بينما يقدّم الاتحاد الأوروبي نفسه رائداً عالمياً في معركة التحول الأخضر، تكشف الأرقام مفارقة مقلقة، وهي أن أحد أكبر التحديات أمام تحقيق أهدافه المناخية لا يكمن في المصانع أو محطات الطاقة، بل في الحقول وسلاسل الغذاء الأوروبية.
فالنظام الزراعي والغذائي الذي يؤمّن الغذاء لمئات الملايين من الأوروبيين يتحول في الوقت ذاته إلى مصدر رئيسي للانبعاثات ووفق تقرير حديث للهيئة الأوروبية الاستشارية العلمية بشأن تغير المناخ، يسهم هذا النظام بنحو ثلث صافي انبعاثات الغازات الدفيئة في دول الاتحاد الأوروبي، ما يضعه في قلب معادلة المناخ ويكشف فجوة متنامية بين الخطاب البيئي الطموح والسياسات الزراعية الفعلية.
هذه الأرقام تعني أن كل شريحة خبز أو كوب حليب أو قطعة لحم تنتقل عبر سلسلة الإنتاج الغذائي الأوروبية تحمل معها بصمة كربونية ممتدة من مصانع الأسمدة إلى الحقول ثم إلى سلاسل النقل والتصنيع والاستهلاك.
ويشمل مفهوم “نظام الغذاء” هنا كامل سلسلة القيمة الغذائية، بدءاً من إنتاج الأسمدة والأعلاف مروراً بالزراعة وتربية الماشية وصولاً إلى التصنيع الغذائي والتوزيع والاستهلاك وإدارة النفايات ووفق تحليل الهيئة الاستشارية، فإن هذه المنظومة الضخمة التي تؤمن الغذاء لمئات الملايين من الأوروبيين تقف أيضاً في قلب معادلة المناخ، حيث تتداخل الانبعاثات الناتجة عن الميثان من الماشية وأكسيد النيتروز من الأسمدة مع الانبعاثات المرتبطة بالطاقة والنقل.
في المقابل، يضع الاتحاد الأوروبي لنفسه هدفاً طموحا يتمثل في خفض صافي انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 90 في المئة بحلول عام 2040 مقارنة بمستويات عام 1990، وهو هدف يشكل محطة مركزية في الطريق نحو تحقيق الحياد المناخي الكامل بحلول عام 2050.
ويؤكد هذا الهدف، الذي اقترحته المفوضية الأوروبية ضمن تعديل قانون المناخ، أن أوروبا تريد أن تظل لاعباً عالمياً في قيادة العمل المناخي غير أن تحقيق هذا الهدف، وفق الخبراء، لن يكون ممكناً إذا ظل قطاع الزراعة والغذاء يسير بالوتيرة الحالية في خفض الانبعاثات.
القطاع الزراعي استثناء سلبي
تاريخياً، نجح الاتحاد الأوروبي في تقليص انبعاثاته في قطاعات عدة مثل الطاقة والصناعة، بفضل التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة والتشريعات الصارمة لتسعير الكربون، لكن القطاع الزراعي بقي استثناءً نسبياً في هذه المسيرة، فوفق بيانات البرلمان الأوروبي، يمثل القطاع الزراعي وحده نحو 10 في المئة من إجمالي الانبعاثات المباشرة في الاتحاد الأوروبي.
لكن الصورة تصبح أكثر تعقيداً عند النظر إلى النظام الغذائي بكامله، حيث ترتفع الحصة الإجمالية للانبعاثات إلى ما يقارب الثلث عند احتساب جميع الأنشطة المرتبطة بإنتاج الغذاء واستهلاكه.
تقرير الهيئة الأوروبية الاستشارية لا يكتفي بتشخيص المشكلة، بل يسلط الضوء على فجوة واضحة بين الطموحات المناخية والسياسات الزراعية الفعلية، فالسياسات الحالية، وفق التقرير، لا تزال غير كافية لتحقيق التحول المطلوب في النظام الغذائي الأوروبي.
