منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

غزة.. المساعدات تصل ولا تكفي جميع المحتاجين

21 أكتوبر 2026
غزة.. المساعدات تصل ولا تكفي جميع المحتاجين
غزة.. المساعدات تصل ولا تكفي جميع المحتاجين

ست ساعات أو أكثر تقضيها نِهاية المصري في انتظار الطعام أمام أحد المطابخ الخيرية في خان يونس جنوبي قطاع غزة، ثم تعود المرأة البالغة 35 عاما بأربعة أوعية من الأرز والعدس وقليل من الدجاج، وعليها أن تقسمها بين عشرة أفراد، بينهم أطفالها الثمانية وزوجها الذي أصيب في ساقيه جراء غارة.

تقول المصري إن الطعام الذي تحصل عليه يكفي أسرتها ليوم واحد، وفي اليوم التالي يعود القلق بشأن تأمين وجبة جديدة، وسط ظروف معيشية تزيدها إصابة الزوج صعوبة.

وراء هذه التفاصيل تتكشف فجوة بين وصول المساعدات الغذائية إلى مئات الآلاف من سكان غزة وقدرتها على تلبية احتياجات الأسر فعلياً، فالأعداد المعلنة للمستفيدين لا توضح وحدها كفاية الحصص الغذائية أو تنوعها أو انتظام وصولها، خصوصا للأسر التي تواجه صعوبات في الوصول إلى نقاط التوزيع.

أطفال في طوابير الطعام

تمتد مشقة تأمين الغذاء إلى الأطفال الذين يجد بعضهم نفسه مسؤولاً عن البحث عن وجبات لعائلاته، ومن بينهم محمود قصاص، البالغ 12 عاماً، الذي ينتظر أمام المطابخ الخيرية للحصول على الطعام لأسرته المكونة من سبعة أفراد، وفق تقرير نشرته الجزيرة الإنجليزية في فبراير 2026.

وتثير مشاركة الأطفال في البحث عن الطعام أسئلة تتعلق بحمايتهم، في وقت يفترض أن تكون احتياجاتهم الغذائية وسلامتهم من أولويات الاستجابة الإنسانية.

احتياجات تتجاوز حجم المساعدات

بحسب تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، المؤرخ في 23 يوليو/ تموز 2026، كان متوقعا أن يواجه نحو 1.4 مليون شخص، أي 67% من سكان قطاع غزة، مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي عند مرحلة الأزمة أو أشد، خلال الفترة الممتدة من يوليو/ تموز إلى ديسمبر/ كانون الاول 2026.

وسبق أن واجه أكثر من 1.2 مليون شخص، نحو 59% من السكان، مستويات مماثلة بين 16 أبريل/ نيسان و30 يونيو/ حزيران 2026، بينهم نحو 212 ألف شخص في مرحلة الطوارئ.

وفي المقابل، تشير بيانات أممية إلى وصول طرود غذائية لنحو 1.5 مليون شخص خلال مايو/ أيار 2026، لكن الحصص ظلت غير كافية من حيث الكمية والجودة والتنوع، مع عدم انتظام توافر الخضراوات الطازجة ومصادر البروتين.

وتظهر هذه المعطيات اتساع الاحتياج الغذائي، رغم وصول المساعدات إلى أعداد كبيرة من السكان.

خبير غذائي يواجه الأزمة

الدكتور محمد الراعي، الخبير الغذائي وأحد سكان قطاع غزة، يجمع في شهادته لـ”صفر” بين المعرفة المهنية والمعاناة الشخصية. يقول إن منزله دُمر خلال الحرب، وإنه يقيم حالياً في شقة مستأجرة، لكنه لا يحصل على مساعدات غذائية تلبي احتياجاته.

ويشير الراعي إلى أن بعض الأسر المتعففة المقيمة خارج المخيمات تواجه صعوبات في الوصول إلى نقاط التوزيع، ما يجعل مكان الإقامة والقدرة على التنقل عاملين مؤثرين في الحصول على المساعدة، مؤكداً أن المشكلة لا تتعلق بكمية الطعام وحدها، بل بنوعيته وقيمته الغذائية.

