تفتح أفغانستان عامًا دراسيًا جديدًا فيما تتكرر المأساة نفسها: مقاعد فارغة لفتيات مُنعن من العودة إلى المدارس، وأسر ترى مستقبل بناتها يُسحب أمام أعينها، ومعلمات ينتظرن قرارات لا تأتي، وبلد يدفع ثمنًا باهظًا لأن نصف طاقته البشرية يُقصى من التعليم النظامي.
منذ عودة طالبان إلى الحكم في أغسطس 2021، لم تعد أزمة التعليم في أفغانستان مجرد ملف تربوي، بل صارت قضية حقوق إنسان شاملة تمس الحق في التعليم، والعمل، والصحة، والحماية من الزواج المبكر، والمشاركة في الحياة العامة.
وتقول اليونسكو واليونيسف، إن أفغانستان باتت البلد الوحيد في العالم الذي تُمنع فيه الفتيات والنساء من التعليم الثانوي والعالي، وإن نحو 2.2 مليون فتاة مُبعدات اليوم عن الدراسة بعد المرحلة الابتدائية، مع تحذيرات من أن هذا الرقم مرشح للارتفاع كلما مر عام دراسي جديد من دون رفع الحظر.
عقود من الحرب والفقر
يكشف هذا الواقع أن ما بدأ في سبتمبر 2021 بوصفه إغلاقًا “مؤقتًا” للمدارس الثانوية أمام الفتيات، تحول خلال أربع سنوات إلى سياسة ثابتة ذات أثر مدمر طويل الأمد، فبحسب اليونسكو، لم يقتصر الضرر على الفتيات الممنوعات من دخول الصفوف، بل امتد إلى النظام التعليمي كله، في بلد يعاني أصلًا من عقود من الحرب والفقر وضعف البنية التحتية التعليمية.
وتوضح المنظمة أن أكثر من 2.13 مليون طفل في سن التعليم الابتدائي ما زالوا أيضًا خارج المدرسة، بينما تراجع تعليم الأولاد نفسه وتضررت جودة التعلّم عمومًا.
وهذا يعني أن أفغانستان لا تعيش فقط أزمة “تعليم البنات”، بل أزمة تعليم وطنية كبرى، غير أن الفتيات يتحملن العبء الأشد والأكثر قسوة لأنها أزمة قانونية وسياسية مقصودة، لا مجرد نتيجة جانبية للفقر أو النزاع.
من الإغلاق إلى المنع
بدأت القصة عمليًا بعد عودة طالبان إلى كابول في 15 أغسطس 2021، حين تعهدت الحركة في الأسابيع الأولى بأنها ستسمح للفتيات بالعودة إلى التعليم “وفق الشريعة” و”عندما تتهيأ الظروف”.. لكن تلك الوعود لم تصمد طويلًا.
ففي مارس 2022 أُبقيت المدارس الثانوية مغلقة أمام الفتيات في اللحظة الأخيرة، ثم تكرس المنع تدريجيًا ليشمل التعليم العالي أيضًا.
وفي ديسمبر 2022 مُنعت النساء من الجامعات، قبل أن تتوسع القيود لاحقًا لتشمل برامج التدريب المهني ومجالات تعليمية ضرورية، بينها التعليم الطبي للنساء، وهو ما وصفه مقرر الأمم المتحدة الخاص بأنه تطور شديد الخطورة، لأنه يضرب التعليم والصحة معًا في آن واحد.
منظومة من المراسيم والقرارات
تؤكد التقارير الأممية أن هذه الإجراءات لم تبقَ مبعثرة أو مؤقتة، بل تحولت إلى منظومة كاملة من المراسيم والقرارات، فقد قالت اليونسكو إن سلطات الأمر الواقع أصدرت أكثر من 70 مرسومًا قيدت حقوق النساء والفتيات منذ 2021، وكان التعليم في قلب هذه المنظومة.
وقالت المفوضية السامية لحقوق الإنسان، إن هذه السياسة تشكل جزءًا من إطار أوسع من “القمع الجندري” الذي يضرب النساء والفتيات في التعليم والعمل والحياة العامة والخدمات الأساسية.
وبذلك، لم يعد حرمان الفتيات من الدراسة إجراءً إداريًا منعزلًا، بل صار أحد أعمدة النظام القائم.
ملايين الفتيات خارج الصفوف
تشير أحدث الأرقام المتاحة إلى أن الكلفة الإنسانية لهذا المنع هائلة، ففي 21 مارس 2025 قالت اليونيسف، إن عامًا دراسيًا جديدًا بدأ فيما حُرمت 400 ألف فتاة إضافية من حقهن في التعليم، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 2.2 مليون فتاة ممنوعات من الدراسة بعد المرحلة الابتدائية.
وفي يناير 2026 كررت اليونسكو واليونيسف هذا الرقم، محذرتين من أن أفغانستان تواصل خسارة جيل كامل من الفتيات، ليس فقط على المستوى التعليمي، بل على مستوى مستقبل البلاد التنموي كله.
