منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

صحفيون بين الاختفاء والقتل.. الباحثون عن الحقيقة ينتظرون العدالة في سوريا الجديدة

25 مارس 2026
اشتباكات في سوريا تثير القلق
اشتباكات في سوريا تثير القلق

أثار اختفاء الصحفية الألمانية إيفا ماريا ميشلمان والصحفي الكردي أحمد بولات في الرقة بسوريا العديد من التساؤلات وفتح باباً من الجدل، فهو أكثر من مجرد حادثة غامضة في مدينة خرجت تواً من معركة؛ حيث يكشف أن العمل الصحفي في سوريا، حتى بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، لم يدخل بعد مرحلة الأمان أو الحماية القانونية الفعلية.

ورغم أن نهاية الحكم السابق فتحت هامشاً أوسع للصحافة مقارنة بعقود من القمع الممنهج، لكن التقارير الحقوقية والمهنية الأحدث تظهر أن الصحفيين ما زالوا يواجهون القتل والإصابة والاحتجاز والاختفاء، وسط بيئة انتقالية هشة، وتعدد في الجهات المسلحة، وضعف في الضمانات المؤسسية.

وتقول مراسلون بلا حدود، إن سقوط النظام أنهى “خمسة عقود من القمع الوحشي للصحافة”، لكنه لم ينهِ هشاشة الإعلام، في حين تؤكد لجنة حماية الصحفيين والاتحاد الدولي للصحفيين أن اختفاء ميشلمان وبولات أعاد إلى الواجهة السؤال الأساسي.. هل يستطيع الصحفي في سوريا الجديدة أن ينقل الوقائع من الميدان من دون أن يدفع ثمن ذلك حريته أو حياته؟

فتح الملف من جديد

عاد الجدل مجدداً حول حماية الصحفيين وحريتهم في سوريا، حيث فُقد أثر ميشلمان وبولات في الرقة أثناء تغطيتهما التطورات العسكرية هناك في أواخر يناير الماضي.

ووفق لجنة حماية الصحفيين والاتحاد الدولي للصحفيين، شوهد الصحفيان آخر مرة بعد الاحتماء مع مدنيين داخل مبنى خلال اشتداد القتال، قبل أن يُفصلا عن المجموعة خلال عملية إجلاء ويُنقلا في مركبة عسكرية على أيدي عناصر مسلحة أو قوات حكومية، بحسب شهادات متقاطعة نقلتها المنظمتان.

ومنذ ذلك التاريخ لم تحصل العائلتان أو المحامون على أي معلومات مؤكدة عن مكان وجودهما أو حالتهما أو حتى ما إذا كانا لا يزالان على قيد الحياة.

ولهذا طالب 19 نائباً في البرلمان الأوروبي مؤسسات الاتحاد الأوروبي بالتحرك الدبلوماسي العاجل للكشف عن مصيرهما والسماح للمنظمات الدولية بالوصول إلى أماكن الاحتجاز في الرقة.

كم عدد الصحفيين المختفين؟

تكشف المراجعة الأحدث للمصادر الحقوقية والمهنية أن الحالتين الموثقتين علناً والأبرز منذ سقوط النظام في ديسمبر 2024 هما إيفا ماريا ميشلمان وأحمد بولات، ما يجعل هاتين الحالتين هما الحد الأدنى الموثق بوضوح في الفترة الحالية.

وفي المقابل، تذكّر مراسلون بلا حدود بأن سقوط الأسد لم يُنهِ إرث الإخفاء السابق، إذ قالت في فبراير 2026 إن 13 صحفياً على الأقل ما زالوا في عداد المفقودين نتيجة اختفاءات قسرية وقعت في عهد النظام السابق، حتى بعد أكثر من عام على سقوطه.

كما تشير الصفحة الخاصة بسوريا لدى منظمة مراسلون بلا حدود إلى وجود صحفيين اثنين معتقلين حتى الآن في المؤشر اللحظي لعام 2026، وهو ما يعكس استمرار الخطر على الصحفيين، ولو تغيّرت الجهات والسياقات.

حصيلة القتلى.. أرقام متقاربة

تظهر الإحصاءات الخاصة بالصحفيين القتلى منذ سقوط النظام أن هناك تفاوتاً بين الجهات الراصدة بحسب منهجية التوثيق، فبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR)، قُتل 8 من العاملين في المجال الإعلامي في سوريا خلال عام 2025.

وفي المقابل، قالت لجنة حماية الصحفيين إن مقتل المصور الصحفي ساري مجيد الشوفي في السويداء في 14 يوليو 2025 كان أول حالة قتل لصحفي في سوريا توثقها اللجنة في 2025، ما يعكس طبيعة المنهجية الأكثر تشدداً لدى لجنة حماية الصحفيين في إثبات الصلة المباشرة بين القتل والعمل الصحفي.

ويمكن القول إن الحصيلة المؤكدة تراوح بين حالة واحدة موثقة وفق منهجية لجنة حماية الصحفيين و8 عاملين إعلاميين وفق توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان خلال عام 2025، مع ضرورة توضيح هذا الفرق للقارئ بدل تقديم رقم واحد على أنه الحقيقة المطلقة.

الصحفيون على خط النار

تكشف الوقائع الموثقة أن الإصابات بين الصحفيين في سوريا ما بعد الأسد ليست هامشية، ففي مارس 2025، قالت مراسلون بلا حدود إن خمسة صحفيين على الأقل استُهدفوا وأصيبوا أثناء تغطية الاشتباكات العنيفة على الساحل السوري.

وفي 17 مارس 2025، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان هجوماً صاروخياً نسبته إلى حزب الله أدى إلى إصابة 5 إعلاميين بجروح متفاوتة على الحدود السورية – اللبنانية في حمص.

ثم في يوليو 2025، وثقت لجنة حماية الصحفيين، إصابة صحفيين آخرين في السويداء، هما نديم النابلسي ومهند أبوزيد أثناء التغطية الميدانية، بعد أيام من مقتل الشوفي.

وبذلك، يمكن القول إن ما لا يقل عن 12 صحفياً وإعلامياً أُصيبوا في حوادث موثقة علناً خلال 2025 بعد سقوط النظام، وهذا الرقم هو حد أدنى مبني على وقائع موثقة، وليس بالضرورة الحصيلة النهائية لكل الإصابات في البلاد.

الخطر لم يختفِ

لا يقف التهديد عند القتل أو الإصابة، ففي ديسمبر 2025 اعتقلت قوات تابعة لقسد/ الإدارة الذاتية، الصحفي فراس البرجس في الرقة، قبل أن يُفرج عنه في 26 يناير 2026، بحسب لجنة حماية الصحفيين.

وتكشف هذه القضية أن الصحفيين في سوريا بعد الأسد ما زالوا عرضة للاحتجاز التعسفي والمحاكمة تحت عناوين أمنية وسياسية، حتى في مناطق لا تخضع لسلطة دمشق المباشرة.

كما تؤكد أن هشاشة الحماية القانونية لا تزال قائمة على مستوى البلاد كلها، بصرف النظر عن الجهة المسيطرة.

ولهذا تكرر المنظمات الدولية أن الخطر على الصحافة في سوريا لم يعد محصوراً في “نظام واحد”، بل بات مرتبطاً بتعدد الفاعلين المسلحين والسياسيين، وغياب إطار وطني جامع يضمن سلامة الصحفيين وحقهم في الوصول إلى المعلومات والتغطية الحرة.