وتشير تقديرات تحليلية إلى أن دعم الاتحاد الأوروبي للحوم والألبان بلغ نحو 39 مليار يورو في عام 2020، مع تفاوت كبير في الدعم مقارنة بالمحاصيل النباتية، ويثير هذا التفاوت في الدعم أسئلة جوهرية حول مدى انسجام السياسة الزراعية مع أهداف المناخ.
العادات الغذائية الأوروبية
يمتد التحدي المناخي في أوروبا إلى ما هو أبعد من خطوط الإنتاج الزراعي، ليصل إلى صميم النظام الغذائي للملايين، ففي عام 2026، تشير أحدث البيانات الصادرة عن الهيئة الأوروبية الاستشارية العلمية بشأن تغير المناخ إلى أن المنتجات الحيوانية لا تزال تمثل نحو 65% من الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالغذاء في الاتحاد الأوروبي، مع اعتماد كبير على مساحات واسعة من الأراضي لإنتاج الأعلاف، ما يجعل النظام الغذائي الأوروبي أحد أكبر مصادر الانبعاثات في القارة.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن تقليص استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان بنحو 20% قد يخفض البصمة الكربونية للنظام الغذائي الأوروبي بمقدار 12 ميغاطن سنوياً، وهو ما يعادل تقريباً انبعاثات بلجيكا وكرواتيا مجتمعتين.
غير أن تغيير العادات الغذائية لمئات الملايين من الأوروبيين ليس بالأمر البسيط، فهو يتقاطع مع الثقافة والتقاليد والهوية الوطنية، ويجعل أي محاولة لإعادة تشكيل النظام الغذائي مسألة حساسة سياسياً واجتماعياً.
ويواجه المزارعون ضغوطاً مزدوجة، من جهة، يتحملون مسؤولية التحول نحو زراعة منخفضة الانبعاثات، ومن جهة أخرى، يواجهون منافسة قوية من الواردات العالمية ويعتمدون على الدعم الحكومي في نحو 42% من دخلهم الزراعي.
ووتشير بيانات المفوضية الأوروبية لعام 2026 إلى أن أكثر من 60% من المزارع الأوروبية الصغيرة معرضة لتأثيرات اقتصادية مباشرة في حال تبني سياسات خفض الانبعاثات بسرعة، ما يجعل دعم التحول المالي والتقني ضرورة ملحة لتجنب زيادة الأعباء الاقتصادية على المزارعين.
تؤكد الهيئة الأوروبية الاستشارية أن التحول المطلوب يجب أن يكون شاملاً، بدءاً من تحسين كفاءة الإنتاج الزراعي، وتطوير تقنيات الحد من الانبعاثات مثل احتجاز الكربون، مروراً بتشجيع الأنظمة الغذائية المستدامة والصحية، وانتهاءً بالحد من هدر الغذاء، الذي يمثل نحو 20% من إجمالي الانبعاثات المرتبطة بالغذاء في الاتحاد الأوروبي.
وتشير تقديرات الهيئة إلى أن تعزيز قدرة الزراعة الأوروبية على التكيف مع تغير المناخ أصبح أمراً ملحاً، في ظل زيادة موجات الجفاف والفيضانات وحرائق الغابات، التي أثرت خلال السنوات الخمس الأخيرة على أكثر من 15% من الأراضي الزراعية في الاتحاد الأوروبي، وفق بيانات وكالة البيئة الأوروبية لعام 2026.
ويبرز التحدي السياسي بشكل واضح، إذ يتمتع القطاع الزراعي بنفوذ قوي، وقد شهدت السنوات الأخيرة احتجاجات واسعة من المزارعين في فرنسا وألمانيا وهولندا احتجاجاً على السياسات البيئية التي يصفونها بالتهديد لمصادر رزقهم.
