منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

حذرت من سيادة الخوف.. لجنة دولية تكشف تصاعداً مقلقاً في استهداف النساء بسوريا

24 مارس 2026
مخاوف من الاضطرابات الأمنية بسوريا
مخاوف من الاضطرابات الأمنية بسوريا

كشف تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا أن عام 2025 شهد انتهاكات خطيرة طالت النساء والفتيات، خصوصاً من المجتمعات العلوية، في سياق اتسم بالعنف والفوضى وضعف الحماية وسيادة الخوف.

وأوضح التقرير الصادر في مارس الجاري، والذي استعرضه مجلس حقوق الإنسان، أن اللجنة تلقت عشرات الادعاءات عن اختطاف نساء وفتيات خلال 2025، وأنها تحققت من 21 حالة شملت 4 فتيات قاصرات و17 شابة في محافظات دمشق وريف دمشق واللاذقية وطرطوس وحماة وحمص.

وبيّن التقرير أن غالبية الحالات تعلقت بنساء أو فتيات علويات، في حين شملت إحدى الحالات فتاة سنية، ما يعكس نمطًا تمييزيًا مقلقًا في الاستهداف، حتى إن بعض العائلات اضطرت، بحسب اللجنة، إلى منع بناتها من الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة، في حين لجأت أخريات إلى ارتداء الحجاب لتفادي الاشتباه بانتمائهن إلى أقليات دينية.

شعور بانعدام الأمان

يوضح هذا التوثيق الأممي أن الخطر لا يتمثل فقط في وقوع حوادث اختطاف متفرقة، بل في الأثر المجتمعي الأوسع الذي تخلفه هذه الجرائم داخل بيئات تشعر أصلًا بالهشاشة بعد التغيرات السياسية والعسكرية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.

وقالت اللجنة إن عمليات الخطف جرت غالبًا في وضح النهار ومن الشوارع والأسواق في المدن والبلدات، وهو ما فاقم الشعور العام بانعدام الأمان.

كما لفت التقرير إلى أن الانتشار السريع لأخبار الخطف على وسائل التواصل الاجتماعي ضاعف الذعر في المجتمعات المحلية، وخلق مناخًا من الارتياب والعزلة، خصوصًا في المناطق الساحلية والوسطى.

وفي خلفية ذلك، كانت لجنة التحقيق قد أشارت في تقريرها نفسه إلى استمرار انتهاكات أخرى ضد مدنيين علويين، ما يضع هذه الجرائم في سياق أوسع من الاستهداف على أساس الهوية الفعلية أو المتصورة والانتماء الديني أو الصلة بالحكومة السابقة.

الاختطاف والعنف والإهانة

يفصل التقرير في نوعية الانتهاكات التي تعرضت لها المختطفات، ويؤكد أن الخطف لم يكن، في بعض الحالات، مجرد احتجاز بهدف الفدية أو الإكراه، بل اقترن باعتداءات جسيمة تمس السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

فقد وثقت اللجنة أن ثماني ضحايا على الأقل تعرضن لـعنف جنسي أثناء الاحتجاز، منه الاغتصاب وأشكال أخرى من سوء المعاملة الجنسية، في حين عادت امرأتان وفتاة واحدة من الأسر وهنّ حوامل.

كما أورد التقرير أمثلة على تعرض مختطفات للضرب المتكرر ولإهانات ذات طابع طائفي، مع استجواب خمس ضحايا على الأقل بشأن معرفتهن بالإسلام، وإجبار بعضهن على أداء شعائر دينية أو ارتداء النقاب أثناء الاختطاف.

وخلصت اللجنة إلى أن هذه الوقائع لا تمثل فقط انتهاكات جنائية، بل تمس أيضًا الحق في المساواة وعدم التمييز، وقد يرقى بعض أفعالها إلى التعذيب أو المعاملة القاسية والمهينة.

جهات مسلحة مجهولة

يبرز في هذا السياق أن اللجنة لم تحصر المسؤولية في “فاعلين مجهولين” على نحو مطلق، بل قالت بوضوح إن غالبية الحالات التي حققت فيها نسبت إلى جهات مسلحة مجهولة أو شبكات إجرامية منظمة أو أفراد، لكنها وثقت في إحدى القضايا تورط مقاتلين أجانب منضوين اسميًا ضمن البنية القيادية لوزارة الدفاع التابعة للسلطات الانتقالية.

