يكشف قرار بيع أراضٍ زراعية تابعة لدوقية كورنوال في إنجلترا عن إشكالية حقوقية مركبة تتقاطع فيها حقوق الملكية مع الحق في السكن والعمل والاستقرار الاقتصادي، في ظل تحذيرات متصاعدة من تغليب الربح على مصلحة المجتمعات المحلية.
ويحذر مزارعون مستأجرون، وفق ما أوردته صحيفة “التليغراف”، من تداعيات خطط بيع عشر المزارع في عقار برادنينش بمقاطعة ديفون، بعد أن أبلغتهم الدوقية بنيتها إعادة هيكلة محفظتها العقارية، مع منحهم أولوية شراء الأراضي بخصم عن الأسعار السوقية، وهو ما قُدم بوصفه فرصة “مثيرة” لامتلاك الأراضي.
ويثير هذا الطرح، رغم طابعه الظاهري الداعم للتمليك، مخاوف عميقة لدى المستأجرين الذين يرون أن هذه الخطوة قد تدفعهم إلى تحمل أعباء مالية كبيرة، ما يهدد استقرارهم الاقتصادي ويضع الأجيال القادمة تحت ضغط الديون، في تناقض واضح مع مبدأ الحماية الاجتماعية للفئات الريفية.
وينبه المزارعون إلى أنهم أُبلغوا بالقرار بشكل مفاجئ، دون مشاورات كافية، مؤكدين أن مستوى القلق والتوتر بلغ ذروته، وهو ما يعكس إشكالية تتعلق بالحق في المشاركة في اتخاذ القرارات التي تمس سبل العيش.
ويؤكد الجراح المتقاعد، جون بالمر، أن بيع الأراضي بشكل مجزأ قد يؤدي إلى فقدان الإرث التاريخي للدوقية في الإدارة البيئية المستدامة، محذراً من أن تحويل الأراضي إلى سلعة خاضعة لمنطق السوق فقط قد يهدد التوازن بين الربح والمسؤولية المجتمعية.
ويشير إلى أن العائلة المالكة تمتلك من المرونة المالية ما يسمح باتخاذ قرارات لا تقتصر على العائد الاقتصادي، بل تراعي مصلحة السكان، ما يضع تساؤلات حقوقية حول التزامات الجهات المالكة تجاه المجتمعات المرتبطة بالأرض.
تهديد الاستقرار الريفي
يوضح مزارعون مستأجرون أن شراء الأراضي، رغم كونه فرصة ظاهرية، قد يكون مستحيلاً عملياً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها القطاع الزراعي البريطاني، ما يهدد بتحويل حق التملك إلى عبء مالي.
ويشير مزارع مستأجر إلى أن قرار البيع شكل “صدمة كبيرة”، معتبراً أن التحول في إدارة الدوقية يعكس ابتعاداً عن نهج سابق كان أكثر مراعاة للزراعة واستدامتها، وهو ما يعكس شعوراً بفقدان الحماية المؤسسية.
ويكشف حجم الدوقية التي تقدر قيمتها بنحو مليار جنيه إسترليني وتمتد على مساحة تقارب 52 ألف هكتار عبر 19 مقاطعة، عن فجوة واضحة في موازين القوة بين المالكين والمستأجرين، ما يعزز البعد الحقوقي للنزاع، بحسب ما نقلته منصة “إيه أوه إل” الأمريكية.
ويلفت مجلس مدينة برادنينش إلى أن المرحلة الحالية “عصيبة”، محذراً من تأثيرات القرار في الأصول المجتمعية مثل الملاعب والأراضي الرطبة، وهو ما يطرح تساؤلات حول الحق في الحفاظ على الموارد المشتركة.
وعلى الجانب الأخر، يرحب بعض المزارعين بفرصة التملك، معتبرين أنها تمنحهم سيطرة كبرى على مستقبلهم، حيث وصف أحدهم الخطوة بأنها “فرصة العمر”، ما يعكس انقساماً داخل المجتمع الزراعي بين من يرى في القرار تمكيناً ومن يراه تهديداً.
