منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين التعهدات والتحفظات.. بلغاريا أمام مرآة الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان

22 فبراير 2026

بتعهدات واضحة وستة خطوط حمراء، طوقت بلغاريا ملاحظات المجتمع الدولي في إطار الاستعراض الدوري الشامل، مقدمة مزيجا من القبول المشروط والتمسك الدستوري بثوابت تعتبرها غير قابلة للتعديل.

وخلال الدورة الحادية والستين لـمجلس حقوق الإنسان، يُعرض تقرير الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل بشأن بلغاريا، وهو تقرير موجز في 13 صفحة، لكنه حافل بتفاصيل تكشف مقاربة الدولة للتوصيات الدولية والانفتاح على عدد كبير منها، مقابل التحفظ على أخرى تمس قضايا حساسة.

وتلقت بلغاريا 256 توصية خلال جلسة الحوار التفاعلي في نوفمبر 2025، وبحسب التقرير أيدت 193 توصية، وأحاطت علما بـ53 توصية، وقدمت توضيحات تفصيلية بشأن 10 توصيات قبلت جزءا منها وتحفظت على أجزاء أخرى، فيما أشير إلى تنفيذ 11 توصية بالفعل.

وهذا التفاعل العددي يعكس في جوهره، رغبة بلغاريا في إظهار الالتزام بالآليات الأممية، مع الإبقاء على مساحة سيادية لتفسير الالتزامات بما يتوافق مع الإطار الدستوري الوطني.

تعهدات الحماية والإنصاف

في ملف حماية الضحايا، أكدت بلغاريا أن قانون مساعدة ضحايا الجرائم وتعويضهم ماليا يتيح للمتضررين طلب الحماية والتعويض إذا تعذر حصولهم عليه عبر المسارات القضائية المعتادة، اتساقا مع المعايير الأوروبية ذات الصلة، كما تعمل على مواءمة تشريعاتها مع توجيه أوروبي حديث يهدف إلى حماية المشاركين في النقاش العام من الدعاوى الكيدية أو الإجراءات القضائية التعسفية.

وفي ما يتصل بالزواج القسري وحماية القاصرين، شددت على أن قانون الأسرة يحظر زواج من هم دون الثامنة عشرة، وأن التعديلات المدخلة عام 2023 رسخت هذا الحظر صراحة، إذ يجرم القانون إقامة علاقة زوجية مع أنثى دون السادسة عشرة خارج إطار الزواج، كما يقر مسؤولية جنائية بحق أي بالغ يقنع قاصرا دون السادسة عشرة بالعيش في علاقة زوجية.

وينص دستور الجمهورية بوضوح على المساواة أمام القانون، ويحظر التمييز على أساس العرق أو الأصل أو الجنس أو الدين أو الرأي أو الوضع الاجتماعي أو غيرها من الأسس، وأكدت الحكومة أن قانون الحماية من العنف المنزلي يسمح بتعديل أوامر الحماية بطلب من الضحية أو بقرار قضائي، بما يعزز سبل الانتصاف الفعالة.

وفي ما يتعلق بالعمال المهاجرين، أوضحت بلغاريا أن تشريعاتها الوطنية، إلى جانب التزاماتها في إطار الاتحاد الأوروبي واتفاقيات منظمة العمل الدولية، تكفل معظم الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم.

كما جددت التزامها بمكافحة العنف ضد المرأة، مؤكدة أن تعريف جريمة الاغتصاب في قانونها الجنائي يشمل أي فعل من هذا النوع، سواء ارتكب داخل الزواج أو خارجه، وأن الإطار القانوني لمكافحة التمييز يحظر التمييز، بما في ذلك على أساس الجنس والميل الجنسي.

تحفظات في قضايا حساسة

في المقابل، أعلنت بلغاريا بوضوح أنها لا تعتزم في المرحلة الراهنة التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، معتبرة أن أولويات تشريعية أخرى لا تزال قيد البحث.

كما أثارت مسألة مشاركة المنظمات غير الحكومية في النشاط السياسي، موضحة أن الدستور يعهد بالنشاط السياسي إلى الأحزاب، وأن تنظيم مشاركة الجمعيات في هذا المجال قد يثير إشكاليات دستورية.

وفي ما يخص الهوية الثقافية، شددت على أن الدستور يكفل حق الأفراد في تنمية ثقافتهم بما يتماشى مع انتمائهم الإثني، دون عوائق قانونية أو مؤسسية.

وتمسك بلغاريا بستة مواقف اعتبرها غير قابلة للمراجعة حاليا، أولها رفض إلغاء تجريم التشهير كليا رغم تخفيف العقوبات، بحجة عدم حرمان المتضررين من الحماية القانونية، والثانية عدم استحداث إطار قانوني للاعتراف بالهوية الجنسانية أو التحول الجنساني.

أما الموقف الثالث، فهو الإبقاء على تعريف الزواج في الدستور باعتباره اقترانا حرا بين رجل وامرأة، ما يستتبع رفض تعديل قواعد التبني المرتبطة به، فيما يتعلق الرابع بعدم إدراج نصوص صريحة بشأن جرائم الكراهية على أساس الهوية الجنسانية، رغم التأكيد على وجود حماية عامة من جرائم الكراهية.

ويتمثل الموقف الخامس في التمسك بقرار المحكمة الدستورية لعام 2018 الذي اعتبر أن التصديق على اتفاقية اسطنبول يتعارض مع مبادئ الدستور الأساسية، فيما يشار إلى الموقف السادس في استبعاد إدخال نظام الحصص (الكوتا) في الإدارة العامة والسلك الدبلوماسي.

بين التعهدات والانضباط الدستوري، رسمت بلغاريا حدود تفاعلها مع التوصيات الأممية في الانفتاح المحسوب على تطوير الحماية القانونية وتعزيز سبل الانتصاف، مقابلا لتشديد على السيادة الدستورية في قضايا الهوية والأسرة والنظام السياسي، في مسعى إلى احتواء الانتقادات الدولية، دون التنازل عن ما اعتبرته ثوابت تشريعية.