الخطر الذي يهدد بعض أحياء الساحل المغربي لم يعد مجهولا أو عصيا على القياس، هناك خرائط تحدد المناطق القابلة للغمر ودراسات ترسم ما قد يحدث مع ارتفاع مستوى البحر، وخطط محلية تتحدث بالفعل عن الفيضانات والتآكل الساحلي.
ومع ازدياد المعرفة بالخطر تتغير طبيعة المسؤولية أيضا، فالمسألة لم تعد انتظار الفيضان ثم تعويض المتضررين، بل منع الخطر المتوقع من انتزاع الأمان من مساكن السكان.
على ساحل الدار البيضاء–المحمدية، تضع التغيرات المناخية الحق في السكن أمام اختبار عملي يتعلق بالتخطيط العمراني والوقاية والإنذار والحماية، وبمدى قدرة السكان، خصوصا الأكثر هشاشة، على البقاء في مساكن آمنة دون أن تتحول إجراءات التكيف نفسها إلى طريق نحو الإخلاء أو النزوح.
23.5 كيلومتر مربع قابلة للغمر
أظهرت دراسة علمية منشورة عام 2024 عن مخاطر الفيضانات الساحلية على امتداد ساحل الدار البيضاء–المحمدية أن نحو 23.5 كيلومتر مربع من أصل 109 كيلومترات مربعة من المنطقة المدروسة قابلة للغمر في الظروف الحالية، بينها نحو 13.9 كيلومترا مربعا من المناطق الحضرية.
وتقدر الدراسة أن المساحة الإجمالية القابلة للغمر قد تزيد بنحو 10.87% بحلول 2100، بينما قد ترتفع المساحة الحضرية المعرضة بنحو 20.9%، وحددت المحمدية وعين السبع ومرزك وشواطئ تماريس ضمن المناطق الأكثر هشاشة.
ولا يرتبط الخطر بارتفاع البحر منفردا، إذ وجدت الدراسة أن الفيضانات تحدث أساسا عند المد العالي، وأن اندفاع الأمواج يسهم بنسبة كبيرة في إجمالي ارتفاع المياه خلال الأحداث البحرية الشديدة.
ساحل يسكنه معظم المغرب
تزداد أهمية هذه الأرقام بالنظر إلى الثقل السكاني والاقتصادي للساحل المغربي، فبحسب البنك الدولي، يتركز أكثر من 65% من سكان المغرب و90% من أنشطته الصناعية في المناطق الساحلية، ما يجعل ارتفاع مستوى البحر عاملا طويل الأمد في زيادة مخاطر الفيضانات، خصوصا في المناطق المنخفضة.
وسجل المغرب نحو 20 فيضانا كبيرا خلال العقدين الماضيين، بخسائر مباشرة تقدر بنحو 450 مليون دولار سنويا.
ويشير البنك الدولي إلى أن الأسر الأضعف اقتصاديا تتعرض بصورة غير متناسبة لهذه المخاطر، وأن المناطق الأكثر خطورة تميل إلى التركز في أحياء أفقر وأضعف اتصالا بشبكات النقل والخدمات الصحية والطوارئ.
الحق في السكن
لا يحمي الحق في السكن مجرد وجود سقف وجدران، بل يرتبط بالأمان وصلاحية المسكن للحياة والوصول إلى الخدمات الأساسية، وهنا تنتقل القضية من الجغرافيا إلى حقوق الإنسان، فإذا كانت مناطق الخطر معروفة ويمكن توقع تعرضها المتزايد للفيضانات والتآكل، تصبح الوقاية والتخطيط العمراني وإدارة المخاطر جزءا من حماية السكان، خصوصا عندما يمكن للضرر أن يمتد من المنزل إلى شبكات المياه والصرف الصحي والطرق والكهرباء والخدمات المحيطة به.
ولا يعني ذلك أن كل ضرر ناجم عن ظاهرة مناخية يشكل انتهاكا لحقوق الإنسان، وإنما أن معرفة السلطات بخطر متوقع وقابل للتخفيف ترفع أهمية اتخاذ تدابير معقولة للوقاية والحماية.
هذه ليست مخاطر تتحدث عنها الدراسات العلمية فقط، فخطة عمل المحمدية وعين حرودة للفترة 2022–2027 تضع ضمن أولوياتها تطوير وتنفيذ إطار استراتيجي محلي لإدارة مخاطر الفيضانات والتآكل الساحلي في سياق ارتفاع مستوى البحر وتزايد العواصف. كما تعتمد سيناريوهات مستقبلية، بينها سيناريو 2050، للمساعدة في تحديد تدابير الحماية والتكيف.
وتكمن أهمية الخطة حقوقياً في أنها تثبت أن الخطر معروف ومحدد وأن أدوات التخطيط بدأت بالفعل في التعامل معه، ومن هنا يصبح السؤال التالي أكثر أهمية: هل تتحول المعرفة بالمخاطر إلى حماية فعلية للأحياء والسكان قبل وقوع الكارثة؟
الحماية لا تبدأ بعد الفيضان
يرى الخبير القانوني المختص بحقوق الإنسان كمال بن عمر أن تغير المناخ أصبح تهديدا مباشرا لمنظومة من الحقوق، بينها الحياة والصحة والسكن والعيش في بيئة آمنة.
ويقول بن عمر، في حديثه لـ«صفر»، إن مسؤولية الدولة في المناطق الساحلية لا تتوقف عند التدخل بعد وقوع الفيضان، بل تمتد إلى الوقاية وتقليل المخاطر وتعزيز خطط التكيف والإنذار المبكر، مع إيلاء اهتمام أكبر للفئات الأقل قدرة على مواجهة الكوارث.
ويضيف بن عمر أن الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والسكان الأقل دخلا يحتاجون إلى حماية إضافية، لأن قدرتهم على تحمل خسارة المسكن أو الانتقال أو إصلاح الأضرار ليست متساوية مع غيرهم.
وترتبط هذه الحماية بالتخطيط العمراني وعدم التوسع غير المدروس في المواقع المعروفة بارتفاع تعرضها للغمر، إلى جانب تطوير الإنذار والإجلاء والبنية التحتية القادرة على الصمود.
التكيف نفسه قد يخلق مشكلة حقوقية، لكن حماية الساحل تطرح معضلة أخرى؛ فقد تتطلب بعض المناطق مستقبلا قيودا عمرانية أو أعمال حماية مكلفة، وقد تصبح مواقع أخرى أكثر صعوبة في السكن إذا ازدادت المخاطر. وهنا ينبغي ألا تتحول سياسات التكيف إلى تحميل السكان الأضعف وحدهم كلفة حماية المدن.
الانتقال من منطقة شديدة الخطورة قد يصبح في ظروف معينة خيارا ضروريا، لكنه لا ينبغي أن يتم على حساب حقوق السكان أو من دون ضمانات وتعويض ومشاركة حقيقية في القرارات التي تمس مساكنهم ومصادر رزقهم.
وهذه النقطة تكتسب أهمية في بلد يتوقع البنك الدولي أن يشهد، في السيناريو المناخي الأكثر تشاؤما، ما يصل إلى 1.9 مليون مهاجر مناخي داخلي بحلول 2050، أي نحو 5.4% من السكان وفق النموذج المستخدم، ولا يعني الرقم أن جميع هؤلاء سيغادرون المناطق الساحلية أو يتجهون إلى المدن، لكنه يكشف حجم التأثير المحتمل للمناخ في أنماط الحركة السكانية داخل المغرب.
الشاطئ نفسه يتراجع
لا يقتصر التهديد على الفيضانات، فقد وجد البنك الدولي أن متوسط تراجع الشواطئ الرملية المغربية يبلغ نحو 12 سنتيمترا سنويا على الساحل الأطلسي و14 سنتيمترا على الساحل المتوسطي، مقابل متوسط عالمي يبلغ نحو 7 سنتيمترات.
ومع ارتفاع مستوى البحر وتزايد الظواهر الجوية المتطرفة، يمكن أن تتفاقم الضغوط على السواحل مستقبلا، ولهذا لا يكفي بناء حواجز في كل موقع، بل تطرح المؤسسات الدولية أيضا حلولا قائمة على الطبيعة يمكن أن تكون في بعض الحالات أكثر استدامة وأقل كلفة على المدى الطويل من الاعتماد الكامل على البنية التحتية الصلبة.
وتكشف حالة المحمدية مفارقة أساسية في العدالة المناخية: كلما تحسّنت قدرة العلم على تحديد الأماكن المعرضة للغمر أصبح من الأصعب التعامل مع الكارثة المستقبلية باعتبارها حدثا مفاجئا بالكامل، فالخرائط لا تمنع البحر من الارتفاع لكنها تمنح السلطات فرصة لمنع جزء من الخسائر قبل وقوعها.
ولهذا تبدأ حماية حق السكان في السكن من التخطيط قبل البناء، وتصريف المياه قبل الفيضان، والإنذار قبل الإجلاء، وحماية الفئات الهشة قبل أن تفقد مساكنها، وإشراك السكان قبل اتخاذ قرارات قد تغير مستقبل أحيائهم.