وأضافت أنها تواصل التحقيق في معلومات موثوقة تتعلق بحالتين أخريين على الأقل يُشتبه في أن مقاتلين أجانب كانوا وراءهما.

كما أشارت إلى أن بعض المختطفات نُقل إلى إدلب، في حين تم تهريب أخريات عبر حدود دولية، منها لبنان.

وهذه النقاط تمنح القضية بعدًا أشد خطورة؛ لأنها تطرح احتمال تداخل بين الانفلات الأمني والجرائم المنظمة من جهة، ووجود عناصر مرتبطة شكليًا بهياكل رسمية من جهة أخرى، حتى لو ظلت بعض التفاصيل قيد التحقيق.

ضعف الاستجابة وحماية الضحايا

ينتقد تقرير لجنة التحقيق الدولية بوضوح طريقة تعامل السلطات مع بلاغات الخطف، ويقول إن الاستجابة تفاوتت بشكل كبير بين حالة وأخرى، ففي بعض الملفات، فُتحت تحقيقات أولية من دون متابعة فعالة، في حين تعرضت عائلات في خمس حالات على الأقل إلى ضغوط لمنعها من متابعة القضية.

والأخطر أن اللجنة وثقت في ثلاث حالات توقيف الضحية نفسها بعد الإبلاغ عن اختطافها، وفي حالتين خضعت الضحيتان لتحقيقات أو ملاحقات مرتبطة بما وصفه التقرير بـ“جرائم متعلقة بالآداب” بعد الإفراج عنهما.

ويعكس ذلك، من زاوية حقوقية، انتقال بعض النساء من وضعية “الضحية” إلى وضعية “المُساءَلة”، وهو ما قد يردع أخريات وعائلاتهن عن التبليغ أصلًا.

ومع أن اللجنة أشارت إلى أن الحكومة شاركت بعض نتائجها في ست قضايا، واعتبرت أن خمسًا منها لا ترقى إلى اختطاف، فإنها شددت على أن كثيرًا من الحالات لم تُحقق فيها السلطات بفعالية كما يقتضي القانون الدولي لحقوق الإنسان.

تحذيرات أممية موازية

تتسق هذه الخلاصات مع تحذيرات أممية موازية صدرت في يوليو 2025، حين أعرب خبراء من الأمم المتحدة عن قلقهم من الاختفاءات والاستهداف المنهجي للنساء والفتيات العلويات في المناطق الساحلية.

وقال الخبراء حينها إن تقارير متواترة تحدثت عن تخدير بعض الضحايا والاعتداء الجسدي عليهن أثناء الاحتجاز، وإن خطر العنف الجنسي لا يمكن استبعاده في ظل غياب آليات آمنة للإبلاغ تراعي حساسية الضحايا.

كما شددوا على أن السلطات تتحمل، بموجب القانون الدولي، مسؤولية حماية النساء والفتيات، وتوفير سبل الإنصاف والعدالة والدعم النفسي والقانوني.

وتمنح هذه المواقف بعدًا إضافيًا لتقرير لجنة التحقيق، إذ تؤكد أن القضية لم تعد مجرد ملف حقوقي محلي، بل تحولت إلى موضع قلق أممي مباشر بشأن حماية النساء في سوريا ما بعد الأسد.

الخوف وانعدام الثقة

يفرض هذا المشهد قراءة أوسع من مجرد تعداد للحالات، فالقضية هنا لا تتعلق فقط بـ21 حالة موثقة، بل بمناخ كامل من الخوف وانعدام الثقة، وباحتمال وجود عدد أكبر من الوقائع التي لم تصل إلى جهات التوثيق بسبب الوصمة والتهديد والخشية من الانتقام.

ولذلك يكتسب تقرير لجنة التحقيق الدولية أهمية خاصة لأنه لا يوثق الانتهاكات فحسب، بل يرسم ملامح نمط من العنف القائم على النوع الاجتماعي والطائفة في مرحلة انتقالية يفترض أن تكون عنوانًا للحماية والمساءلة.

ومن دون تحقيقات مستقلة، وآليات إبلاغ آمنة، ومحاسبة علنية للمتورطين، ودعم نفسي وقانوني فعلي للناجيات، ستظل هذه الجرائم أكثر من مجرد حوادث معزولة.. ستبقى علامة على هشاشة العدالة نفسها في سوريا الجديدة.