منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد سقوط 5 قتلى وأسرة مصابة

أيرلندا.. ترند “القيادة المعكوسة” يفتح ملف حماية المراهقين على تيك توك

22 أغسطس 2026
دعوات لحماية الأطفال من تحديات تيك توك
دعوات لحماية الأطفال من تحديات تيك توك

كشفت حادثة مقتل خمسة مراهقين وإصابة أسرة مكونة من أربعة أفراد بجروح خطيرة في أيرلندا عن مخاطر محتوى القيادة المتهورة الذي ينتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أثارت مقاطع تظهر سلوكيات خطرة وغير قانونية على الطرق مطالبات بإجراءات أكثر فاعلية لحماية المستخدمين، ولا سيما الأصغر سناً، من المحتوى الذي يمجّد المخاطرة أو يروّج للسلوك الإجرامي.

وقعت الحادثة في الساعات الأولى من يوم 16 أغسطس، عندما اصطدمت سيارة “بي إم دبليو” كانت تسير عكس اتجاه السير على الطريق السريع “إم9” بسيارة “هيونداي”، ما أسفر عن مقتل خمسة مراهقين كانوا يستقلون السيارة الأولى، في حين أصيبت ثلاث نساء وطفل كانوا داخل السيارة الثانية بجروح خطيرة، وكانت الأسرة في طريقها إلى مطار دبلن لحضور حفل زفاف عائلي في المملكة المتحدة.

أفادت “رويترز” بأن مقاطع فيديو يُزعم أنها صُورت من السيارة، إلى جانب مقاطع أخرى لسيارات تشارك في أنشطة خطرة، انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في الوقت الذي قال فيه رئيس لجنة الفنون والإعلام والاتصالات والثقافة والرياضة في البرلمان الأيرلندي، آلان كيلي، إن المأساة أثارت “تساؤلات جدية” حول انتشار محتوى يبدو أنه يمجّد السلوكيات الخطرة وغير القانونية على الطرق، مطالباً بـ”إجراءات فعّالة من منصات التواصل الاجتماعي”.

وطلبت هيئة تنظيم الإعلام في أيرلندا “آر تي إي” من تيك توك “تقريراً كاملاً” عن الإجراءات التي اتخذتها بشأن محتوى القيادة الخطرة والمتهورة على منصتها، في حين أفادت الشرطة بأن هناك مجموعات من الشباب تتنافس فيما بينها عبر مقاطع فيديو تُظهر تفاعلها مع الشرطة وقيادتها عكس اتجاه السير على الطرق السريعة.

وأعلنت الحكومة توفير الموارد التي تحتاجها الشرطة، في حين اقترحت تجريم القيادة عكس اتجاه السير على الطرق السريعة، وأعلنت الشرطة الأيرلندية أنها تخطط لإدخال تدريب على مطاردة المركبات لضباطها قبل نهاية العام.

وحذر وزير العدل، جيم أوكالاهان، من القيادة عمداً في الاتجاه المعاكس على الطريق السريع: “سينتهي بك الأمر في السجن أو في قبر”.

مساءلة المنصات

دعت لجنة الإعلام في البرلمان الأيرلندي شركة “تيك توك” إلى مناقشة المحتوى الإلكتروني الذي يروج للنشاط الإجرامي، بعدما أصبحت مقاطع القيادة المتهورة، ومنها القيادة عكس اتجاه السير على الطرق السريعة، محور انتقادات سياسية ومجتمعية عقب الحادث.

ورفضت “تيك توك” الدعوة، موضحة أنها لا تستطيع الحضور بسبب التحقيق الجاري الذي تجريه الشرطة الأيرلندية في حادث الطريق السريع ، إلى جانب فحص تجريه هيئة تنظيم الإعلام “كوميسيون نا ميد” لمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي المرتبط بالحادث.

وأوضحت رئيسة الشؤون العامة في “تيك توك”، سوزان موس، أن تصريحات رئيس لجنة الإعلام، آلان كيلي، أوحت بأن الهدف من الدعوة يتعلق تحديداً بأحداث 16 أغسطس، مشيرة إلى أن الشرطة الأيرلندية وهيئة تنظيم الإعلام تجريان تحقيقاتهما الخاصة، وأن الشركة ترى أنه لن يكون من الممكن المثول أمام اللجنة في جلسة علنية حتى اكتمال هذه الإجراءات وإتاحة الفرصة لها لتقييم نتائجها.

وأضافت موس أن “تيك توك” لا ترى من المناسب أن تكون الممثل الوحيد لقطاع مشاركة الفيديوهات في هذا السياق، لكنها أبدت استعداد الشركة للمشاركة في جلسة إحاطة خاصة والإجابة عن أسئلة أعضاء اللجنة في وقت مناسب.

ووفقاً لصحيفة “آيرش تايمز” الأيرلندية، أكدت الشركة أنها تراقب عن كثب المحتوى المتعلق بالحادث، وتعمل على إزالة مقاطع الفيديو والحسابات التي تنتهك إرشاداتها المجتمعية أو سياساتها المتعلقة بالمحتوى غير القانوني، موضحة أن لديها سياسات تحظر المحتوى الذي يمجّد العنف أو يشجع عليه، أو يروّج للجريمة، أو يقدم تعليمات حول كيفية ارتكاب أعمال ضارة.

وردّ رئيس لجنة الإعلام، آلان كيلي، على قرار “تيك توك”، داعياً الشركة إلى إعادة النظر في موقفها، ومعلناً أن اللجنة ستدعو ممثلين عن “جوجل” و”ميتا” و”إكس”، وربما شركات أخرى ذات صلة، للحضور أيضاً ومناقشة المحتوى الإلكتروني الذي يروّج للنشاط الإجرامي.

وقال كيلي إن اللجنة تريد فهم الإجراءات المتبعة لحماية المستخدمين، “ولا سيما المستخدمين الأصغر سناً”، من المحتوى الذي يمجّد السلوكيات الخطرة أو المتهورة أو غير القانونية، معتبراً أن تأثير “تيك توك” في أيرلندا وشعبيته بين الشباب يفرضان عليها مسؤولية كبيرة.

ووصف كيلي رفض “تيك توك” المشاركة في جلسة علنية بأنه “صفعة في وجه الشعب الأيرلندي”، مطالباً الشركة بالمثول أمام اللجنة والإجابة مباشرة عن الأسئلة المتعلقة بإجراءات حماية المستخدمين.

وأكد أن استمرار التحقيقات ليس سبباً كافياً، من وجهة نظره، لعدم الحضور، وأنه لا يمانع حضور شركات التواصل الاجتماعي الأخرى إلى جانب “تيك توك”.

وأكدت هيئة “آر تي إي” أن كيلي راسل تيك توك مجدداً، معرباً عن خيبة أمله من رفض الدعوة، ودعا الشركة وممثلين آخرين ذوي صلة إلى اجتماع علني للجنة، وأوضح أن جوجل وميتا وإكس دُعيت أيضاً للحضور، في ظل ما وصفه بالقلق العام الكبير بشأن القضية.

دور المنصات

وصفت أستاذة علم النفس السيبراني الجنائي في جامعة شرق لندن، ماري أيكن، السلوك بأنه “هجين”، موضحة أن الشبان يقومون أثناء قيادة السيارة بتصوير المحتوى في الوقت نفسه، إما لنشره لاحقاً أو لبثه مباشرة، بحيث يكون لديهم “قدم في العالم الحقيقي وقدم في الفضاء الإلكتروني”.

وأوضحت أيكن أن الفضاء الإلكتروني يمكن أن يكون تجربة نفسية غامرة تعزز الميل إلى المخاطرة وتجاهل العواقب، وقالت: “إنهم يفكرون في عدد الإعجابات، ويفكرون في المكانة والتقدير”.

وأفادت “الغارديان” بأن البحث عن الإثارة والإعجاب من الأقران من خلال هذا السلوك ليس جديداً، لكن وسائل التواصل الاجتماعي صعّدت الظاهرة وضخمتها، مشيرة إلى أن بعض الشبان الذين لقوا حتفهم كانوا معروفين للشرطة، وأن ثلاثة منهم كانوا معروفين أيضاً لدى وكالة رعاية الطفل “توسلا”.

كما سبق لعدد منهم نشر مقاطع فيديو للقيادة المتهورة التي كانت تُعرف سابقاً باسم “القيادة للمتعة”.

وأفادت التقارير بتحميل مقاطع جديدة خلال الأسبوع الماضي لحوادث أخرى تتعلق بالقيادة المتهورة على “تيك توك”، ما زاد الانتقادات الموجهة إلى المنصة والمطالبات بمزيد من التنظيم وتطبيق القواعد.

وأثارت المأساة ردود فعل متباينة؛ إذ أدت موجة التضامن مع الأسرة المصابة إلى حملة لجمع التبرعات تجاوزت 660 ألف يورو، في حين دفعت التعليقات المسيئة بشأن الشبان الخمسة أقاربهم إلى سحب إعلانات الجنازات.

ودعا أسقف كيلدير وليغلين، دينيس نولتي، إلى الحذر في استخدام اللغة، مؤكداً أن الكلمات يمكن أن تجرح، لكنها يمكن أيضاً أن تشفي، وحث على عدم التشهير بالشبان، بل البحث عن سبل لتحسين السلوك.

وطالب سياسيون بعقوبات أشد على القيادة الخطرة، ومنها تصنيف القيادة في الاتجاه الخاطئ على طريق سريع باعتبارها شروعاً في القتل، في حين واجهت الشرطة انتقادات مرتبطة بقدرتها على التعامل مع مطاردات السيارات، في ظل عدم حصول أفرادها على التدريب اللازم وإمكانية تحميل الضباط مسؤولية شخصية إذا حدث خطأ أثناء المطاردة.

وقال ضابط سابق في الشرطة الأيرلندية، جراهام كافاناه، إن القيادة المتهورة بحثاً عن الإثارة مشكلة تعود إلى عقود، مستذكراً شباباً كانوا يجدون الإثارة في السرقة والقيادة بسرعة ومطاردة الشرطة لهم.

ودعا كافاناه إلى تدخل الآباء والمعلمين والأخصائيين الاجتماعيين وغيرهم في وقت مبكر، مؤكداً أن الشرطة تستطيع محاولة اعتراض السائقين، لكن منع الشباب الذين يعانون من مشكلات من الاستمرار في هذا المسار يتطلب تدخلاً مجتمعياً في وقت مبكر.