، في بلد بات العمل فيه مرادفًا للنجاة لا للحياة الكريمة.

تسوية أوضاع العمال

وزير العمل اللبناني، محمد حيدر، أكد أن الوزارة لن تقبل باستمرار العمالة غير الشرعية في السوق، مشددًا على ضرورة تسوية أوضاع العمال الأجانب غير النظاميين ضمن مهلة محددة، وإلا ستُتخذ إجراءات قاسية بحق المخالفين، مع التنسيق مع وزارة الداخلية والأمن العام لتنفيذ ذلك عمليًا.

ولفت الوزير إلى أن موقف الحكومة يستند إلى المرسوم رقم 80 لسنة 1977 الذي يمنح الدولة حق تنظيم سياسات الاستخدام ومنع مكاتب التوظيف الخاصة غير المنسَّقة، مؤكدًا أن لبنان يدعم وجود العمال الأجانب عند الحاجة لكن ضمن القانون واحترام سيادة الدولة.

كما أعلنت المديرية العامة للأمن العام اللبنانية في أواخر 2025 عن بدء تسوية أوضاع العمال والعاملات العرب والأجانب المخالفين لنظامي الإقامة والعمل، مع منح مهلة حتى نهاية مارس 2026 للتقدّم بطلبات تسوية (نقل كفالة، تحويل صفة، تعديل فئة) قبل تنفيذ حملات تفتيش وقف المخالفات.

وتمثل هذه الخطوات الموقف الحكومي تجاه العمالة غير الرسمية وغير الشرعية في لبنان، وتُظهر توجّه السلطات نحو تنظيم سوق العمل وتقنين أوضاع العمال الأجانب بدل استمرار العمل خارج الأطر القانونية، مع تركيز على حماية العمالة الوطنية وضبط انتهاكات سوق العمل.

أعباء قانونية ومالية

وفي قلب الانهيار الاقتصادي الذي يعصف بلبنان، لم تعد ظاهرة العمل بلا عقود استثناءً عابرًا، بل تحولت إلى قاعدة غير معلنة تحكم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، هكذا تصف أستاذة القانون العام في الجامعة اللبنانية، الدكتورة هالة أبو حمدان، المشهد القانوني والإنساني لسوق العمل، حيث أن الأزمة المالية الخانقة أعادت تشكيل هذه العلاقة على أسس مختلة، أفقدت العامل أبسط ضماناته.

وتوضح أبو حمدان، في حديثها لـ”صفر”، أن عددًا من أصحاب العمل وجدوا في غياب العقود فرصة للتهرب من الالتزامات القانونية، لا سيما ما يتعلق بالضمان الاجتماعي وتعويض نهاية الخدمة وسائر الحقوق الأساسية، وفي ظل ضعف الرقابة وتراجع قدرة الدولة على المتابعة، بات العامل بلا عقد الحلقة الأضعف في معادلة يغلب عليها منطق الربح السريع على حساب الكرامة الإنسانية.

وتشير إلى أن العمال الأجانب، لا سيما السوريين والفلسطينيين، إضافة إلى العمالة المنزلية القادمة من دول إفريقية وآسيوية، يواجهون تحديات مضاعفة في هذا السياق، ففي بعض الحالات، لا يكون الاستغلال أحادي الجانب، إذ يجد بعض العمال أنفسهم منجذبين إلى العمل بلا عقد، هربًا من أعباء قانونية ومالية، كرسوم الإقامة أو الالتزامات الرسمية تجاه الدولة، فيظنون أن هذا الخيار أقل تكلفة وأكثر ربحًا على المدى القصير.

غير أن هذا الربح السريع، كما تحذر أبو حمدان، يخفي خسائر فادحة، فالعامل الذي يقبل العمل خارج الإطار القانوني يفقد في المقابل حقه في الضمان الصحي، وتعويض نهاية الخدمة، والحماية في حال الإصابة أو الصرف التعسفي، ورغم ذلك، يمتنع كثيرون عن تصحيح أوضاعهم القانونية، إما طمعًا بأجر أعلى، أو تفاديًا لتحمل تكلفة الإقامة حين لا يتكفل بها رب العمل، أو ببساطة لأن الحاجة اليومية أقسى من الحسابات البعيدة.