انبعاثات أوروبا الغذائية
قال الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة المصرية، إن التقرير الأوروبي الأخير الذي كشف عن ارتفاع انبعاثات نظام الغذاء والزراعة في أوروبا يثير تساؤلات هامة حول قدرة هذا القطاع الحيوي على التكيف مع متطلبات التحول المناخي العالمي، خاصة في ظل السعي المستمر للاتحاد الأوروبي لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات بحلول عام 2040.
وأضاف فهيم في تصريحات لـ“صفر”، أن استمرار هذه الانبعاثات لا يمثل مجرد قضية بيئية داخلية، بل يحمل أبعاداً حقوقية ترتبط بحق الأجيال القادمة في التمتع ببيئة آمنة ومستقرة.
وأشار إلى أن الدراسات العلمية والأدبيات المتخصصة تؤكد أن نظم الإنتاج الغذائي، بما في ذلك الزراعة، تربية الماشية، سلاسل التوريد والتصنيع الغذائي، تشكل أحد المصادر الرئيسية لانبعاثات الغازات الدفيئة على المستوى العالمي، وإذا لم يتم التحكم في هذه الانبعاثات بفاعلية، فإنها ستزيد من حدة الاحترار العالمي.
وتطرق فهيم إلى التأثيرات المحتملة على الجهود الدولية لمواجهة تغير المناخ، قائلاً: “أي تعثر في قدرة أوروبا على تحقيق أهدافها المناخية لعام 2040 قد ينعكس بشكل واضح على وتيرة العمل المناخي العالمي، فالكتل الاقتصادية الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي تلعب دوراً قيادياً في صياغة السياسات الدولية ودفع الدول الأخرى لرفع سقف التزاماتها”.
وأوضح أن تأخر أوروبا في خفض الانبعاثات، خصوصاً في قطاع حساس مثل الغذاء والزراعة، قد يبعث برسائل سلبية حول جدية التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الكربون، ويشجع بعض الدول على التباطؤ في تنفيذ تعهداتها المناخية، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأهداف العالمية والواقع الفعلي للانبعاثات.
وقال فهيم إن آثار هذه الأزمة لا تقتصر على القارة الأوروبية فقط، بل تمتد إلى مناطق أخرى مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، موضحاً أن هذه المناطق تعتمد بدرجات متفاوتة على الأسواق الأوروبية في التجارة الغذائية وسلاسل الإمداد الزراعي.
ولفت إلى أهمية تبني ممارسات إنتاج أكثر كفاءة، وتقليل الانبعاثات الناتجة عن الأسمدة وإدارة المخلفات الزراعية، وتحسين كفاءة الطاقة في الصناعات الغذائية، بالإضافة إلى الاستثمار في الابتكار الزراعي والتكنولوجيات النظيفة، بما يقلل البصمة الكربونية دون المساس بالإنتاجية أو استقرار الأسواق.
وأضاف فهيم: “في ظل تسارع وتيرة التغير المناخي، تبرز الحاجة إلى إصلاحات وسياسات أكثر شمولاً داخل الاتحاد الأوروبي للحد من انبعاثات قطاع الغذاء والزراعة، مع الحفاظ على مصالح المزارعين واستقرار المجتمعات الريفية”.
وختم بقوله، إن “تحقيق هذا التحول يتطلب مزيجاً من السياسات الاقتصادية والتنظيمية التي تضمن انتقالاً عادلاً للقطاع الزراعي، بحيث لا يتحمل المزارعون والفئات الهشة العبء الأكبر، بل يصبحون شركاء في الحل عبر تبني ممارسات زراعية مستدامة تحقق التوازن بين الأمن الغذائي وحماية المناخ العالمي.
بين الطموح والفشل المناخي
من جانبه، قال الدكتور عادل سليمان، رئيس جمعية بيئة بلا حدود، إن التقارير الأوروبية الأخيرة تضع قطاع الغذاء والزراعة في قلب التحديات المناخية الكبرى التي تواجه أوروبا، مؤكداً أن هذا القطاع أصبح أحد أبرز المعوقات أمام تحقيق أهداف خفض الانبعاثات بحلول عام 2040.