ويدافع مزارع آخر عن القرار، مشيراً إلى أن استدامة العقار تتطلب استثمارات، وأن إعادة توجيه الموارد قد تكون ضرورية، وهو ما يعكس جدلاً بين منطق السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
إعادة هيكلة أم تهديد للحقوق؟
تؤكد دوقية كورنوال أن بيع وشراء العقارات جزء روتيني من إدارتها، مشددة على أن العمليات ستتم “بحساسية”، مع إعطاء الأولوية للمستأجرين، في محاولة لاحتواء المخاوف.
وصرح الرئيس التنفيذي للدوقية، ويل باكس، بأن الهدف هو تمكين العائلات من امتلاك مزارعها، مشيراً إلى أن العديد من المستأجرين يرون في هذه اللحظة فرصة تاريخية، ما يعكس رواية رسمية تركز على التمكين الاقتصادي.
وأضاف أن إعادة الهيكلة تهدف إلى تحقيق “أكبر أثر اجتماعي وبيئي” من خلال إعادة توجيه الاستثمارات نحو مناطق أكثر احتياجاً، وهو ما يطرح إشكالية توزيع الموارد بين مناطق مختلفة.
وأوضح أن القرارات تتخذ بعناية وعلى المدى الطويل، وليس بدوافع تجارية قصيرة الأجل، في محاولة لنفي الطابع الربحي البحت عن العملية.
وأشار إلى أن عقود الإيجار الحالية التي يبلغ عددها نحو 700 عقد، تقوم على شراكة في المسؤوليات بين المالك والمستأجر، وهو ما يعزز الطابع التعاوني للعلاقة، لكنه لا يمنع من اختلال التوازن عند اتخاذ قرارات البيع.
اضطراب اقتصادي
نبه الرئيس التنفيذي لجمعية المزارعين المستأجرين، جورج دان، إلى أن المزارعين يعيشون حالة من عدم اليقين، رغم منحهم أولوية الشراء، مؤكداً أن الجمعية “تشعر بخيبة أمل” من قرار البيع، وفق ما أوردته مجلة “فارمرز ويكلي” البريطانية.
وأوضح أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطط لترشيد النفقات، ما يعكس أولوية الاعتبارات المالية على حساب الاستقرار الزراعي، وهو ما يثير تساؤلات حول التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والحقوق الاجتماعية.
وحذر دان من أن عدم قدرة المستأجرين على شراء الأراضي قد يؤدي إلى “اضطراب كبير” في أعمالهم الزراعية، خاصة أنهم كانوا يتوقعون الاستمرار بوصفهم مستأجرين على المدى الطويل.
وأشار إلى أن العقود قد تسمح بإخلاء الأراضي في حال البيع، ما يفتح الباب أمام مخاطر فقدان سبل العيش، وهو ما يضع الحق في العمل والاستقرار في مواجهة مباشرة مع حقوق الملكية.
وينتقد مزارعون غاضبون طريقة إدارة الدوقية، معتبرين أن القرار يهدد نمط حياتهم، ويجبرهم على الاختيار بين الديون أو فقدان أراضيهم، وهو ما يعكس معضلة حقوقية حادة، بحسب منصة “إيه أوه إل”.
ويشددون على أنهم لم يحصلوا على وقت كافٍ للتخطيط، ما يزيد من هشاشتهم الاقتصادية، ويضعف قدرتهم على اتخاذ قرارات مستنيرة، وهو ما يرتبط بالحق في الأمن الاقتصادي.
ويحذرون من أن بيع الأراضي قد يؤدي إلى تفكيك مجتمعات ريفية قائمة منذ أجيال، ما يهدد الترابط الاجتماعي والهوية المحلية.
ويؤكدون أن التوتر بلغ مستويات مرتفعة، في ظل غياب ضمانات كافية لحماية مصالحهم، وهو ما يعكس فجوة بين السياسات العقارية والحقوق الاجتماعية.
وتكشف هذه التطورات عن صراع أعمق بين منطق السوق وحقوق الإنسان، حيث تتحول الأرض من مصدر للعيش والاستقرار إلى أصل استثماري، في وقت يطالب فيه المتضررون بإعادة التوازن بين الربح ومصلحة الناس.