ويحذر من أن استمرار الاعتماد على غذاء محدود التنوع قد يزيد مخاطر سوء التغذية، خصوصا لدى الأطفال والحوامل وكبار السن و المرضى، مؤكدا أن بعض الوجبات تعتمد على الكربوهيدرات، مثل الأرز، من دون تنوع كافٍ في البروتينات والدهون والفيتامينات والمعادن.

وتبرز شهادته أهمية تقييم المساعدات وفق احتياجات الأسر الغذائية الفعلية، وليس بمجرد حصولها على وجبة أو طرد غذائي.

وزارة التنمية الاجتماعية: 880 ألف مستفيد

في المقابل، تؤكد وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية استمرار التنسيق مع المؤسسات الدولية والمحلية لتوفير المساعدات للأسر الأكثر احتياجا في قطاع غزة.

وتوضح الوزارة، في ردها على “صفر”، أن المساعدات الغذائية العامة خلال أغسطس/ آب 2026 وصلت إلى أكثر من 880 ألف شخص ضمن 228 ألف أسرة، وشملت الطرود الغذائية والطحين والخبز والوجبات الساخنة.

وتُقر الوزارة بأن الاستجابة الإنسانية تواجه تحديات تتعلق بنقص التمويل والمخزون، ما يؤثر في كفاية المساعدات وانتظام وصولها إلى الأسر المحتاجة. وتشدد على ضرورة تعزيز الدعم وتوسيع نطاق الاستجابة لضمان وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر هشاشة.

ورغم حجم الاستجابة المعلن، تبقى أسئلة تتعلق بمدى مراعاة الحصص الغذائية لأعداد أفراد الأسر واحتياجاتهم الصحية، وآليات الوصول إلى الأسر المقيمة خارج المخيمات، وسبل معالجة الشكاوى المتعلقة بعدم الحصول على المساعدات.

ولا تكفي المقارنة بين أرقام المستفيدين في مايو/ ايار وأغسطس/ آب للحكم على زيادة المساعدات أو تراجعها، نظرا لاختلاف الفترات والجهات التي أصدرت البيانات.

الحق في الغذاء يتجاوز توزيع الوجبات

يرى الأكاديمي في القانون العام وحقوق الإنسان المحامي أحمد حمدي، في حديث لـ”صفر”، أن الحق في الغذاء لا يقتصر على توفير الطعام أو توزيع الوجبات، بل يشمل الحصول على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ بصورة منتظمة، بما يحفظ كرامة الإنسان ويلبي احتياجاته الأساسية.

وتنص المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الحق في مستوى معيشي كاف، بما يشمل الغذاء، والحق الأساسي في التحرر من الجوع.

كما تحدد المادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة التزامات القوة القائمة بالاحتلال بشأن ضمان إمدادات الغذاء والإمدادات الطبية للسكان، ضمن الشروط المنصوص عليها فيها، فيما تتناول المادة 59 السماح بعمليات الإغاثة وتسهيلها عندما لا يكون سكان الأراضي المحتلة مزودين بما يكفي من الإمدادات.

ومن هذا المنطلق، فإن تقييم الاستجابة الغذائية في غزة يرتبط بمدى كفاية الغذاء وتنوعه وانتظام وصوله، وقدرة جميع المحتاجين على الحصول عليه دون تمييز، وتستدعي هذه المعايير تعزيز الإمدادات وتحسين آليات التوزيع، مع مراعاة الأسر التي يصعب عليها الوصول إلى المساعدات، وتوفير بيانات واضحة عن كفاية الحصص وآليات تلقي الشكاوى.

وتبقى الفجوة الأخطر في غزة بين أن تُسجّل الأسرة ضمن المستفيدين من المساعدات، وأن تتمكن فعلياً من تأمين غذائها، ففي سجلات الإغاثة قد تنتهي المهمة عند تسليم الحصة، أما الحق في الغذاء فلا يتحقق بمجرد إثبات الاستلام، وبين ما تسجله كشوف التوزيع وما يصل إلى موائد الأسر، تتحدد مسؤولية الجهات المعنية عن استجابة لا تكتفي بإحصاء من حصلوا على الطعام، بل تضمن ألّا يبقى الحصول عليه معركة يومية من أجل البقاء.