منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

قندهار العطشى.. أزمة المياه في أفغانستان تهدد الحق في الحياة

23 مارس 2026
العطش يضرب عدة مدن أفغانية
العطش يضرب عدة مدن أفغانية

أعادت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تسليط الضوء على واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية إلحاحًا في أفغانستان: أزمة الوصول إلى مياه شرب آمنة، وذلك بمناسبة اليوم العالمي للمياه.

وفي مدينة قندهار جنوب البلاد، قالت اللجنة إن غالبية السكان لا يحصلون على مياه شرب نظيفة عبر الشبكات، وإن النقص بلغ مستويات حادة في أحياء عدة، بينما جفّت معظم الآبار في المدينة، وتراجع منسوب المياه الجوفية في آبار أخرى إلى أكثر من 100 متر، هذا يعني عمليًا أن الماء، وهو أبسط شروط البقاء، بات بالنسبة إلى آلاف الأسر رحلة يومية شاقة ومكلفة، لا خدمة أساسية مضمونة.

الأزمة في قندهار ليست مجرد مشكلة خدمات بل قضية حقوقية وإنسانية مباشرة، فالحق في الماء مرتبط بالحق في الحياة، والصحة، والغذاء، والتعليم، والعيش بكرامة، بحسب ما ذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في بيان لها، اليوم الاثنين.

وحين تضطر الأسر إلى شراء المياه من الصهاريج بأسعار مرتفعة، أو إلى قطع مسافات طويلة للحصول على كميات محدودة لا تكفي للاستخدام اليومي، فإن العبء لا يقع بالتساوي على الجميع.

اللجنة الدولية للصليب الأحمر نفسها أوضحت أن النساء والأطفال يتحملون العبء الأثقل، فيما تؤكد “يونيسف” أن الفتيات والنساء غالبًا ما يكنّ المسؤولات عن جلب الماء، وهو ما يسلب منهن ساعات من التعلم والعمل، ويدفع كثيرات إلى البقاء في المنازل لرعاية أطفال يمرضون بسبب المياه الملوثة أو سوء التغذية.

ثلثي السكان تأثروا بالجفاف

وتزداد خطورة الوضع لأن قندهار ليست استثناءً داخل أفغانستان، بل نموذجًا مكثفًا لأزمة وطنية أوسع، حيث قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن كابول ومزار الشريف وقندهار كلها تواجه ضغوطًا مماثلة، بينما تشير “يونيسف” إلى أن ثلث سكان أفغانستان اليوم لا يحصلون على مياه شرب أساسية، وأن نحو ثلثي السكان تأثروا بالجفاف.

وتضيف المنظمة أن انخفاض مناسيب الأنهار، وارتفاع درجات الحرارة، والتلوث، جعل المياه أكثر ندرة وأقل أمانًا في الوقت نفسه، وهو مزيج بالغ القسوة في بلد يعاني أصلًا من الفقر والهشاشة وضعف الخدمات.

وفي البعد الصحي، تتحول أزمة المياه بسرعة إلى أزمة مرض وسوء تغذية؛ “يونيسف” تحذّر من أن حرمان الناس من المياه النظيفة في المنازل والمستشفيات والمدارس يجعل الأطفال أكثر عرضة للأمراض المنقولة بالمياه، ويُبقيهم بعيدين عن التعليم والخدمات الأساسية.

كما تشير منظمة الصحة العالمية، في نداءها الإنساني لعام 2026، إلى أن الظروف المناخية والجفاف ونقص المياه في سياقات الهشاشة تؤدي إلى ارتفاع الأمراض المنقولة بالمياه وازدياد المخاطر الصحية والتغذوية.

وهذا يعني أن نقص المياه لا يقتل فقط بالعطش، بل أيضًا عبر سلسلة طويلة من النتائج: الإسهال، والتيفوئيد المشتبه به، وسوء التغذية، وضعف المناعة، وتراجع قدرة الأسر على الصمود.

تراكم طويل من الصدمات

وتشرح الجهات الإنسانية أن هذه الأزمة ليست نتاج عامل واحد، بل نتيجة تراكم طويل من الصدمات، فالصليب الأحمر الدولي يربطها بالأزمات الممتدة، والنزاعات، والجفاف، وتراجع هطول الأمطار، والنمو السكاني السريع، وعودة العائلات من الدول المجاورة، والاستخراج غير المنضبط للمياه الجوفية.

وفي قندهار تحديدًا، أشار قادة محليون نقلت عنهم اللجنة إلى أن عودة أسر من الخارج زادت الضغط على موارد مائية كانت أصلًا على حافة الانهيار.

