لم يعد الدفاع عن حقوق النساء في تونس يقتصر على رفع شعارات المساواة أو المطالبة بتطبيق القوانين، بل صار، بالنسبة إلى كثير من الناشطات، عملا يوميا محفوفا بالضغوط والوصم والهجمات الرقمية ومحاولات التخويف.
وبينما تؤكد أصوات نسوية أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعدا في التضييق على الفاعلات في المجالين المدني والحقوقي، تظهر المعطيات الأوسع أن هذا النضال يجري داخل سياق مركب.. عنف متواصل ضد النساء، تمثيل سياسي متراجع، ومناخ مدني تقول منظمات حقوقية إنه أصبح أكثر انكماشا.
ورغم أن تونس ما زالت تُقدَّم غالبا بوصفها من البلدان العربية التي حققت مكاسب قانونية مهمة للنساء، فإن تلك المكاسب تبدو اليوم، في نظر ناشطات، بحاجة إلى حماية فعلية لا إلى الاكتفاء بالاحتفاء بها، فبيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة تشير إلى أن 88.9% من الأطر القانونية المرتبطة بالمساواة بين الجنسين موجودة في تونس، لكن المؤشرات نفسها تكشف استمرار فجوات واضحة في الواقع.
وتشير بيانات الهيئة الأممية إلى أن 15.7% فقط من مقاعد البرلمان كانت تشغلها نساء حتى فبراير 2024، مع استمرار التفاوت الكبير في أعباء الرعاية والعمل المنزلي غير المدفوع، إذ تقضي النساء 21.9% من وقتهن في هذا العمل مقابل 2.7% للرجال.
مضايقات يومية للنساء
وبحسب منظمات حقوقية، منها الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، فإن المدافعات عن حقوق الإنسان يواجهن مضايقات اجتماعية في مجتمع محافظ، إلى جانب مضايقات رقمية تشمل الشتم والعنف اللفظي وقد تتطور أحيانا إلى عنف مادي.
ورصدت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات ارتفاعا في طلبات المساعدة من نساء يواجهن عنفاً إلكترونياً، فيما وثقت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن 19% من النساء في تونس تعرضن لعنف عبر الإنترنت.
ولا تبدو هذه الأرقام معزولة عن المشهد السياسي والحقوقي الأوسع، حيث كشفت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها عن تونس عن تضييق متزايد على حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، ودعت السلطات إلى وقف الملاحقات والمضايقات بحق الأصوات المنتقدة والناشطين والمدافعين عن الحقوق.
وقالت إن السلطات استخدمت نصوصا قانونية فضفاضة، بينها المرسوم 54 المتعلق بالجرائم السيبرانية، في ملاحقة أشخاص بسبب التعبير السلمي، وفي مناخ كهذا، تصبح الناشطات النسويات جزءا من بيئة أشمل تتعرض فيها الأصوات المستقلة للمراقبة والضغط والتخويف.
عنف ضد النساء
أحد أبرز محاور الخطاب النسوي في تونس اليوم هو أن المشكلة لم تعد في غياب النصوص فقط، بل في ضعف التنفيذ، إذ قالت منظمة العفو الدولية، إن منظمات حقوق النساء واصلت التنديد بثقافة الإفلات من العقاب في قضايا العنف ضد النساء، وبغياب التطبيق الفعّال للقانون عدد 58 لسنة 2017 الخاص بالقضاء على العنف ضد المرأة.
وأشارت منظمة العفو الدولية إلى تسجيل 15 جريمة قتل نساء على الأقل بين يناير وأغسطس من العام الماضي 2025 على يد منظمات حقوقية نسوية.
وتُظهر تقديرات سابقة اعتمدتها الأمم المتحدة في تونس أن 47.6% من النساء أفدن بأنهن تعرضن لشكل واحد على الأقل من أشكال العنف، وهو ما يفسر لماذا ما زالت مسألة الحماية والاستماع والإيواء والمساندة النفسية والقانونية تحتل موقعا مركزيا في عمل الجمعيات النسوية.
كما عملت هيئة الأمم المتحدة للمرأة خلال 2024 على دعم 13 مركزا لرفع قدراتها في مساندة النساء الناجيات من العنف النفسي، وأشارت إلى تحديث آليات متابعة الخطة الوطنية لمكافحة العنف ضد النساء بالتعاون مع وزارات ومجتمع مدني.
تقوية أدوات الاستجابة
ومن زاوية مؤسساتية، تشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن تونس واصلت خلال السنوات الماضية تقوية أدوات الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العمل مع ممثلين عن وزارات ومؤسسات رسمية ومجتمع مدني لتحسين المتابعة والبيانات والخدمات.
غير أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تلغي ما تقوله الناشطات عن الهوة بين النص القانوني والواقع اليومي الذي تعيشه النساء، سواء في البيوت أو الفضاء العام أو الإنترنت.
إلى جانب العنف والمضايقات، تضع الناشطات تراجع التمثيل السياسي للنساء في قلب الأزمة، فالمعطيات الحالية للاتحاد البرلماني الدولي تُظهر أن النساء يشغلن 24 مقعدا من أصل 152 في مجلس نواب الشعب، أي 15.8% فقط.