وتشدد أستاذة القانون العام على أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الدولة، التي يُفترض بها تنظيم هذا القطاع وضبطه عبر قواعد قانونية أكثر صرامة، وفرض عقوبات رادعة على كل من العامل ورب العمل عند مخالفة القوانين والعمل دون عقد سليم، فغياب المحاسبة، برأيها، هو ما يسمح بتكاثر هذه الظاهرة وتحولها إلى عرف غير مكتوب.

وفي هذا الفراغ، يبرز الدور الحقوقي كخط دفاع أخير، إذ تؤكد أبو حمدان أهمية تدخل منظمات حقوق الإنسان في رصد هذه الانتهاكات، والتبليغ عنها، ومساندة العمال الذين يتعرضون للظلم، بوصفهم الطرف الأضعف في علاقة مختلة القوى، كما ترى أن لهذه المنظمات دورًا محوريًا في الضغط على الدولة لسن تشريعات عادلة، وملاحقة المخالفين الذين يعملون في الظل، ودون قواعد واضحة أو ضمانات حقيقية.

وتحذّر أبو حمدان في ختام حديثها من أن الضرر لا يقتصر على العامل وحده، بل يمتد ليصيب المجتمع بأكمله، إذ تنشأ حالة من المنافسة غير الشريفة تطيح بالعامل الملتزم بالقانون، وتكافئ من يلتف عليه، وفي بلد يبحث عن أي فرصة للإنقاذ، يصبح العمل بلا عقد ليس فقط أزمة حقوق، بل خطرًا يهدد ما تبقى من العدالة الاجتماعية.

ذريعة لتكريس الاستغلال

في قراءة سياسية للمشهد، يرى المحلل السياسي اللبناني طارق أبو زينب، أن ظاهرة العمالة الأجنبية بلا عقود لم تعد تفصيلاً هامشيًا في أزمة لبنان، بل مرآة تعكس الانهيار العميق لمؤسسات الدولة وغياب الرقابة والمساءلة، وفي حديثه لـ”صفر”، يصف هذا الواقع بوصفه أحد أكثر المؤشرات وضوحًا على تراجع سلطة القانون، حيث يُترك العمال الأجانب لمصيرهم في سوق عمل منفلت، بلا حماية أو مساءلة.

ويوضح أبو زينب أن القضية لا تتعلق فقط بانتهاك حقوق فئة ضعيفة، بل تمتد آثارها لتصيب بنية الاقتصاد نفسه، فالعمل بلا عقود -برأيه- يضرب أسس الاقتصاد المنظم، ويغذي اقتصاد الظل، ويُشوه صورة لبنان أمام المجتمع الدولي، الذي يراقب بقلق بلدًا يعجز عن حماية أبسط حقوق العاملين على أرضه.

ويرفض أبو زينب استخدام الأزمة الاقتصادية كذريعة لتكريس هذا الاستغلال، معتبرًا أن الانهيار كان يفترض أن يشكل نقطة انطلاق لإصلاحات جذرية في سوق العمل، لا مبررًا للتراجع، مؤكدا أن هذه الإصلاحات تبدأ بتطبيق القوانين القائمة فعليًا، لا الاكتفاء بوجودها على الورق، وبإلغاء أنظمة الحماية الشكلية التي تحولت مع الوقت إلى أدوات قمع بدل أن تكون أدوات أمان، فضلًا عن تفعيل جهاز تفتيش عمالي مستقل قادر على المحاسبة دون تدخلات سياسية.

ولا يفصل أبو زينب بين الداخل والخارج في مقاربة الحلول، مشددًا على أن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقل أهمية عن المسؤولية المحلية، داعيًا إلى دعم لبنان تقنيًا وماليًا، لكن بشروط واضحة وصارمة، تضع حماية حقوق العمال في صلب أي مساعدة، لا أن تُضخ الأموال بشكل عشوائي عبر منظومات ثبت فسادها وعجزها عن الإصلاح.

ويختم المحلل السياسي اللبناني حديثه بتأكيد لافت على أن كرامة العمل هي المعيار الحقيقي لسيادة الدولة، فكل مشروع إنقاذ اقتصادي، مهما بدا طموحًا، محكوم بالفشل إذا بُني على انتهاك الحقوق الإنسانية الأساسية، وفي مقدمتها حقوق العمال، لا سيما العمالة الأجنبية التي تدفع اليوم ثمن الانهيار مضاعفًا.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان