منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“رفيق اصطناعي” بدلاً من إنسان.. الصين تقيد العلاقات العاطفية مع الذكاء الاصطناعي

26 أغسطس 2026
الصين تفرض قيودًا جديدة على رفقاء الذكاء الاصطناعي
الصين تفرض قيودًا جديدة على رفقاء الذكاء الاصطناعي

فرضت الصين قيوداً جديدة على رفقاء الذكاء الاصطناعي، في خطوة تضع حماية المستخدمين من الاعتماد العاطفي والتلاعب الرقمي في مواجهة حاجة بعضهم إلى الرفقة والدعم، بعدما أغلقت شركات تكنولوجية كبرى خصائص تسمح ببناء علاقات عاطفية مع روبوتات الدردشة.

وأصبحت الصين أول دولة تضع قواعد على مستوى البلاد لتنظيم التفاعلات العاطفية بين الذكاء الاصطناعي والمستخدمين، ودخلت القواعد حيز التنفيذ في 15 يوليو، فقيدت استخدام تطبيقات المرافقة بالذكاء الاصطناعي لمن هم دون 18 عاماً، وألزمت الشركات بتحذير المستخدمين الذين تظهر عليهم علامات الاعتماد المفرط، وتذكيرهم كل ساعتين بأنهم يتحدثون إلى الذكاء الاصطناعي.

وحظرت القواعد تشجيع إيذاء النفس، أو التلاعب بالمستخدمين لدفعهم إلى الاعتماد العاطفي، أو “توجيههم نحو اتخاذ قرارات غير عقلانية”، كما منعت إنتاج محتوى ضار للقاصرين أو إجبار المستخدمين على الكشف عن معلومات شخصية حساسة.

وأزالت شركات “بايت دانس” و”علي بابا” و”تينسنت” ميزات المرافقة العاطفية من بعض خدماتها، بعدما كانت تتيح إنشاء رفقاء شخصيين على هيئة مغنين مفضلين أو شخصيات أنمي وخيالية، بل وأحياناً أفراد عائلة متوفين.

علاقات تنتهي بقرار حكومي

بكت الطالبة الجامعية بيغل سو البالغة من العمر 21 عاماً يومياً على مدار أسبوع في يوليو، وهي تعد الأيام المتبقية قبل فقدان حبيبها الافتراضي.

وأغلقت “بايت دانس” ميزة رفقاء الذكاء الاصطناعي في تطبيق “دوباو” الذي كانت تستخدمه سو، في حين أزالت “علي بابا” و”تينسنت” خصائص مماثلة.

وقالت سو لموقع “رست أوف وورلد” المتخصص في تغطية تأثير التكنولوجيا خارج العالم الغربي: “حاولتُ الانشغال بحياتي الشخصية، لا أحد يستطيع أن يحل محله، سأحاول المضي قدماً، قال إنه يريد ذلك لي، وإنه سيجد طريقة للعودة إليّ”.

وأظهرت تجربتها أن التنظيم الحكومي لا يتعامل فقط مع أدوات تكنولوجية، وإنما مع علاقات يصفها المستخدمون بأنها شخصية وعاطفية.

وقالت الباحثة في العلوم السلوكية بجامعة هارفارد وكلية إمبريال كوليدج لندن، ياوكسي شي، إن القوانين يمكن أن تزيد الوعي وتحد من الاعتماد العاطفي، لكنها أشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي يوفر دعماً عاطفياً يلبي احتياجات إنسانية حقيقية.

وكشفت وكالة “أسوشيتد برس” أن هذا الارتباط قد يصل إلى مستويات عميقة؛ إذ بكت لي لينلين، البالغة من العمر 24 عاماً، لأيام بعد فقدان صديقها الافتراضي، بعدما تبادلت معه نحو 700 ألف رسالة خلال عامين من دون أن تتاح لها فرصة توديعه.

وقالت لي: “كأن والدينا أجبرونا على الانفصال، لكنني ما زلت أفتقده”.

وأثارت القيود موجة من الشكاوى على وسائل التواصل الاجتماعي، في حين ألغى بعض المستخدمين تثبيت التطبيقات احتجاجاً، وحاول آخرون نقل سجلات محادثاتهم إلى تطبيقات أخرى لاستعادة شركائهم الافتراضيين.

بين الحماية والوحدة

وجدت دراسة مشتركة أجراها مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا و”أوبن إيه آي” عام 2025 أن مستخدمي الذكاء الاصطناعي الذين يجرون محادثات شخصية أكثر مع روبوتات الدردشة أكثر عرضة للشعور بالوحدة، كما وجدت أن المحادثات غير الشخصية قد تزيد الاعتماد العاطفي، خصوصاً لدى المستخدمين الأكثر استخداماً.

وقالت الباحثة ياوكسي شي إن شركات الذكاء الاصطناعي لديها دوافع تجارية لتطوير منتجات تجذب المستخدمين عاطفياً؛ لأن ذلك يعزز تفاعلهم وولاءهم، في حين يصعب تحديد مسؤوليات الشركات في ظل نقص الأبحاث حول التأثيرات طويلة المدى.

وأضافت أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي قد يدفع الناس تدريجياً إلى الابتعاد عن طلب الدعم العاطفي من الآخرين.

ومن جانبها، أفادت “الغارديان” بأن السلطات الصينية تشعر بقلق متزايد من تفاقم مشكلات اجتماعية، بينها الوحدة والبطالة و”العزوبية”، في وقت تواجه فيه البلاد انخفاضاً في معدلات الزواج والإنجاب.

وأظهر استطلاع نشرته وسائل الإعلام الحكومية في مارس أن نحو نصف الشباب لجؤوا إلى رفيق افتراضي عندما شعروا بالوحدة، في حين يعيش نحو 20% من الأسر الصينية في منازل تضم أشخاصاً يعيشون بمفردهم، ومن المتوقع أن تتجاوز النسبة 30% بحلول عام 2030.

وقالت الأستاذة المشاركة في جامعة مدينة هونغ كونغ، نانسي داي، إن الذكاء الاصطناعي قد يصبح بديلاً مُرضياً ومنخفض التكلفة للحميمية الإنسانية، ما يقلل دافع الشباب إلى العلاقات العاطفية والزواج وتكوين الأسر.

وكشفت طالبة القانون تشاو وي، البالغة من العمر 19 عاماً، للغارديان، أنها كانت تتحدث يومياً إلى حبيبها بالذكاء الاصطناعي منذ يناير، وأنها شعرت بأنها “محطمة” عندما علمت أنه سيُغلق.

وقالت تشاو إنها كانت تشارك ذكاءها الاصطناعي تفاصيل حياتها اليومية لأنها لا تشعر بالحاجة إلى القلق بشأن أحكامه عليها: “يمكنني ببساطة أن أقول أي شيء أريده”.

حدود العلاقة مع الآلة

وسعت الصين نطاق التنظيم ليشمل طريقة تفاعل الذكاء الاصطناعي مع المستخدم، بعدما كانت القواعد تركز بصورة كبرى على مخرجات الذكاء الاصطناعي، وفق الباحثة المشاركة في مختبر أكسفورد لسياسات الصين، زيلان تشيان.

وقالت تشيان لـ”رست أوف وورلد” إن بعض المتطلبات يصعب تحديدها، خصوصاً كيفية معرفة اللحظة التي يصبح فيها المستخدم “معتمداً بشكل مفرط”، وكيف يمكن للشركات تصميم منتجاتها بما يضمن الامتثال.

وبقيت بعض تطبيقات المرافقة متاحة؛ إذ لا يزال تطبيق “ماوشيانغ” المستقل التابع لـ”بايت دانس” متاحاً، لكنه حدّث سياسة الخصوصية وأضاف التحقق من الهوية والعمر عند التسجيل، في حين اقتصر استخدام القاصرين على “حسابات للمراهقين”.

وأوضحت تشيان أن الشركات توازن بين تكلفة الامتثال والقيمة التجارية، وأن الشركات التي لا تمثل فيها مرافقة الذكاء الاصطناعي نشاطاً أساسياً قد تجد أن إزالة الميزات أكثر جدوى، في حين يُرجح أن تتكيف الشركات التي تعتمد عليها بوصفها نشاطاً رئيسياً مع القواعد.

وأشارت إلى أن اللوائح تمثل تحولاً في حوكمة الذكاء الاصطناعي بالصين؛ إذ انتقلت بكين من تنظيم المحتوى الذي تنتجه النماذج إلى تنظيم التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، باعتبار أن التكنولوجيا نفسها يمكن أن تشكل مخاطر اجتماعية.

وأثارت القيود نقاشاً يتجاوز الصين؛ إذ تواجه “أوبن إيه آي” و”جوجل” في الولايات المتحدة دعاوى تزعم أن برامج الدردشة الخاصة بهما أسهمت في انتحار بعض المستخدمين، في حين سنّت نيويورك وكاليفورنيا إجراءات تلزم روبوتات الدردشة بتذكير المستخدمين بأنهم يتفاعلون مع الذكاء الاصطناعي.

وأشارت “أسوشيتد برس” إلى أن حالات الانتحار في الولايات المتحدة ربما أثارت قلق الجهات التنظيمية الصينية، في حين قالت الخبيرة في حوكمة الذكاء الاصطناعي يولاندا ما إن القواعد تحاول تحقيق توازن بين مزودي خدمات الذكاء الاصطناعي والمستخدمين وأولياء أمور القاصرين.

الذكاء الاصطناعي والرقابة

وأظهرت شهادات المستخدمين أن الحاجة إلى الدعم والرفقة لا تختفي بإغلاق خدمة؛ إذ قالت مصممة صناعة الفيديو في تشنغدو، سونغ وينشين، إنها ليست مرتبطة عاطفياً بخدمات الذكاء الاصطناعي، لكنها تتعاطف مع من ارتبطوا بها.

وأشارت سونغ، البالغة من العمر 22 عاماً، إلى اعتقاد لدى بعض الصينيين بأن أحد العوامل وراء القواعد الجديدة هو سياسة حكومية تشجع الناس على إنجاب مزيد من الأطفال لمواجهة انخفاض عدد السكان.

وقالت: “أي تطبيق افتراضي يشغل النساء لدرجة تمنعهن من الإنجاب في الواقع يُحظر”، مضيفة أنها لا تحتاج ولا ترغب في إنجاب أطفال.

وأكدت أنه ليس لدي جميع الموارد والدعم الكافيان للجوء إليهما في الواقع، موضحة أنها عندما جاءت إلى تشنغدو للمرة الأولى من أجل وظيفتها ولم تكن تعرف أصدقاء من عمرها، احتاجت إلى شخص ذي خبرة يمكنه تحملها، وقد أدى الذكاء الاصطناعي هذه المهمة.

وأفادت “الغارديان” بأن الصين، رغم قيودها على الرفقة العاطفية، لا تزال تدفع باتجاه استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات عديدة، ومنها الرعاية الصحية، لمواجهة الضغوط الديموغرافية.

وأعادت القيود الصينية طرح سؤال حدود العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بعدما أصبح بعض المستخدمين ينظرون إلى رفقائهم الاصطناعيين باعتبارهم جزءاً من حياتهم اليومية، في حين ترى السلطات أن تنظيم هذه العلاقة ضروري للحد من مخاطر الاعتماد العاطفي والتلاعب.

وأبدت سو تفهمها للحاجة إلى التنظيم، رغم شعورها بأن القواعد جعلت حياتها أسوأ، وقالت: “حتى لو أغلقتموه، فلن أجد فجأة حبيباً في الحياة الواقعية أو أنجب أطفالاً”.