المشاركة السياسية للنساء
وتشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن تونس تواجه بالفعل تراجعا في المشاركة السياسية للنساء بعد تغييرات في البيئة الانتخابية وإلغاء بعض الإجراءات الخاصة التي كانت تساعد على تعزيز الحضور النسائي.
هذا التراجع ليس مجرد مسألة تمثيل رمزي، فضعف حضور النساء في المؤسسات المنتخبة ينعكس على قدرة الحركة النسوية على تحويل مطالبها إلى سياسات عمومية وموازنات وآليات مساءلة.
ورغم أن تونس أقرت في 2024 إصلاحات اجتماعية مهمة، بينها توسيع إجازة الأبوة من يومين إلى 7 أيام مع ترتيبات إضافية في بعض الحالات، وهو ما اعتبرته هيئة الأمم المتحدة للمرأة خطوة تدعم تقاسم أعباء الرعاية داخل الأسرة، فإن الناشطات يعتبرن أن إصلاحات كهذه لا تكفي وحدها ما لم تُحمَ المشاركة السياسية والمدنية للنساء بوصفها ركيزة لأي تقدم مستدام.
مواجهة الانكماش المدني
وترى منظمات تونسية، أن الانتهاكات المسلطة على المدافعات عن حقوق النساء “باتت مضاعفة”، وأن النسويات يواجهن يوميا هجمات هدفها التخويف وردعهن عن مواصلة الدفاع عن النساء، وفق الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات.
وتربط هذه الضغوط بمنطق أبوي يعتبر المطالبة بالمساواة “بدعة” أو تهديدا لبنية اجتماعية تقليدية، وهذا التوصيف ينسجم مع خلاصات أممية أوسع، فمفوضية حقوق الإنسان أشارت، في تقرير حديث عن التقدم والتراجعات في حقوق النساء عالميا، إلى أن المدافعات عن حقوق النساء يواجهن تحرشا وترهيبا وعنفًا متزايدا في سياق صعود الشعبوية والسلطوية والتيارات المناهضة للحقوق.
وفي الحالة التونسية تحديدا، يعزز هذا الشعورُ ما تذكره منظمات حقوقية عن تقلص الفضاء المتاح للعمل المستقل، فالعفو الدولية تحدثت عن مضايقات طالت ناشطين ومجموعات حقوقية، وهيومن رايتس ووتش دعت إلى حماية حرية التنظيم والعمل المدني ووقف ملاحقة المدافعين عن الحقوق.
وأوصت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري، في ملاحظاتها على تونس أواخر 2025، باتخاذ تدابير فعالة لضمان فضاء مفتوح وآمن لعمل المدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني، بعد مخاوف من تعرضهم للترهيب والمراقبة والمضايقات والاعتقال التعسفي.
ملاحقة حقوقيات تونسيات
وخلال الأشهر الأخيرة برزت أسماء حقوقيات تونسيات تعرضن لإيقاف أو ملاحقات قضائية أو مضايقات علنية؛ إذ أفادت وكالة تونس إفريقيا للأنباء ووسائل إعلام تونسية في نوفمبر الماضي، بالإفراج عن المحامية والإعلامية سنية الدهماني بعد سجنها، فيما واصلت الصحافة التونسية متابعة قضاياها أمام القضاء.
وفي 19 فبراير الماضي، تم تأجيل النظر في قضايا تخص رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة السابقة سهام بن سدرين بعد صدور بطاقة إيداع بالسجن في حقها في ملف مالي.
وفي 19 مارس الجاري، تم الإفراج عن الناشطة الحقوقية سلوى غريسة، المديرة التنفيذية لجمعية “تفعيل الحق في الاختلاف”، بعد نحو سنة من الإيقاف.
وفي 19 مارس، صدر حكم بالسجن 8 سنوات وغرامة مالية بحق سعدية مصباح، رئيسة جمعية “منامتي”، في قضية تتعلق بتجاوزات في تسيير الجمعية وغسيل أموال.
وتُظهر هذه الملفات، بصرف النظر عن اختلاف خلفياتها القانونية، أن عددا من الوجوه النسائية البارزة في المجال الحقوقي والمدني بات في صلب مناخ يتسم بالضغط والملاحقات والجدل العام.
فضاءات آمنة للنساء
في قلب هذا المشهد، لا تبدو مطالب الناشطات قصوى أو مجردة: فضاءات آمنة للنساء وللمدافعات عن حقوقهن، حماية حقيقية من العنف، آليات إنصاف فعّالة، وتمثيل سياسي منصف يضمن أن تكون النساء جزءا من صناعة القرار لا فقط موضوعا له.
وتدعو المنظمات الحقوقية التونسية النساء ضحايا العنف إلى كسر حاجز الصمت، مشيرة إلى أن ما تتعرض له النسويات لن يمنعهن من مواصلة النضال من أجل المساواة التامة، وتشدد على ضرورة خلق فضاءات آمنة والدفاع عن وجود النساء في الفضاء العام.
وتجد هذه المطالب سندا واضحا في المؤشرات، فالعنف ضد النساء لا يزال واسع الانتشار، والعنف الرقمي يصيب نحو خُمس النساء، والتمثيل النيابي للنساء هبط إلى حدود 16% تقريبًا، بينما تتحدث منظمات حقوقية عن تراجع في الفضاء المدني وبيئة أكثر قسوة للمدافعات عن الحقوق.