وتقول المنظمتان إن استمرار الحظر يعني انخفاضًا في فرص العمل، وارتفاعًا في مخاطر الزواج المبكر، وتراجعًا في فرص المشاركة الاجتماعية والاقتصادية للنساء في المستقبل.
دروس منزلية سرية
تتجاوز الأزمة حدود الصفوف المغلقة إلى أرقام أشمل تتعلق بمستقبل الأطفال جميعًا، فبحسب بيانات اليونيسف، يوجد في أفغانستان ما يصل إلى 7 ملايين طفل خارج المدرسة بسبب الحظر على تعليم الفتيات وعوامل أخرى مثل الفقر والنزوح وضعف البنية المدرسية.
كما قالت اليونسكو إن التدهور لا يمس الفتيات وحدهن؛ إذ انخفض التحاق الذكور بالتعليم العالي بنحو 40% منذ 2019، ما يكشف أن النظام التعليمي برمته يتعرض للشلل، حتى لو كانت الفتيات هن الهدف الأكثر مباشرة للمنع.
ويدفع هذا الواقع آلاف الأسر إلى البحث عن بدائل ناقصة ومكلفة وغير مستقرة، فبعض العائلات تلجأ إلى دروس منزلية سرية، وبعض الفتيات يحاولن متابعة التعليم عبر الإنترنت إذا توفرت الكهرباء والإنترنت والكلفة المالية، فيما تتجه أخريات إلى المدارس الدينية لأنها الخيار الوحيد المتبقي لقضاء الوقت أو الحفاظ على صلة ما بالتعلم.
لكن هذه البدائل، مهما كانت مهمة، لا تعوض مدرسة نظامية بمناهج واضحة وشهادات معترف بها ومسار تعليمي متصل. ولذلك تقول اليونسكو إن الخسارة ليست تربوية فقط، بل مؤسساتية أيضًا، لأن النظام الرسمي نفسه يُفرغ من معناه حين يُغلق أمام نصف المتعلمين المحتملين.
احتمالات الزواج المبكر
يزيد المنع كذلك من المخاطر الاجتماعية على الفتيات، فكل سنة إضافية خارج المدرسة تعني، بالنسبة إلى كثير من الأسر، اتساع احتمالات الزواج المبكر أو القسري، وتراجع فرص الاستقلال الاقتصادي مستقبلًا، وتعميق التبعية داخل الأسرة والمجتمع.
وتربط الأمم المتحدة للمرأة بين الحظر على التعليم والحظر على العمل، مؤكدة أن هذا التداخل يدمر فرص جيل كامل من الشابات، فنحو 80% من الشابات الأفغانيات أصبحن خارج التعليم والعمل والتدريب، وهو رقم يلخص حجم العزل الذي تعيشه النساء في أفغانستان اليوم.
ويحذّر خبراء الأمم المتحدة من أن الأزمة التعليمية لم تعد تنحصر في المدرسة والجامعة، بل بدأت تضرب قطاعات حيوية مثل الصحة، ففي فبراير 2026 قال المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان في أفغانستان إن الحظر المفروض على التعليم الطبي للنساء ستكون له آثار طويلة الأمد على النظام الصحي، لأن تقييد تعليم النساء يعني عمليًا خفض عدد الطبيبات والعاملات الصحيات.
ووصف الخبراء هذا التوجه بأنه ليس مجرد خطأ إداري، بل خطوة تدفع البلاد نحو كارثة صحية تمس النساء والفتيات أولًا.
موقف المنظمات الدولية
تستخدم الهيئات الدولية اليوم لغة أشد صراحة في توصيف ما يحدث، فالاتحاد الأوروبي قال في مجلس حقوق الإنسان في فبراير 2026 إن الانتهاكات الواسعة والمنهجية ضد النساء والفتيات في أفغانستان قد ترقى إلى اضطهاد جندري.
كما رحّب خبراء أمميون في يناير 2025 بطلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرات توقيف على أساس الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي، معتبرين أن هذه خطوة مهمة نحو مساءلة من يحوّلون التمييز إلى سياسة دولة فعلية.
وتجمع هذه المواقف على أن ما يجري ليس مسألة “سياسات داخلية” أو “اختلافات ثقافية”، بل انتهاكاً جسيماً لحقوق معترف بها دوليًا، وفي مقدمتها الحق في التعليم والمساواة وعدم التمييز.
تراجع حقوق النساء
أعربت كذلك لجنة سيداو في يوليو 2025 عن “أشد القلق” من التراجع المنهجي في حقوق النساء والفتيات، واعتبرت أن ما حدث منذ 2021، خاصة في التعليم، يمثل تقويضًا شبه كامل للحقوق التي التزمت بها أفغانستان بموجب الاتفاقيات الدولية.
ودعت اللجنة إلى استعادة الضمانات القانونية والدستورية ورفع القيود فورًا عن التعليم والعمل والتنقل والحياة العامة.
وهذا التوافق بين اليونسكو واليونيسف ومجلس حقوق الإنسان ولجنة سيداو والمقرر الخاص يكشف أن المجتمع الدولي لا يرى في أزمة التعليم الأفغانية مشكلة قطاعية، بل أزمة حقوق إنسان شاملة.
