شهدت منظومة التعليم في المغرب تحولات لغوية متعددة منذ الاستقلال، بين التعريب واعتماد اللغات الأجنبية في تدريس المواد العلمية، ما أدى إلى بروز إشكاليات تتعلق بانسجام المناهج وتكافؤ الفرص بين التلاميذ، خاصة مع اختلاف الخلفيات اللغوية والاجتماعية.
وكشفت معطيات حديثة عن أزمة مركبة داخل المدرسة العمومية في المغرب، تتجاوز الإشكالات التقليدية المرتبطة بالبنية التحتية أو الموارد البشرية، لتصل إلى صميم العملية التعليمية نفسها، حيث أصبحت لغة التدريس أحد أبرز المعوقات أمام تحصيل التلاميذ، ويُظهر تقرير الدراسة الدولية للتعليم والتعلم TALIS” 2024″ أن هذه الإشكالية لم تعد هامشية، بل تحولت إلى عامل بنيوي يؤثر بشكل مباشر في جودة التعليمات، ويعيد طرح تساؤلات عميقة حول فعالية السياسات التعليمية المعتمدة.
تشير البيانات وفق الدراسة إلى أن نحو 70 بالمئة من تلاميذ التعليم الثانوي الإعدادي في المغرب يواجهون صعوبات في فهم لغة التدريس، في حين أن 40 بالمئة منهم يدرسون بلغة غير لغتهم الأم، وهو ما يعكس فجوة لغوية عميقة داخل الفصول الدراسية، وتؤكد هذه الأرقام أن اللغة لم تعد مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل أصبحت معوقًا بنيويًا يحد من قدرة التلاميذ على الاستيعاب والتفاعل مع المحتوى الدراسي، خاصة في المواد العلمية التي تعتمد على مفاهيم دقيقة ومصطلحات معقدة.
حجم المنظومة التعليمية
تتضح أبعاد الأزمة بشكل أكبر عند النظر إلى حجم المنظومة التعليمية في المغرب، حيث تشير بيانات وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إلى أن عدد التلاميذ خلال الموسم الدراسي 2025- 2026 يبلغ حوالي 8.27 مليون تلميذ، من بينهم أكثر من 7 ملايين في التعليم العمومي، موزعين على أكثر من 12441 مؤسسة تعليمية، ويؤطرهم نحو 299 ألف أستاذ، ويعكس هذا الحجم الكبير ضغطًا متزايدًا على المدرسة العمومية، خاصة في ظل التفاوتات المجالية واللغوية، ما يزيد من صعوبة تحقيق جودة التعليمات بشكل متكافئ.
اللغة ونتائج التحصيل
تعكس نتائج الاختبارات الدولية هذا التأثير بشكل واضح، حيث تشير بيانات برنامج التقييم الدولي للتلاميذ “PISA” إلى أن المغرب يسجل مستويات متدنية في مهارات القراءة والعلوم، مع نسبة كبيرة من التلاميذ الذين لا يبلغون الحد الأدنى من الكفاءة، ويرتبط هذا الأداء الضعيف بشكل وثيق بصعوبة فهم لغة التدريس، ما يؤثر في القدرة على تحليل النصوص واستيعاب المفاهيم العلمية، وفق منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OECD”.
تُظهر المقارنات الدولية اتساع الفجوة، حيث يدرس أقل من 10 بالمئة من التلاميذ في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بلغة غير لغتهم الأم، مقارنة بـ40 بالمئة في المغرب، وتؤكد هذه المعطيات أن الأنظمة التعليمية التي تعتمد لغة مألوفة للمتعلم تحقق نتائج فُضلى، ما يبرز أهمية العامل اللغوي في تحسين جودة التعليم.
رغم وجود هيئة تدريس شابة في المغرب بمتوسط عمر يبلغ 39 سنة في التعليم الثانوي الإعدادي و40 سنة في الابتدائي، فإنه وفقاً لتقرير الدراسة الدولية للتعليم والتعلم “TALIS” 2024 يوجد نحو ثلاثة من كل عشرة أساتذة تقل خبرتهم عن ست سنوات، ما يعكس خللاً في التوازن بين الأجيال، ويؤثر هذا الوضع في جودة التأطير التربوي، خاصة في المؤسسات التي تحتاج إلى خبرات مهنية كبرى للتعامل مع التحديات اللغوية والبيداغوجية.
تفاوتات مجالية واجتماعية
تتعمق الأزمة داخل سياق تفاوتات واضحة بين الوسطين الحضري والقروي، حيث تعتمد المؤسسات القروية بشكل أكبر على أساتذة حديثي الخبرة، إذ لا تتجاوز نسبة من تفوق أعمارهم 50 سنة 9 بالمئة مقابل 26 بالمئة في المدن، كما يعمل 40 بالمئة من أساتذة الثانوي الإعدادي و35 بالمئة من أساتذة الابتدائي في مؤسسات تضم نسبًا مرتفعة من التلاميذ المنحدرين من أوساط هشة، ما يزيد من تعقيد العملية التعليمية، بحسب الدراسة الدولية للتعليم والتعلم.
