منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

اعتقال صحفي مُعارض في تركيا يعيد الجدل حول حرية الإعلام

22 مارس 2026
الصحفي إسماعيل أري
الصحفي إسماعيل أري

تصاعدت المخاوف بشأن حرية الصحافة في تركيا بعد توقيف صحفي يعمل في صحيفة “بيرجون” المعروفة بخطها التحريري الناقد للحكومة، في خطوة تعكس استمرار التوتر بين السلطات ووسائل الإعلام المستقلة، ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه البلاد تضييقا متزايدا على الصحفيين، ما يثير تساؤلات حول مستقبل العمل الإعلامي في بيئة تتسم بحساسية سياسية متصاعدة.

وأفادت صحيفة “بيرجون” بأن الصحفي إسماعيل أري أوقف يوم السبت في محافظة توكات شمال البلاد أثناء زيارته بمناسبة عيد الفطر، قبل أن يتم نقله إلى أنقرة صباح اليوم الأحد لاستجوابه على خلفية اتهامات بنشر معلومات مضللة، دون توضيح طبيعة المواد الصحفية التي استندت إليها هذه الاتهامات، وأكدت الصحيفة في بيان نشرته عبر منصة “إكس” أن الصحفي لم ينشر معلومات غير صحيحة، فيما دعا اتحاد الصحفيين في تركيا إلى الإفراج الفوري عنه، مشددا على أن العمل الصحفي لا يمكن اعتباره جريمة.

تصاعد التوقيفات

لا يُعد توقيف إسماعيل أري حالة معزولة، إذ شهدت الأشهر الأخيرة سلسلة من الإجراءات المماثلة بحق صحفيين، من بينهم الصحفي أليجان أولوداغ الذي يعمل مع مؤسسة إعلامية دولية، والذي أوقف في فبراير الماضي بتهمة إهانة الرئيس، وقد أثار هذا التوقيف ردود فعل دولية، حيث طالبت الحكومة الألمانية بالإفراج عنه، في مؤشر على تزايد القلق الخارجي من أوضاع حرية الإعلام في تركيا.

تعتمد السلطات التركية في مثل هذه القضايا على أطر قانونية محددة، أبرزها قانون مكافحة التضليل الذي أُقر عام 2022، إلى جانب مواد في قانون العقوبات تتعلق بإهانة مؤسسات الدولة والرئيس. وقد انتقدت هذه التشريعات منظمات حقوقية بارزة، من بينها منظمة العفو الدولية التي أكدت في تقريرها لعام 2023 أن قانون التضليل يمنح السلطات صلاحيات واسعة لتقييد المحتوى الإعلامي، كما أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقاريرها المتعاقبة إلى أن هذه القوانين تُستخدم بشكل متكرر لملاحقة الصحفيين والمعارضين، وبحسب لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا، وهي هيئة استشارية دستورية، أن الصياغات الفضفاضة لبعض النصوص، خاصة تلك المتعلقة بتعريف المعلومات المضللة، تفتح المجال لتفسيرات واسعة من قبل السلطة التنفيذية، ما قد يؤدي إلى تقييد حرية التعبير بشكل غير متناسب.

تراجع المؤشرات الدولية

تعكس المؤشرات الدولية هذا التدهور، حيث تحتل تركيا المرتبة الـ159 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025، وهو ترتيب يضعها ضمن الدول التي تواجه فيها الصحافة قيودا شديدة، ويشير هذا التراجع إلى تحديات هيكلية تواجه الإعلام، تشمل الضغوط السياسية والقيود القانونية وصعوبات الوصول إلى المعلومات.

لا تقتصر آثار هذه الإجراءات على الصحفيين فقط، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله، إذ يؤدي تقييد الإعلام إلى تقليص تدفق المعلومات وتعدد وجهات النظر، ما يحد من قدرة المواطنين على تكوين آراء مبنية على معرفة كاملة، كما ينعكس ذلك على ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، ويؤثر على دورها الرقابي في متابعة أداء المؤسسات العامة.

شهدت تركيا خلال العقد الأخير تحولات كبيرة في بيئة الإعلام، حيث أُغلقت عشرات المؤسسات الصحفية أو تغيرت ملكيتها، فيما واجه عدد كبير من الصحفيين تحقيقات أو محاكمات، وتزايدت هذه الضغوط بشكل ملحوظ بعد محاولة الانقلاب في عام 2016، التي أعقبتها إجراءات أمنية واسعة شملت مختلف القطاعات، بما في ذلك الإعلام، ومع مرور الوقت، تم إدخال تشريعات جديدة تتعلق بمكافحة الأخبار المضللة، وهو ما أثار انتقادات دولية متكررة، فقد اعتبرت منظمة مراسلون بلا حدود في تقريرها لعام 2024 أن هذه القوانين تشكل أداة ضغط على وسائل الإعلام المستقلة، بينما حذرت منظمة فريدوم هاوس من أن البيئة القانونية في تركيا أصبحت أكثر تقييداً للعمل الصحفي، خاصة مع تزايد حالات التحقيق والمحاكمة، وفي السياق ذاته، أشار تقرير المفوضية الأوروبية حول تركيا لعام 2024 إلى أن القيود القانونية والإجرائية المفروضة على الإعلام تقوض استقلاليته وتحد من تعددية الآراء، ما دفع هذه الجهات مجتمعة إلى الدعوة لإصلاحات قانونية تضمن حماية حرية الصحافة وتعزز التزامات تركيا بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.