منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا
حقوق الإنسان

القتل الصامت تحت التراب.. مخلفات الحرب تحصد أرواح الأبرياء في سوريا

24 مارس 2026
مخلفات الحرب تحصد الأرواح في سوريا
مخلفات الحرب تحصد الأرواح في سوريا

تُظهر مخلفات الحرب في سوريا أن انتهاء المعارك في منطقة ما لا يعني بالضرورة انتهاء الخطر على المدنيين، إذ تواصل الألغام والذخائر غير المنفجرة حصد الأرواح في الحقول والطرقات ومحيط المنازل والمدارس.

وتعيد هذه الحوادث التي تطول الأطفال والنساء والمزارعين والعائدين إلى قراهم، طرح سؤال حقوقي وإنساني قديم ومتجدد.. كيف يمكن الحديث عن عودة آمنة أو تعافٍ مبكر، في حين تبقى الأرض نفسها مصدر تهديد يومياً للحياة؟

وتشير تقارير أممية وإنسانية حديثة إلى أن الذخائر غير المنفجرة لا تزال من أخطر التهديدات التي تواجه المدنيين في سوريا، وأن الأطفال يدفعون ثمنًا باهظًا بسبب فضولهم الطبيعي، أو بسبب اضطرار عائلاتهم إلى العودة إلى أراضٍ ملوثة طلبًا للسكن أو الرزق.

وفي إحاطة أممية أمام مجلس الأمن هذا الشهر، قيل إن 50 شخصًا قُتلوا و97 أُصيبوا منذ منتصف فبراير 2026 فقط بسبب الذخائر المتفجرة في سوريا، ما يؤكد أن الخطر ما زال حاضرًا وبقوة.

مقتل 789 مدنياً

ينسجم ذلك مع ما أورده المرصد السوري لحقوق الإنسان، والذي قال فيه إن مخلفات الحرب تسببت، منذ سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024، في مقتل 789 مدنيًا بينهم 236 طفلًا و54 امرأة.

وبحسب الأرقام التي وثقها المرصد، فقد قُتل منذ مطلع 2026 وحده 110 أشخاص نتيجة انفجار أجسام ومواد وذخائر من مخلفات الحرب، بينهم 32 طفلًا و7 نساء، في حين سُجل خلال 2025 مقتل 599 مدنيًا بينهم 192 طفلًا و41 امرأة.

كما قال المرصد السوري، إن الفترة الممتدة من 8 ديسمبر حتى نهاية 2024 شهدت مقتل 80 مدنيًا نتيجة هذه المخلفات، بينهم 12 طفلًا و6 نساء.

الأطفال في قلب الخطر

يكشف تفصيل الأرقام أن الأطفال ليسوا ضحايا عرضيين في هذه المأساة، بل يمثلون شريحة مركزية من المصابين والقتلى.

وتفيد اليونيسف بأن الأطفال يشكلون نحو ثلث ضحايا الحوادث المرتبطة بالذخائر المتفجرة في سوريا، وهو ما يفسره وجود الألغام ومخلفات الحرب في مناطق سكنية وأراضٍ زراعية وأماكن لعب ومحيط مدارس وبنى تحتية.

وفي تقريرها الإنساني لنهاية 2025، قالت اليونيسف إن سوريا سجلت منذ يناير من ذلك العام 595 حادثة مرتبطة بالذخائر المتفجرة، أسفرت عن 451 قتيلًا و654 جريحًا، وكان الأطفال قرابة ثلث الضحايا.

كما ورد في تقرير آخر أن عدد الحوادث منذ ديسمبر 2024 تجاوز 930 حادثة، وأدى إلى 372 وفاة و543 إصابة حتى نهاية أبريل 2025، بينهم 89 طفلًا قتيلًا و212 طفلًا مصابًا.

وتوضح هذه البيانات أن الخطر لم يتراجع مع هدوء نسبي في بعض الجبهات، بل انتقل من خطوط القتال إلى الحياة اليومية للناس.

عودة النازحين إلى مناطقهم

تفسر منظمات نزع الألغام هذا الارتفاع بعودة أعداد كبيرة من السكان إلى مناطقهم الأصلية بعد تغيرات ميدانية واسعة منذ أواخر 2024.

وأشارت اليونيسف إلى عودة أكثر من 1.2 مليون نازح داخلي وأكثر من 500 ألف لاجئ سوري من دول الجوار حتى ربيع 2025، في وقت لم تكن فيه عمليات المسح والإزالة قد واكبت سرعة هذه العودة.

وتقول مؤسسة “هالو تراست” المعنية بنزع الألغام، إن سوريا كانت تسجل في منتصف 2025 نحو 160 ضحية شهريًا بسبب الألغام والذخائر غير المنفجرة، محذرة من أن الخطر قد يتصاعد أكثر مع انتهاء العام الدراسي وخروج الأطفال إلى الحقول والطرقات المفتوحة.

ويعني ذلك أن بعض العائدين الذين ظنوا أنهم يبتعدون عن جبهات الحرب يجدون أنفسهم أمام حرب صامتة مؤجلة، مدفونة تحت التراب أو مخفية في بقايا المباني والأراضي الزراعية.

كلفة مخلفات الحرب

تمتد كلفة مخلفات الحرب إلى ما هو أبعد من أرقام القتلى والجرحى، فهي تعرقل عودة النازحين، وتحرم العائلات من استغلال أراضيها الزراعية، وتؤجل فتح المدارس، وتمنع إصلاح شبكات المياه والكهرباء والطرق.

وتؤكد اليونيسف أن الذخائر غير المنفجرة منتشرة في مناطق سكنية وأراضٍ زراعية ومنشآت حيوية، ما يجعلها تهديدًا مباشرًا للحياة وسبل العيش في آن واحد.

كما تلفت تقارير أممية إلى أن هذا الخطر يضغط على الأطفال نفسيًا، ويجعل الخروج إلى المدرسة أو اللعب أو مساعدة الأسرة في العمل الزراعي مخاطرة دائمة.

وفي بلد يعيش أصلًا إحدى أطول الأزمات الإنسانية في العالم، تتحول الألغام إلى أداة إضافية لإدامة الفقر والخوف والإعاقة والنزوح.

الحق في الحياة

يؤكد هذا الواقع أن مسألة مخلفات الحرب ليست شأنًا فنيًا أو هندسيًا فحسب، بل قضية حقوقية تمس الحق في الحياة، والحق في الأمن الشخصي، والحق في السكن الآمن، والحق في التعليم والتنقل والعمل.

ولذلك تشدد الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة على ضرورة توسيع برامج إزالة الألغام والتوعية بمخاطرها، مع إعطاء أولوية للأطفال والعائدين والمجتمعات الزراعية.

وفي هذا الإطار، دعت إحاطة الأمم المتحدة الأخيرة إلى تسريع الأعمال الوقائية، في حين شددت اليونيسف ومنظمات الإغاثة على أن التوعية وحدها لا تكفي من دون توسيع عمليات المسح والإزالة والتمويل.