ووفق “يونيسف”، فإن تغيّر المناخ يُشعَر به في أفغانستان أولًا عبر الماء؛ حيث يتحول الجفاف من ظاهرة موسمية إلى عامل دائم يعيد تشكيل الحياة اليومية والاقتصاد الريفي والحضري معًا.

ومن الزاوية الإنسانية، تظهر الأزمة في التفاصيل الصغيرة القاسية: أطفال يتركون الدراسة لقضاء النهار في جلب الماء، أسر عاجزة عن حفر آبار جديدة بسبب الكلفة، ومجتمعات تضطر للاعتماد على مياه سطحية غير آمنة أو على صهاريج خاصة تستنزف ما تبقى من دخلها.

ونقلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن أحد وجهاء قندهار أن الأطفال يغادرون صباحًا للبحث عن الماء ويعودون بعد الظهر ومعهم بضع دلاء فقط، وهي كمية لا تكفي حاجات الأسرة.. هذه ليست فقط صورة للبؤس، بل صورة لانتهاك متراكم للحق في التعليم والحماية والطفولة نفسها.

الأزمة تضرب سبل العيش

وتضرب الأزمة سبل العيش على نحو مباشر، فحين تقل المياه يتراجع الري الزراعي، ويضعف الإنتاج، وتتفاقم هشاشة الأمن الغذائي.

وتقول “يونيسف” إن الجفاف وتراجع المياه يدفعان إلى سوء التغذية نتيجة موت المحاصيل وازدياد الفقر، بينما تشير تقارير أممية إنسانية إلى أن قطاع المياه والصرف الصحي في أفغانستان يواجه احتياجات حادة في 2026، مع تقديرات بأن 15.9 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدة في مجال المياه والصرف الصحي والنظافة، وأن 67% من السكان يواجهون الجفاف وندرة المياه، و32% يعتمدون على مصادر غير آمنة، و18% لا يملكون ما يكفي من مياه الشرب.

هذه المؤشرات توضح أن أزمة الماء في أفغانستان لم تعد أزمة محلية أو موسمية، بل أزمة بنيوية تمس البقاء نفسه.

وفي مواجهة هذا الواقع، تحاول الجهات الإنسانية تخفيف الضرر، لكن حجم الاحتياج أكبر بكثير من التدخلات الحالية.

اللجنة الدولية للصليب الأحمر قالت إنها بدأت في 2025 مشروعًا لتحسين وتحديث نظام المياه في الحي التاسع من قندهار بهدف تحسين الوصول إلى مياه آمنة وموثوقة لنحو 106,300 شخص، عبر تمديد 12.5 كيلومتر من شبكات التوزيع وتركيب بنية تحتية مرتبطة بها، إلى جانب تشغيل مضخات تعزيز بالطاقة الشمسية لتقليل الاعتماد على الديزل وزيادة ساعات الضخ.

كما أشارت إلى مشروع آخر في هرات يدعم محطة الضخ الرئيسية التي تخدم أكثر من 400 ألف شخص.. هذه التدخلات مهمة، لكنها تظل، بحجم الأزمة الوطنية، استجابة إسعافية أكثر من كونها حلًا شاملًا.

مياه شرب آمنة

أما “يونيسف”، فأفادت في تقريرها الإنساني لشهر يناير 2026 بأن 19,313 شخصًا حصلوا خلال ذلك الشهر على مياه شرب آمنة عبر إنشاء وإعادة تأهيل أنظمة مائية مستدامة، وأن 1,848 شخصًا حصلوا على خدمات صرف صحي أساسية.

غير أن هذه الأرقام، على أهميتها، تبقى صغيرة جدًا مقارنة بحجم السكان المحتاجين على المستوى الوطني، ما يعكس الفجوة الكبيرة بين الاحتياج والتمويل والاستجابة.

الوجه الحقوقي للأزمة لا يقل أهمية عن وجهها الإنساني، فحين يصبح الماء سلعة نادرة وباهظة في بلد يعاني أصلًا من الفقر، فإن الأشد ضعفًا هم أول من يدفع الثمن: الأطفال، والنساء، والنازحون، والعائدون، وسكان الأحياء الطرفية والريفية.

والنتيجة ليست فقط العطش، بل اتساع عدم المساواة وتزايد المخاطر الصحية، وتآكل فرص التعليم، وارتفاع احتمالات النزوح الداخلي، وحتى تصاعد التوترات المحلية على الموارد.

اللجنة الدولية للصليب الأحمر شددت على أن الماء عنصر أساسي في الاستجابة للطوارئ ومنع تفشي الأمراض، وأن الحاجة اليوم ليست إلى حلول جزئية فقط، بل إلى بيانات أفضل، وأنظمة أقوى، وعمل منسق يحمي الصحة وسبل العيش والاستقرار.