فصول غير متجانسة واكتظاظ
كما تشير المعطيات إلى وجود تفاوت كبير في مستويات التلاميذ داخل نفس الفصل، حيث أكد 84 بالمئة من أساتذة الثانوي الإعدادي و74 بالمئة من أساتذة الابتدائي هذا التفاوت، ويواجه نحو نصف أساتذة الإعدادي نسبًا مرتفعة من التلاميذ ذوي صعوبات التعلم، ما يجعل من الصعب تحقيق انسجام بيداغوجي داخل القسم، خاصة في ظل اختلاف الخلفيات اللغوية.
وبحسب المجلس الأعلى للتربية والتكوين تُفاقم ظاهرة الاكتظاظ من هذه التحديات، حيث يتجاوز عدد التلاميذ في بعض الفصول 40 تلميذًا، ما يحد من قدرة المدرس على تقديم دعم فردي للتلاميذ الذين يواجهون صعوبات لغوية، ويؤثر في جودة التفاعل داخل الفصل.
الهدر المدرسي
ترتبط هذه التحديات بشكل وثيق بظاهرة الهدر المدرسي التي ما تزال تستنزف المنظومة التعليمية في المغرب، إذ يغادر نحو 280 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويًا، وفق أحدث المعطيات الرسمية من وزارة التربية الوطنية المغربية، مع تسجيل تركّز لافت في مرحلة التعليم الإعدادي التي تمثل وحدها حوالي 60 في المئة من مجموع حالات الانقطاع، أي ما يقارب 160 ألف تلميذ سنويًا، في حين تتوزع باقي الحالات بين التعليم الابتدائي والثانوي التأهيلي، ورغم تسجيل تراجع نسبي مقارنة بسنوات سابقة، حيث كان العدد يتجاوز 330 ألف منقطع، فإن المعدل الوطني لا يزال في حدود 4.4 في المئة، مع ارتفاعه بشكل مقلق في بعض المناطق الهشة ليصل إلى مستويات أعلى بكثير، ما يعكس عمق الاختلالات البنيوية المرتبطة بالفقر والتفاوتات المجالية وضعف شروط التعلم، وعلى رأسها إشكالية لغة التدريس.
تظهر آثار الأزمة بشكل أكبر لدى الفئات الهشة، حيث يواجه التلاميذ المنحدرون من أوساط فقيرة صعوبات مضاعفة في التكيف مع لغة التدريس، في ظل محدودية الدعم الأسري والتربوي، ما يكرس الفوارق الاجتماعية داخل المنظومة التعليمية.
ضعف التكوين والتداعيات
يرتبط جزء من الإشكال بضعف التكوين في المقاربات اللغوية، حيث لا يستفيد عدد كافٍ من الأساتذة من برامج تدريب متخصصة في تدريس المواد بلغة ثانية، ما يؤثر في قدرتهم في تبسيط المفاهيم وضمان استيعابها من قبل جميع التلاميذ.
تمتد تداعيات ضعف التعلم إلى المجال الاقتصادي، حيث تشير تقارير البنك الدولي إلى أن تدني المهارات الأساسية يؤثر في إنتاجية الأفراد وفرص اندماجهم في سوق العمل، ما يؤدي إلى خسائر اقتصادية غير مباشرة على المدى الطويل.
مطالب دولية
تشدد منظمات دولية، منها اليونسكو، على ضرورة مراجعة السياسات اللغوية في التعليم، واعتماد مقاربات تدريجية تراعي اللغة الأم في المراحل الأولى، مع تعزيز تعلم اللغات الأجنبية بشكل متوازن، ما يضمن تحسين جودة التعلمات وتقليص الفوارق.
وفق الأمم المتحدة يرتبط الحق في التعليم الجيد بالقدرة على فهم المحتوى التعليمي، وهو ما تؤكده المواثيق الدولية التي تنص على ضرورة توفير تعليم ملائم ومتاح للجميع دون تمييز. وتبرز التحديات اللغوية بوصفها أحد العوامل التي قد تعوق تحقيق هذا الحق بشكل متكافئ.
تعكس المؤشرات الحالية أن أزمة التعليم في المغرب تتجاوز بعدها التقني لتشمل أبعادًا لغوية واجتماعية واقتصادية متداخلة. وبين معطيات تكشف عن موارد بشرية مهمة واختلالات بنيوية مستمرة، تظل الحاجة قائمة إلى مقاربة شاملة تعالج إشكالية لغة التدريس ضمن رؤية متكاملة لتحسين جودة التعليم وضمان تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.