وأضاف سليمان في تصريحات خاصة لـ“صفر”، أن الأزمة تكشف عن أبعاد أعمق تتعلق بأنظمة الإنتاج الغذائي والزراعي الحالية، والتي تعتمد على أساليب غير مستدامة تسهم في ارتفاع الانبعاثات بشكل كبير، ما يزيد المخاطر البيئية ليس فقط داخل القارة الأوروبية، بل على المستوى العالمي، خاصة فيما يتعلق بالأمن الغذائي واستقرار النظم البيئية.
وأوضح سليمان، أن عالم اليوم مترابط اقتصادياً وبيئياً، وأن أي فشل في تقليل الانبعاثات في أوروبا لن يقتصر أثره على الداخل الأوروبي، بل سيمتد إلى دول أخرى تعتمد على الأسواق العالمية للغذاء، وهو ما يجعل التحول نحو نظم غذائية وزراعية أكثر استدامة ضرورة ملحة، ليس فقط لتحقيق أهداف المناخ، بل لضمان حماية الموارد الطبيعية وحقوق الأجيال القادمة.
وعن الأبعاد الحقوقية والبيئية لهذا الملف، قال سليمان، إن استمرار الانبعاثات المرتفعة من قطاع الغذاء والزراعة في أوروبا يمثل قضية حقوقية بقدر ما هو تحدٍ بيئي، والأجيال القادمة لها الحق في العيش في بيئة آمنة ومستقرة، وعندما تستمر الأنظمة الزراعية في إطلاق كميات كبيرة من الغازات الدفيئة، فإن ذلك يسرّع وتيرة التغير المناخي ويفاقم تدهور الموارد الطبيعية، ما ينقل عبء الأزمات البيئية إلى أجيال لم تسهم في صنعها.
ولفت سليمان إلى أن آثار أزمة الانبعاثات في النظام الغذائي الأوروبي تمتد إلى مناطق مثل الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن المنطقة تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء. وأضاف: “أي اضطرابات في الإنتاج أو السياسات الزراعية الأوروبية قد ترفع أسعار الغذاء العالمية، كما أن استمرار الانبعاثات يزيد الضغوط البيئية في المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بندرة المياه والجفاف، وهو ما يشكل تحدياً إضافياً للأمن الغذائي”.
وقال سليمان إن الحكومات الأوروبية تتحمل التزامات قانونية واضحة في تنفيذ سياساتها المناخية وخفض الانبعاثات وفق التشريعات والاتفاقيات الدولية. وأضاف أن الشركات الزراعية الكبرى تتحمل مسؤولية أخلاقية ومهنية في تقليل البصمة الكربونية لعملياتها وسلاسل الإمداد الخاصة بها، مشدداً على أن المطلوب اليوم هو تحول حقيقي نحو ممارسات زراعية أكثر استدامة، مع الاستثمار في الابتكار والتقنيات الحديثة التي تقلل الانبعاثات دون الإضرار بالإنتاج الغذائي.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى تسريع إصلاح سياساته الزراعية، وتوجيه الدعم المالي نحو الممارسات منخفضة الانبعاثات، وتشجيع الزراعة الذكية مناخياً، والاستثمار في تحسين إدارة التربة والأسمدة، وتقليل انبعاثات الميثان من قطاع الثروة الحيوانية.
وأضاف: “في الوقت نفسه، يجب أن يرافق هذا التحول دعم حقيقي للمزارعين، لضمان انتقال عادل اقتصادياً واجتماعياً إلى نظام غذائي أكثر استدامة، بحيث يصبح المزارعون شركاء في تحقيق التوازن بين الأمن الغذائي وحماية المناخ العالمي”.

